24 - 06 - 2024

وليد الخشاب لـ المشهد": فلسطين نموذج لمقاومة المحو في زمن الحرب

وليد الخشاب لـ المشهد

- هناك أهمية رمزية لكل عمل يحفظ تاريخ الأمة في فلسطين المحتلة
-  ممارسة الحب وإنجاب الأطفال هو فعل مقاومة وتسجيل فيديو على منصة تيك توك توثيق للحياة
- عملي الأكاديمي في كندا يعزز مقاومة فكر الهيمنة الغربية التوسعية وخطابي يدعو إلى حوار الحضارات لا إلى تصارعها

الدكتور وليد الخشاب أستاذ الدراسات العربية بجامعة يورك في تورنتو (كندا) هو شاعر وناقد ومترجم. صدرت له بالقاهرة أربعة دواوين منذ مطلع القرن الحادي والعشرين، ونشر العشرات من الدراسات الأكاديمية المحكمة في دوريات علمية، وألقى عشرات المحاضرات، في دول عدة من كندا وأمريكا شمالاً إلى أستراليا جنوباً، ومن تركيا ولبنان شرقاً إلى الجزائر والمغرب غرباً. نشر أبحاثه بالإنجليزية والفرنسية - والعربية بالطبع - وطبعت بعض أبحاثه بالإيطالية والتركية والدانمركية. كتب في الأدب والسينما والتفاعل بين هذين الوسيطين، وفي النقد الثقافي، وفي تشكل الهوية العربية والمسلمة في إطار الحداثة، وفي الأبعاد السياسية للتصوف. صدر له مؤخراً في القاهرة كتاب "مهندس البهجة: فؤاد المهندس ولا وعي السينما" عن دار "المرايا". 

فيما يلي حوار أجريتُه معه:

* بدأت التدريس بكندا في سبتمبر 2001 في قسم الدراسات السينمائية بجامعة مونتريال. هل جعلت تلك المصادفة التاريخية من دروسك مجالاً للاشتباك الفكري مع قضايا الحياة في ظل ظروف الحرب والسعي المتفائل نحو السلام؟

- أول أو ثاني درس ألقيه في كندا، ألقيته على طلبة قسم الدراسات السينمائية بجامعة مونتريال، وتصادف أن الدرس كان يوم الخميس الثالث عشر من سبتمبر، أي بعد يومين من الهجوم على نيويورك وغيرها من المدن الأمريكية باستخدام طائرات مدنية مخطوفة. كنت مصدوماً مثل جميع من قابلت مِن الكنديين وسرعان ما لاحظت أننا نعيش أجواء حرب، وقد سمى الرئيس الأمريكي آنذاك جورج بوش الابن سياسته "بالحرب على الإرهاب". وكأن حياتي العملية بكندا بدأت وتسير جنباً إلى جنب مع أجواء الحرب العسكرية والثقافية، وكان الغرب يسمي ذلك حرباً في إطار مايسميه صراع الحضارات. 

لذلك فعملي الأكاديمي في جانب منه محاولة دعم الحياة وأجواء التعايش والسلام كمقاومة لفكر الهيمنة الغربية الذي يبرر سياساته في الشرق الأوسط باستخدام خطاب الحرب على أعداء يخلقهم بنفسه من خلال سياساته التوسعية. 

خطابي يدعو إلى حوار الحضارات لا إلى تصارعها، وإلى تفهم عبارة الناقد الفرنسي فيليب لوجون في سياق ثقافي أوسع، إذ يقول "أنا هو آخر". يقصد لوجون أن الأنا في السيرة الذاتية تبني بخطابها ذاتاً مغايرة للذات الحقيقية. أما أنا فأعيد استخدام عبارته بمعنى أن الأنا والآخر واحد، أخوان في الإنسانية: أنا الآخر والآخر أنا. وبالتالي لا توجد أرضية معرفية للحرب؛ لأن المنطق لا يشجع المرء على أن يؤذي نفسه، لا يحض الأنا على إيذاء الآخر، لأن الأنا والآخر سواء.

تصورات للأفضل

* أليست تلك النظرة طوباوية تمعن في التفاؤل، بل وربما تؤدي إلى خداع النفس؟ ألسنا في عالم تشكله الصراعات والحروب بين الأقوى والأضعف، بل وبين القوى الكبرى في الشرق الأوسط أو في الشرق من أوروبا، على سبيل المثال؟

- بالتأكيد أكتب كثيراً من موقع طوباوي، لكن بغرض وضع تصورات عن مستقبلات ممكنة لحياة أفضل قائمة على العدالة في المعاملة بين البشر والعدالة في توزيع موارد الأمم. لكن هذا لا يعني أن دروسي أو دراساتي تنفصل عن الواقع "الحربي" المعسكر الذي يعيشه عالمنا اليوم، سواء في المنطقة الناطقة بالعربية، أو في أوروبا، لاسيما شرقها. 

موقفي هو وضع تصورات للأفضل، دون هروبية ودون استسلام. أرى النظام العالمي الذي استقر غداة الحرب العالمية الثانية منذ ثمانين عاماً قد تهاوى، وأصبحت الدول التي رعت التوازنات التي لا تسمح باستخدام الحرب إلا على أضيق نطاق جغرافي وبأقل كلفة بشرية، هي نفسها اليوم الدول التي تحكم مجلس الأمن، وتدعم أو تثير أو تشارك في مواجهات عسكرية على أوسع نطاق جغرافي، وبغرض إفناء أكبر عدد من الأجساد "العدوة"، التي تنزع عنها إنسانيتها لتبرير الحرب والقتل على المستوى الرمزي. في ظل هذه الظروف الدولية، تطغى ثقافة الحرب ويطرح سؤال الأدب في زمن الحرب نفسه.

الأدب في مواجهة الموت

*فما دور الأدب أو الثقافة بشكل عام في زمن الحرب؟ هل هناك مساحة للاحتفاء بالأدب أو الاستمتاع به في سياق يهدد أساسيات الحياة ومقوماتها، بل ويهدد الحياة في حد ذاتها؟

- يبدو الأدب ممارسة تدخل في باب الكماليات لا الأساسيات، وبالتالي يمكننا تصور الأدب عاجزاً أو نافلاً حين يواجه الموت، أو حين تنشب حرب شاملة تحاصر الوجود وتهدد مبدأ الحياة ذاته. قد يتساءل الإنسان الواقع تحت رحمة القصف: بماذا ينفع الأدب إن لم تكن هناك حياة تتلقاه وتتفاعل معه؟ لكن الأدب قد يمثل شكلاً من أشكال الشهادة ووسيلة لحفظ الذاكرة، حين يكون الصراع بين طرفين صراع وجود، يسعى فيه أحدهما إلى محو الآخر. 

الأدب والإنتاج الثقافي كله من مسرح وسينما وتليفزيون ومنشورات مكتوبة أو مصوَّرة على الوسائط الاجتماعية، كل هذه المنتجات تساهم في التعزية وفي توثيق وجود الحياة وإلهام المستهدفين أن الحياة دائما في الأفق وأنها قادرة على أن تعود بالأمل. في حالة الحرب الصفرية كما نشهدها اليوم في قلب المنطقة العربية، يصبح استمرار الوجود وإثباته فعلاً سياسياً، إلى جانب كونه فعلا وجودياً.

أثبتت تجربة الحرب العالمية الثانية وتجارب حروب التحرير التي تلتها، أن الشعر بالذات أداة من أدوات الحرب والنضال من أجل التحرر أو الدفاع عن النفس. الشعر وسيلة تعبئة تشحذ الهمم لتذكرة المقاتلين بثأرهم، وبث الأمل فيهم بإحياء ذكرى أبطالهم وشهدائهم. بالتالي، فالأدب والإنتاج الثقافي بشكل عام، جزء من جهاز الدعاية والحرب النفسية. ولعل قصائد التحريض بالفصحى والعامية المصرية، التي كُتِبَت بعد هزيمة مصر عام 1967، مثال قوي على فاعلية الأدب في لحظة الحرب.

النموذج الفلسطيني

* لكن عالم اليوم يشهد حروب إبادة، وليست مجرد حروب يتقاتل فيها طرفان في صراع حول إقليم ما أو سلطة معينة، يمكن للتحريض والتعبئة أن يلعبا فيها دوراً. أترى دوراً للثقافة في لحظة صفرية: إما وجود، وإما حرب تمحو الحياة محواً؟ 

- إن المواجهة بين طرف يبتغي محو طرف آخر، مثلما في حالة مخطط الإبادة الذي نفذه المستوطنون البيض في أمريكا الشمالية، لاسيما في القرن التاسع عشر، هي مواجهة تخلق ظرفاً يستدعي استخدام الطرف الأضعف عسكرياً والمهدد وجودياً لكل ما يمكنه أن يشير إلى آثار الحياة. سعت الشعوب الأصلية في أمريكا الشمالية في لحظة حرب الإبادة عليها إلى تثبيت دعائم وشرعية وجودها واستمرارية حياتها، من أول نشرها للمنسوجات اليدوية التقليدية، التي يشتهر بها شعب النافاهو في الغرب الأوسط للولايات المتحدة، إلى النضال من أجل الحفاظ على اللغة الأصلية. مثلما تسعى الشعوب الأصلية إلى إنشاء برامج وأقسام جامعية تدرس لغات وثقافات تلك الأمم. يلفت هذا المثال النظر للأهمية الرمزية للحفاظ على تراث الأثواب الفلسطينية التي تحفظ تاريخ الأمة في فلسطين المحتلة، وكذلك لكفاح فلسطينيي الداخل من أجل الاعتراف باللغة العربية واحترامها.

أدب التأملات

للأدب دور في ظرف حرب الإبادة الجماعية. ولعل تجربة الجماعات الأشكينازية في فترة الحرب العالمية الثانية مثال بالغ الدلالة في هذا الصدد. كانت تلك الجماعات تتعرض لعملية تنقية عرقية ممنهجة لمحو وجودها في أوروبا، بلغت ذروتها في معسكرات الإبادة الجماعية في النصف الأول من أربعينات القرن العشرين. ولعب الأدب دوراً كبيراً يمثل أقوى مثال على دور الكلمة والإنتاج الثقافي في حفظ الذاكرة الجمعية والشهادة على جذور شعب في الأرض التي يعيش عليها. 

أقام الألمان وتابعوهم أثناء الحرب العالمية الثانية معسكرات اعتقال لتتم فيها إبادة الأشكيناز وجماعات أخرى، مثل الروس والشيوعيين، تعادي الهيمنة الألمانية، بهدف تيسير عمليات الإبادة، ولهذا كانت تلك المعسكرات في حقيقة الأمر معسكرات موت. لم تسمح ظروف تلك المعسكرات/ المحارق بوصول نصوص كثيرة ولا طويلة مكتوبة بين أسوارها إلى العالم الخارجي. أغلب ما وصلنا عن نظام العمل وآليات القتل الجماعي السريع والبطيء في معسكرات الموت هذه، كتبه من اسعده الحظ بالخروج من تلك المؤسسات على قدميه، ومن سمحت له صحته العقلية بالكتابة بعد الأهوال التي عاشها. من الأمثلة النادرة مذكرات المعتقل السابق بتلك المعسكرات، المثقف الإيطالي اليساري بريمو ليفي.  

لكن نموذج أدب المحرقة ينتمي إلى أدب استعادة الحياة، لا الحفاظ عليها. فلولا أن خرج بعض الناجين من المعتقلات، ولولا انتصار الحلفاء في الحرب، والذين انضم إليهم أشكيناز أوروبا، لما بقي لتلك الجماعة من ذكر، ولا حتى ربما بين اليهود الشرقيين الذين لم يتعرضوا لمشروعات الإبادة أثناء الحرب العالمية الثانية، بحكم تركزهم خارج أوروبا. أدب التأملات والذكريات حول معسكرات الموت يستعيد الحياة في جانب منهن يسعى إلى تذكر شكل الحياة قبل الحرب. 

مقاومة ناعمة

*لكن أدب استعادة الحياة كما تسميه، قد لا يكون مفيداً في حال محو الحياة ذاتها بسبب الحرب. ألا يوجد دور أكثر راهنية للأدب؟

- متفق تماماً. بجانب أدب استعادة الحياة، هناك أدب أسميه أدب الحفاظ على الحياة في زمن الحرب. ذلك الأدب هو معلم من معالم ممارسة الحياة، وهو يساهم في المقاومة من حيث هو مظهر من مظاهر استمرار الحياة، في مواجهة عدو يسعي إلى نفي تلك الحياة ومحوها، ليحل محلها حياة مفروضة بالقوة، يحياها مستعمرون قادمون من خارج سياق حياة السكان الأصليين. النموذج القوي لأدب الحفاظ على الحياة - وبشكل عام - للإنتاج الثقافي حافظ الحياة، بكل معاني الحفظ والحفاظ، هو المنتج الثقافي الفلسطيني في ظروف العدوان على قطاع غزة منذ أكتوبر 2023 وحتى حوارنا هذا في نهاية مايو 2024. 

يبدو واضحاً للمتابع أن هدف العدوان هو محو الحياة الفلسطينية من حيث هي حياة. فالقصف الإسرائيلي يستهدف كل ما هو منتج للثقافة والمعرفة من جامعات ومدارس ومسارح، ويهدف لإزالة كل وسيلة لنقل المعرفة بين الفلسطينيين. لكنه قصف يستهدف كذلك المخابز ومستودعات الحصص الغذائية ومراكز التموين ومحطات المحولات الكهربائية ومحطات المياه، والمستشفيات. أي أنه جزء من مخطط واضح لإزالة مقومات الحياة شديدة الأساسية، من مأكل ومشرب وعلاج.

في تلك الظروف، ممارسة الحب وإنجاب الأطفال هو فعل مقاومة. تسجيل فيديو على منصة تيك توك هو توثيق للحياة. كل كتابة ليوميات، كل قصيدة، كل موسيقى تُعْزَف من أراضي غزة، أو أية شهادة من شهادات الفلسطينيين من كافة أرجاء فلسطين التاريخية، منتجة على أي وسيط كان، ورقياً، سمعياً/بصرياً، رقمياً، جاداً أو مازحاً، إخبارياً أو تأملياً، كل هذه أشكال من الأدب والإنتاج الثقافي الذي يحفظ الحياة ويقاوم المحو في زمن الحرب.
-------------------------
حوار: حسين عبد الرحيم






اعلان