21 - 05 - 2024

فى لوحات محمود بقشيش.. الضوء الإيقاعى بديلا للضمير الإنسانى

فى لوحات محمود بقشيش.. الضوء الإيقاعى بديلا للضمير الإنسانى

عندما دعيت للحديث عن الروح الطيبة للفنان والناقد محمود بقشيش بجمعية محبى الفنون. كان على أن أتذكر بداياتى مع الفنان التى بدأت فى مطلع التسعينيات، بعد أن انضممت إلى جمعية نقاد الفن التشكيلى وكنت أصغر الأعضاء سنا فى ذلك التوقيت. كان من بين هؤلاء الفنانون مختار العطار، كمال الجويلى، صبحى الشارونى، محمد سليمة، سمير غريب، نجوى العشرى وطبعا محمود بقشيش، وغيرهم. وكانوا جميعا يشجعونى ويمنحونى الحب، ولكن بقشيش كان أكثرهم قربا لى، وقد تعلمت منهم ومنه الكثير. تعلمت منه عدم الكتابة المجانية، بمعنى أن يكون قلمى نزيها لا يستجيب للمجاملات ولا ينتظر ثمنا لما أكتبه، ولا أكتب إلا ما يمليه ضميرى علي حتى تكون المصداقية عنوانا أساسيا فى كتاباتى. تعلمت من بقشيش عزة النفس وألا تكون الكتابة مصدرا أساسيا لدخلى، ولا أتقاضى مقابل من الفنان الذى أتناول أعماله نظير ما كتبت. وقد كان هناك من يفعل غير ذلك ويأخذ الهدايا سواء كانت لوحات أو غير ذلك. كان بقشيش يشجعنى على إرساء قواعد النقد الحقيقية. الأمر الذى أزعجنى هذه الأيام من الكتابة بعد مطالبات بعض من يطلق عليهم نقادا وبشكل علنى مقابلا ماديا من الفنانين الذين يتناولون أعمالهم.

سأتناول جانبا مهما فى أسلوب الفنان محمود بقشيش، ألا وهو سر الضوء فى أعماله، وماذا كان يريد منه، وكيف حوله من مجرد أداه لخلق العمق وتجسيد الكتل فى اللوحة إلى قدسية خاصة بعلم النفس الإدراكى.

تتميز لوحات بقشيش بإيقاعات ضوئية وتصميمات هندسية معقدة تتفاعل النوافذ وبؤر الضوء مع مساحات الظلام التى يتخللها بنايات تبرز وتندمج هى الأخرى مع طبيعة المكان لتخلق تجربة ضوئية وحركية مثيرة.

فهل نحن متأكدون من ماهية الضوء فى لوحات بقشيش حقًا؟. هل نعرف المعانى الكثيرة التى يصرح بها الضوء؟. إن كلمة الضوء أصلها عند اليونانين " النور" وتشير إلى الفعل " يظهر "، " يصور". بالنسبة لليونانيين القدماء. وعلى مر القرون فإن النور يرشد العقل البشري إلى الحقيقة ، تمامًا كما ترشد المنارة البحارة المفقودين إلى بر الأمان . ودائمًا كان النور رمزًا للأبعاد المتفوقة والمتسامية، رمزًا لما ينجذب إليه المنطق البشري.

تأكد الضوء وتربع على عرش الفن التشكيلى فى القرن الثامن عشر لدرجة أن النقاد والفنانين أطلقوا عليه قرن النور ، فظهرت أعمال مونيه ، ورينوار ، وهناك آخرون ممن عشقوا شمس أفريقيا وإحتفظوا بالضوء ولم ينسوه مثل الفنانين كلى ، وماتيس . ولأن الضوء هو الحقيقة فتجد العديد من الفنانين ممن طاروا كالفراشات يسبحون به منهم بوتيشيلى الذى وصل الى قمة إبداعه فى " مولد فينوس " ، وجوستاف موروا فى لوحة " إعادة الوجود " ، وريمبراند فى " الطفل " وغيرهم .

ولأننا فى حضرة الضوء، ونتحدث عن أعمال الراحل الفنان والناقد الكبير محمود بقشيش

فلابد أن نتحدث عن التباينات الساطعة والداكنة، المتأصلة في لوحات الفنان والتى تعتمد على مصادر ضوء ساقطة على الأشكال ومصادر ضوء نابعة منه. فالضوء يصنع إيقاعه الخاص وسط المفردات، فهو عنصر مركزي في فلسفة الأعمال.

ففى أعمال بقشيش نادرا ما نجد أشخاصا، لكنه حول الضوء إلى كائنات بشرية تعبر عن ألامنا وأفراحنا. الضوء فى اللوحات كائن حى . تشعر به وكأنه يؤكد وجوده بالدور الذى يقوم به، والدور االذى يقوم به فى معظم الأحيان عند بقشيش هو البحث عن الحقيقة وكشفها. الضوء ليس وسيلة للرؤية، إنه الفاعل والمفعول به.

لم يحاول بقشيش إنشاء مساحة مظلمة خالصة للحصول على تأثير فاعل. فلمحة من الضوء توضح مستوى الظلام: إنه فى تجربته يبحث عن تحقيق الانسجام بين المساحات في حضرة الضوء. حتى المساحة المخصصة لتكون مظلمة يجب أن تحتوي على ما يكفي من الضوء من بعض الفتحات الغامضة لتخبرنا عن مدى الظلام الذى يشكل رؤية فلسفية خاصة تبناها الفنان حتى لو تم إخفاء الضوء كمصدر خلف فتحات الشبابيك والأبواب أو الجدران الثانوية، كان تركيز الاهتمام على تأثير الضوء وليس على مصدره. كما إرتبط غموض الظل إرتباطا وثيقا بإثارة الصمت والرهبة ليأتى الضوء مؤكدا اليقين بإمكانية الرؤية وكشف الحقيقة. هذا الغموض المركب بين إثارة الصمت فى قدسية الظل وتحريكه ببقع الضوء تتحقق الدراما التى أرادها الفنان من خلال علم النفس الإدراكى باستخدام مستويات الضوء فى حوارات معقدة مع الظلال، ولم يكن الضوء وسيلة ولكنه رسالة للمشاهد تعيد تشكيل تصوراتنا المكانية بتصورات إنسانية ونفسية. إنه السعى الدائم لربط العوالم الطبيعية بالعوالم الروحانية لمواجهة وفهم عمليات الإدراك الخاصة بنا والتى أراد بقشيش أن يحررها من المفاهيم والروى المباشرة الى المفاهيم العميقة لرؤية الضوء كوسيلة للإدراك فى الفن المعاصر. لقد وصل الأمر فى بعض الأعمال الى تصدير الرهبة من قدرة الفنان على تناول الضوء والظل، فلم يتناولهما كأدوات لخلق العمق والبعد فى اللوحة، ولكنه أضفى عليهما أحاسيسه الفلسفية والأيدولوجية لتغيير إدراك المشاهد، وإعادة رؤيته من جديد.

أعتقد أن الفنان فى تناوله للضوء والظلال كان يؤمن بمقولة أفلاطون عندما قال:" يمكننا بسهولة أن نغفر لطفل يخاف من الظلام؛ لكن مأساة الحياة الحقيقية هي عندما يخاف الرجال من النور". من هنا اهتم الفنان بخصائص الضوء والظل الفلسفية، ودورهما فى الـتأثير على مزاج المشاهد، فترى الضوء كانه ناقص يدق ليعلن عن شىء ما، وتراه متحديا لأشياء قد لا نراها ولكننا نشعر بوجودها خلف البنايات، فالضوء يحدد التأثير العاطفى للمشهد، وهو الواصف الأساسى للأشكال والدراما، أنه منارة الروح.

ودرجة حرارة اللون من أهم عوامل الإضاءة التي لها تأثيرات على الأشخاص، فالضوء الازرق المخصب فى لوحات بقشيش يعزز الحالة المزاجية والوظيفية والإدراكية، لكن التعرض للضوء الأبيض الدافىء فى المساء يمكن أن يساعد على الإسترخاء والنوم، والأزرق لاستدعاء الرحمة والحكمة والحقيقة والولاء. في لهجة أكثر سلبية، يمكن اعتباره باردًا وغير مهتم، وغالبًا ما يرتبط بالاستسلام والعزلة. أما الأخضر فى أعماله فهو لون متناغم يشجع على الهدوء والراحة، ومليء بالأمل والشفاء ويرتبط بالنجاح. .

يتمتع الضوء عند بقشيش بقيمة جمالية عالية فتأثيرات الضوء مع الألوان والظلال تحقق لغة رمزية غالبا مايكون للضوء إرتباطا مباشرا بالحقيقة فى اللوحات التى بدورها ألغت أهمية الظل وإن كثفه الفنان فى لوحاته وهذا لانتصار الفكرة التى تبناها الفنان وهى البحث عن الحقيقة.

حصل محمود بقشيش على بكالوريوس الفنون الجميلة، قسم التصوير، بدرجة امتياز مع مرتبة الشرف من جامعة القاهرة عام 1963، وشارك فى الحركة التشكيلية منذ 1962

بدأ حياته مصممًا وفنانًا في مجلة سنابل في كفر الشيخ، وقدم في بداياته مجموعة قصصية عام 1961 "الموجة".

كان بقشيش من هواة الرسم بالخامات الفقيرة، كما سماها، حيث كان يميل إلى استخدام القلم الرصاص، واستخدم أيضا الألوان المائية والزيتية.

أقام بقشيش أول معارضه الفردية عام 1979 قاعة باب اللوق، وفي العام ذاته أصدر كراسة أدبية بعنوان آفاق 79، وكانت لا تزيد على عشر صفحات، عمل على تحريرها ونشر فيها قصصًا قصيرة لكتاب جدد وقتها، وأقام العديد من المعارض الفردية، وشارك فى معارض جماعية محلية ودولية. شغل بقشيش مراكز ثقافية عدة وكتب مقالات ودراسات كثيرة في مجال النقد الفني نشرت في العديد من المجلات والصحف المصرية والعربية من بينها: الهلال، إبداع، أدب ونقد، الثقافة الجديدة، مجلة المجلة، الصدى، اليوم، الموقف العربي، فكر وفن، الدوحة، الشرق الاوسط، القاهرة، كما حصل على منحة من الحكومة الفرنسية، وكذلك على منح التفرغ المصرية تقديرًا لموهبته.

عين بقشيش عام 1993 عضوًا في لجنة التحكيم بترينالي مصر الدولي الأول لفن الجرافيك، واشترك فى تحكيم عدد من دورات صالون الشباب، قد سبق له أن كان قوميسيرًا في الأسبوع الثقافي الأول بعُمان عام 1989. حصد بقشيش العديد من الجوائز منها جائزة صالون الربيع الثانية1968، والجائزة الثانية، مسابقة صالون جمعية محبي الفنون الجميلة 1969، وجائزة الطلائع، 1969. وجائزة استحقاق في المعرض العام، 1986. و جائزة الطلائع التشجيعية في الرسم، 1987. والجائزة الثالثة، مسابقة الصحراء، 1987، وجائزة الدولة في الرسم، 1987، وجائزة الاستحقاق، بينالي الإسكندرية، 1989، وجائزة التحكيم، بينالي القاهرة الرابع في الرسم، 1992، وله العديد من المؤلفات الأدبية والنقدية.
----------------------------
بقلم: د. سامى البلشي

لوحات محمود بقشيش






اعلان