24 - 06 - 2024

السلطة والإعلام.. أزمة ثقة!

السلطة والإعلام.. أزمة ثقة!

يوم 25 مايو الماضى كان زميلى خالد البلشى نقيب الصحفيين يجلس فى الصف الخلفى لمقعد الرئيس، وعلى مقربة منه يجلس زميلى كرم جبر رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الاعلام، فى معرض افتتاح سيادة الرئيس لعدد من المشروعات القومية، وكعادته فى معظم اللقاءات الرئاسية وجه الرئيس رسالة جديدة للإعلام، حين طالب بتناول ما يتم إنجازه في مصر من مشروعات بـ"موضوعية"، ملمحاً إلى ضرورة "التحدث مع الناس في القضايا التي تهمهم"..

ومنذ عشر سنوات مضت وبالتحديد يوم 5\8\2014 قال الرئيس خلال كلمته في احتفالية إعلان تدشين محور تنمية قناة السويس، «الزعيم الراحل جمال عبدالناصر كان محظوظا، لأنه كان بيتكلم والإعلام كان معاه».

وخلال السنوات العشر المنقضية بدا للجميع أن الرئيس لا يروق له الأداء الإعلامي للدولة المصرية، فرسائل اللقاءات الرئاسية طيلة هذه السنوات لم تنقطع فى كل مناسبة تقريبا..

والحقيقة أنه ليس الرئيس وحده الذى لا تروق له منظومة الإعلام المصرى، فالشعب المصرى أيضاً لم يعد يعول كثيراً على الإعلام.. سواء كان الرسمى أو غير الرسمى، وأرقام توزيع الصحف، وأرقام مشاهدة البرامج الإخبارية، والتوعوية على الفضائيات المصرية خير دليل على هذا الإنهيار.. الذى صاحبته خسائر مالية فادحة للمؤسسات الإعلامية المملوكة للدولة، بل والأكثر ألماً أن حالة اتفاق عام فى كل أوساط الإعلاميين تقدر أن الاعلام المصرى، مرئيا ومقروءا ومسموعا، يعيش حالة من الإنهيار التام، ليصبح السؤال الأن كيف حدث ذلك؟!..

نعم.. كان أعلام عبد الناصر يحرك الوطن العربى من المحيط للخليج، ويتفاعل معه العالم، ولكن قبل الإجابة على هذا السؤال الشائك، دعنى أقول أن رسائل النقد أو العتاب الرئاسى للإعلام المصرى طيلة السنوات العشر الماضية، لم تكن موجهة على الإطلاق لزملائى العاملين داخل المنظومة، بقدر ما هى موجهة لتلك الجهات المتعاقبة التى قامت بالإشراف على توجيه شراع السفينة الإعلامية المصرية، وفى كل مرة كان عشرات ومئات من الصحفيين والاعلاميين هم من يدفعون ثمن هذا الفشل غير المسؤولين عنه.. لا من قريب ولا من بعيد!!

باختصار شديد لأن كل قبطان أوكل إليه توجيه السفينة، قام بتوجيهها دون أن يترك للبحارة استخدام أدواتهم الحقيقية وخبراتهم بالإبحار، خاصة وسفينة الإعلام المصرى كان مقدرا لها أن تشتبك فى واحدة من أعنف معارك البحار الإعلامية، وتعددت السفن التى تحمل أعلام بلدان من الأعداء وأيضاً بلدان صديقة.. وقد وجهوا مدافعهم الإعلامية الثقيلة صوب الدولة المصرية، وهى مدعومة بمليارات مشبوهة، تساقطت من كل حدب وصوب، فى نفس ذات اللحظة التى كان هناك داخل مصر.. من ترتعد أوصاله من مجرد مانشيت صحفى يبدو أنه معارض، حتى ولو كان ينطلق من أرضية وطنية.

ولا يروق لى الآن أن أقارن بين إعلام عبد الناصر والسادات وإعلام السنوات العشر الماضية، فتلك الخلفية التاريخية، لن تكون فى صالح البحث عن حلول حقيقية لعودة عصر الريادة المصرية للإعلام - وإن كانت مهمة - ولكن دعنى أخبركم أن مرحلة "شيطنة" الصحافة فى مصر، دفعت مصر أثمانا غالية لها، وعلى أي حال فقد أثبتت الأيام فشلها الذريع، وليس هناك دليل على هذا أكثر من الأداء الحالى لنقيب صحفيي مصر بخلفيته المعارضة.. وهو الذى لم يقف في صفوف السلطة أبداً.. إلا بعد توليه مقعد نقيب صحفيي مصر، ليشكل ومجلسه نموذجا للمعارضة الوطنية التى تُعلى من المصالح العليا للأمن القومى المصرى على أى خلاف داخلى فى وجهات النظر..

نعود للسؤال الرئيسى كيف يمكن إنقاذ الإعلام المصرى من هذا الانهيار؟ والحقيقة أن الإجابة على هذا السؤال تحتاج الكثير من العرض ولا تتسع له هذه السطور، ولكن دعنى أختصر الأجابة فى ثلاث محاور رئيسية لا رابع لها:

- الأول هو "الحرية" فلا يوجد إعلام بلا حرية، وغبى من يتصور أن نقد سياسة إحدى الوزارات.. تعنى بالضرورة فشل السلطة أو النظام السياسي، وأن مناقشة حرة لقضايا المجتمع قد تسيء لكيان الدولة، وأن صوت الصحافة والإعلام حتى فى القضايا الشائكة يمكنه أن ينال من قوة الدولة، بل العكس تماما هو الصحيح.. والحقيقة أن إعلام الصوت الواحد لا يقتنع به أحد.. فكيف سأقنع القارئ أو المشاهد بصدقى حين أتحدث عن إنجازات قومية، وهو مدرك تماماً أننى لا أستطيع أن أتناول أزمة المحليات فى الأحياء بالنقد، أو أنتقد سياسات الدولة فى تجميد انتخابات المحليات، وماترتب عليه من إشكاليات فساد ملأت كل شوارع مصر؟!

- المحور الثانى هو التمويل ورؤوس الأموال المستثمرة فى الإعلام وماهية إدارتها، كيف يمكن أن تسخر الأقلام والشاشات للحديث عن إنجازات دولة وبطون أبنائهم جائعة، ولا يملكون حتى الإنفاق على جمع المعلومة.. ووصل الأمر لترك قامات إعلامية مهمة عملهم فى الإعلام تماماً للبحث عن "ستر الحياة" لأسرهم.. كيف يمكن أن ينتعش الإعلام وسط حالة من احتكار الصوت الواحد للمؤسسات الإعلامية، والتضيق المالى على المؤسسات الخاصة، لدرجة انهيار منظومة الإعلانات فى كافة وسائل الإعلام وهى المورد الرئيسي لتمويل المؤسسات، أضف إلى ذلك أن غياب هامش الحرية، فتح الباب للإعلام الشعبى على منصات التواصل الأجتماعى للدخول كمنافس شرس.. بدون أى معايير لا مهنية ولا أخلاقية، وسط تضيق متعمد على مصادر المعلومات التى كان يمكننا من خلالها منافسة أي منصة، سواء كانت مهنية أو حتى "سوشيال ميديا"، ففى النهاية المعلومة الحقيقية هى من ستنتصر إن وجدت!!

- المحور الأخير هو إدارة المؤسسات الإعلامية ذاتها، والتى سقطت فى بئر سحيق يسمى أهل الثقة، وليس على قمة جبل أهل الخبرة، والذين كان يفترض أن توكل لهم فعلياً إدارة دفة السفينة الإعلامية وسط كل هذه الأمواج الداخلية والخارجية العاتية..

والحل بسيط جداً فى هذا المحور، لقد عاشت مصر منذ ثورة يناير حالة من الفرز المجتمعى الكامل، والذى طال بالضرورة كل فرد فى منظومة الإعلام، وبات معلوما بشكل دقيق، أنه ليس كل من يفكر بمفرده شيطان، الحقيقة التى باتت واضحة كالشمس، أن فى الشوارع الخلفية لمهنة الإعلام صحفيين ومعدين ومقدمي برامج على درجة عالية من الكفاءة، وأغلبهم يحملون الحس الوطنى الحر، وحتى المعارضين منهم ينطلقون من أرضية وطنية مخلصة، فالمرتزقة والشياطين من أبناء الإعلام المصرى.. يديرون فعلياً الان المنظومة الإعلامية المعادية ضد الدولة المصرية.

وأخيراً يمكننى أن أستحضر مشهدا كاشفا لهذا الواقع المرير، يحدث الآن فى أروقه نقابة الصحفيين، وهى تستعد لعقد مؤتمرها السادس لإنقاذ هذه المهنة، ولك أن تتخيل أن خلافا حادا بين فريقين يدور الآن حول قانون الصحافة المهتريء، والذى سحقته عجلات الزمن، ولم يعد صالحا لممارسة مهنية حقيقية، حيث سنجد فريقا يرتعد من فكرة المساس بالقانون.. خشية أن تنتهز الدولة الفرصة وتضع قانونا معيبا يمتليء بمعوقات النشر ويتأمر على حرية الصحافة، وفريقا آخر يتحدث عن تعديلات حتمية فى القانون الحالى لابد أن تحدث، على أن تراقبها الجماعة الصحفية، باختصار هناك "أزمة ثقة" بين الدولة والصحافة والجميع يعلم أسبابها وهذه السطور فى حِلَ من ذكرها الأن..

من أجل هذا لابد أن يتم فض هذا الاشتباك الآن.. ليس لصالح السلطة، وليس لصالح الصحافة، ولكن لصالح مصر.. فالمعارك التى تخوضها مصر تحتاج جنود الإعلام فيها دون شك، وأعتقد أنهم على أتم استعداد لدخول المعركة بشكل جماعى ومنظم.. بعد أن خاضوها بشكل فردى طيلة السنوات العشر الماضية.
------------------------
بقلم: وليد الغمري
(نقلا عن بلدنا اليوم)

مقالات اخرى للكاتب

وزارة الخارجية تحتفي باليوم الدولي للمرأة في العمل الدبلوماسي





اعلان