15 - 07 - 2024

مصر كنانة الله في أرضه

مصر كنانة الله في أرضه

مصر كنانة الله في أرضه وزهرة الأزمنة وصخرة التاريخ

وإرادة الله، ومشيئته، وقدرته، لا يعلمها إلا هو، الفعّال لما يريد. وإرادة ومشيئة، فوق كل مخلوق،.. قدرة ليس لها حدود. ومصر ليست كأى وطن، أو أى أرض. لها تاريخ، ليس كأى تاريخ.  وشعبها ليس كأي شعب.. وجيشها العظيم حماها، على مرّ التاريخ.. مصر لم تضع، فى يوم من الأيام، ولن تضيع، أو تنتهى. بهرت من غزاها، وقهرت من احتل أرضها، مقاومة وكفاحا.. وصمودا..

تحيا مصر..

ويحيا جيشها البطل الباسل ويحيا شعبها العظيم وتحيا قيادتها الحكيمة.. وستظل مصر أبية شامخة صامدة مهما تآمر عليها الغرب أو تآمر عليها المتآمرون من كل صوب..

والتاريخ فن ومجال للفكر، وفرع من ميادين المعرفة الانسانية،.. يتميز بفلسفته ومنهجه،.. وعلم له أسسه وقواعده،.. ولا يبحث إلا عن الحقيقة.. لذا فهو يبحث في تطور الإنسان، وسياق الحوادث المرافقه له، بالتتبع الدقيق لحركة المكان والزمان المرصودة، ومعرفة الأحداث والوقائع، فى تسلسلها عبر الزمن، من حوادث الماضي وأخبارها، والسير التي رافقتها.. مقصده ومبتغاه فى ذلك، هو تحليل وفهم هذه الأحداث التاريخية، عن طريق منهج علمى له قوانينه، يصف ويسجل ما مضى، من تلك الوقائع وهذه الأحداث، فى ملتقى الزمان بالمكان.. يحللها ويفسرها ويقوّمها، على أسس وقواعد علمية صارمة، لا يحيد عنها، بغية الوصول إلى الحقائق الموضوعية، التى تساعد الإنسان على فهم لماض، ومعرفة لكنه الحاضر، ثم التوقع والتنبؤ بالمستقبل.

وفى فلسفة التاريخ.. الدول صفحات.. والسنون تمرّ سطور وكلمات.. هذا ولد وذاك مات.. حضارة تأفل، وأخرى تبزغ شمسها.. عام يرحل، وآخر آت.. ومن رحم المجهول يولد شعاع نور، كلمات تحيا الدهر.. شئ واحد فقط.. حقيقة التاريخ.. يتدبّرها، ويتفكّر بها أولو الألباب.. وما حدث، وما يجرى فى مصر، فى بضعة سنين من الزمن، لم يكتبه التاريخ بعد.. حركة الحياة فى صيرورتها، دون إبطاء، هى الأمل الدائم، حتى يجئ مؤرخ  يسجل ما وقع فى سنوات هذا العقد من الزمان، فيدونه أسطرا نضدة، بعد دراسة ونزعة تأمل،  روايةً لحقيقة تاريخ باقية،.. تاريخ غير مشدود بين أوتار حناجر، قائمة على منابر، أو أخبار صحف، بأقلام سائبة كانت، أو موجهة. جوهر لم يته يوما، بين أمواج، ولا يضيع أبدا فى دوامات.. فى النهاية، تُستخلص الحقيقة، وتستقر بما تسرده، كاشفة لضباب الأيام..، تتبلور جزئياتها، وتترابط تفاصيلها، عن مجريات الأمور، فى كنانة الله فى أرضه..

هكذا تصبح صفحات الحقيقة،  أعمدة فى التاريخ.. ودوما هى، حُجّة صمود، دائرة على الوهم، تدمغ الباطل،.. وزاهقة له. لا تطويها سنون ماضية، ولا يسقطها زمن يمرّ. هكذا نقرأ التاريخ،.. نجنى من ثماره، وتعلو بحقيقته همم،  وترتقى فى معارجه العقول، فنعى الماضى مدركين، ونفهم الحاضر، ونستشرف المستقبل. بإختصار، وحتى يأتى مؤرخ، نتذكر دُررا، ونطالع لآل فريدة،.. نسبر غور مصادر وقطوف التاريخ، عن أحوال وأخبار مصر، من أمثال بدائع الزهور  فى وقائع الدهور لابن إياس الحنفى،.. والنجوم الزاهرة، وحوادث الدهور في مدى الأيام والشهور  لسيف الدين أبى المحاسن ابن تغري بردى.. وإغاثة الأمة فى كشف الغمة، والسلوك لمعرفة دول الملوك وإتعاظ الحنفا، وغيرها من حوليات أحمد بن على المقريزى،.. ونستظل بمصنفات القلقشندى، وجلال الدين السيوطى،.. وصولا إلى عجائب الآثار في التراجم والأخبار لعبد الرحمن الجبرتى، وعبد الرحمن الرافعى فى سلسلته التاريخية، وغيرهم.. ولعلنا نقرأ لمؤرخ، فى يوم ما يأتى، كتابا أو سفرا تاريخيا حديثا، عمّا حدث فى الكنانة، ووقع،  بعنوان من أيام مصر.. فى تاريخ وطن.

مصر ملتقى الأنبياء والرسل، ومعبرهم.. وطئت أقدامهم ترابها، وعاشوا على أرضها، وحيوا.. دائما، احتفظت بمكانة خاصة، ونالت التقدير في قلوبهم. كانت معبرا، ومكوثا، وإقامة، لعديد منهم.. وفى إطار هذا المشهد الكبير، نقرأ للمقريزى فى الخطط والآثار، أن آدم عليه السلام، دعا لنيلها بالبركة، ودعا فى أرضها، بالرحمة والبر والتقوى،.. وبارك فى نيلها وجبلها، سبع مرات، .. فكان أول من دعا لها، بالرحمة، والخصب، والرأفة، والبركة. وفى كتاب فتوح مصر وأخبارها، للمؤرخ ابن عبد الحكم، أن نوحا عليه السلام أطلق عليها الأرض المباركة، وأم البلاد وغوث العباد، ونهرها أفضل أنهار الدنيا.. وجاءها أبو الأنبياء إبراهيم الخليل، وأقام بين أهلها، وأُكرم فيها، وتزوج منها، مصاهرة لأهلها،.. هاجر المصرية، التى أنجبت له إسماعيل أبو العرب، فارتبط المصريون نسبا، إلى نسل إبراهيم الخليل، ومنهم إسماعيل. كما كان بمصر دانيال، وأرميا، ولقمان..  كما أتاها وولد بها، عدد من الأنبياء والمرسلين والصالحين،.. منهم نبى الله إدريس،.. أول من بعث بأرض الكنانة، واستمر فيها، داعيا إلى الله. وولد بها كليم الله موسى، وحملته صفحة النهر الخالد، وتربى فيها، ونشأ. وولد بها أخوه هارون، ويوشع بن نون، وذو الكفل، والخضر، وأرميا ولقمان.. عليهم جميعا السلام. وممن كان بها من صدّيقين وصدّيقات، مؤمن آل فرعون، المذكور فى القرآن بمواضع كثيرة. وآسيه امرأة فرعون، وأم إسحاق، ومريم ابنه عمران، وماشطة بنت فرعون. ومكث بمصر فترة من الزمن، أبو الأنبياء إبراهيم خليل الله، ويوسف الصديق ابن يعقوب، الذى تلقى بها آباه عليهما السلام. وتزوج يوسف من أهلها بنت صاحب عين شمس،.. كما تزوج زليخا، ورزق منها الولد. كما مكث بها عيسى عبد الله ورسوله، وأمه الصديّقة السيدة مريم.. حضرها طفلا مع أمه، ويوسف النجار. وهكذا، كان بمصر إبراهيم الخليل، وإسماعيل، وإدريس، ويعقوب، ويوسف، واثنا عشر سبطا.. وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم مارية القبطية،.. أهداها اليه مقوقس مصر، وولدت منه إبراهيم. مصر سيناء، والطور، والنيل..

مصر مزار العلماء، ومقامهم، وقبلتهم.. شعب مصر، ليس كأى شعب، ورجالها، ليسوا أى رجال.. جندها ليسوا كأى جند.. كم مرّ عليها من محن، وكم واجهت من صروف، وكم هزمت ودحرت من عدو. كم عبرت من أيام صعبة، ومحن، وأزمات. أيا ما كان، ومهما كان، ومثل ما كان، هى مصر.. زهرة الزمن، وصخرة التاريخ، وركنه، وعامود الحضارة.. قاهرة الهكسوس،.. صاحبة حطين، وعين جالوت.. عنوان الشرق، ضد بربرية الفرنجة، وتتارية المغول. هازمة الإنجليز، وداحرة الفرنسيين، واليهود. ماحية أحلام الغزاة، والإستعمار، والخائنين.. مدمرة سدنة الوهم، وأهل الفتنة، وكيد الحاقدين، ومكر الكارهين، من أمم، وبغاة.. لم تغرق مصر، فى يوم من أيام مضت، ولن تغرق، ولن يكون، مهما كان.. مصر النصر والعبور.. ستحيا، ستحيا مصر..، كما أرادها الله أن تكون، منذ أن كانت حضارة، وكان تاريخ، يملأ الأعين، والأفهام. سيعيش هذا الوطن، ويبقى بإذن الله، وأمره، ومشيئته، طالما كانت هناك دنيا وعالم.. كما أحياها، ذكرا، صراحة، وضمنا، في ثمانية وعشرين موضعا، فى كتابه الحكيم المجيد، القرأن الكريم.. وكما ذكرها، وزكّاها رسولنا محمد إمام الأنبياء والمرسلين، وأشرف الخلق، صلى الله عليه وسلم. هذه هى مصر، مولدنا ووطننا، وحياتنا.. نصاب الأمر، مصر قلب العروبة والإسلام.. الأمن والأمان.. أرض، وشعب، وحضارة، وتاريخ،.. قلب وجوهر دّين، حياة.. لن تنكسر إرادتها، أو مسيرة شعبها الأبيّ، أمام ما يُحاك ضدها، من مؤمرات. عاش جيشها القوىّ العظيم، صامدا وباقيا، فى وجه كل طاغ، من دول ودويلات، وجماعات.. لن يطاله معول مكر، وجنده خير الأجناد. أبدا، لن تحيق بمصر دائرة سوء، فتموت. أبدا، لن تنقسم، أو تتقسّم كنانة الله، فى أرضه.. ستبقى قوتها، بأمر الله،.. بتراثها العريق وحضارتها التليدة، وما تحمله ذاكرة تاريخها، وعبقرية عقلية شعبها، التي صاغتها تجارب الزمن.. الهوية الحقيقية، والنسيج، لهذه الأمّة وموروثها.. ولا تزال جارية فى شرايينها ووجدانها، كما نيلها.. تبزغ كما الشمس، فى  كتابات المؤرخين ورواياتهم عنها، منذ قديم، والتي حفظتها لنا الكتابات التاريخية. لن ينمحى اسم مصر، أو تنسى كنايتها،  أبدا، ما بقى ذكرها، فى القرآن العظيم.. قصم الله، وأهلك من أراد مصر بسوء. حفظ الله وطننا. حفظ الله مصر. ولا كلمات، ولا بيان،  عن مصر، بعد ورود ذكرها، في القرآن الكريم، في عدة مواضع، منها قول الله تعالى :

{اهبطوا مصراً فإنَّ لكم مَّا سألتم} (سورة البقرة :61)

وقوله  جلّ شأنه:

{ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين} (سورة يوسف :99)
---------------------------------
بقلم: خالد العرفي

مقالات اخرى للكاتب

مصر كنانة الله في أرضه