21 - 05 - 2024

شبح الذكاء الاصطناعى يجتاح العالم.. فهل يمثل خطرا (2 من 2)

شبح الذكاء الاصطناعى يجتاح العالم.. فهل يمثل خطرا (2 من 2)

- د.علياء المهدى: تأثير كبير على سوق العمل.. وتغييرات جذرية فى طبيعة الوظائف والصناعات
- د. رجب عبداللطيف: مخاطره تهدد صحتنا العقلية والنفسية ويمثل نعمة إذا استخدم وفقاً للمعايير الدينية والأخلاقية 
- د. أحمد ترك: أحدث هزة عنيفة وكبيرة فى إعادة تشكيل وهندسة العقل والادراك 
- طارق الشناوى: الذكاء الاصطناعى لايخلق وجدانا والفن والإبداع مرتبطان بالوجدان

هل يمثل الذكاء الاصطناعى خطراً حقيقياً قادراً على تحييد قدرات العنصر البشرى وامكاناته أو القضاء عليه؟ هل نحن جاهزون على المستويين النفسى والعلمى لاستقباله؟ وهل نحن مستعدون لمواجهة مخاطره الدينية والثقافية والفكرية على أطفالنا، والاستفادة من منافعه فى نفس الوقت؟ وما هى الحلول المقترحة لمعالجة مخاطر دخول الأطفال إلى عالم الميتافيرس؟ 

في الحلقة الأولى حاولت المشهد رصد ومناقشة أثار ومخاطر التطور التكنولوجى والذكاء الاصطناعى على سلوكيات المجتمعات، وما إذا كان يمثل خطرا حقيقيا على تقييد قدرات العنصر البشرى وإمكانياته، وأهم التحديات التى ستواجهنا فى المستقبل ومدى تأثير الذكاء الاصطناعي فى التنبؤ بالكوارث الطبيعية وأوردت آراء خالد عمار المتخصص فى الإعلام الافتراضى والمحاضر والمدرب فى "إعلام الميتافيرس" الذي أكد أن الفضاء الإلكتروني يحتوى على معلومات كثيرة مغلوطة وغير دقيقة لكن لا يجب معاداته، والكاتب الصحفى عمرو بدر عضو مجلس نقابة الصحفيين الأسبق، الذي طالب بتشريع قوانين لمواجهة هذه الظاهرة. وإجراء تعديلات على القوانين التى تنظم عمل الصحافة، والدكتور سعيد صادق أستاذ الاجتماع السياسى بالجامعة الأمريكية، الذي أشار إلى أنه يساعد على تغيير ألية الحروب.

عيوب يجب التعامل معها بحذر

الدكتورة علياء المهدى الخبير الاقتصادى وعميدة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية سابقا، تقول إن التكهنات حول تأثير الذكاء الاصطناعى على القوى العاملة انتشرت بعد ظهور برامج الكمبيوتر مثل (تشات جى بى تى) والتى يمكنها إنشاء نص والإجابة على الأسئلة بطريقة تشبه الإنسان، وكما أن  له العديد من المميزات باعتباره من الوسائل التكنولوجية الحديثة التى اجتاحت العالم فى الفترة الأخيرة وأحدثت تطورا رهيبا فى مختلف المجالات على جميع المستويات، فإن له أيضاً عيوبا يجب التعامل معها بحذر شديد فهو يساعد البشر فى مهام كبيرة فى مجالات مختلفة، وبصفة خاصة فى المجال الاقتصادى، ونحن كخبراء اقتصاد على سبيل المثال عندما نريد توفير الوقت والحصول على بيانات أو معلومات اقتصادية محددة دون بذل جهد فهو يعطيها لنا بأقصى سرعة ممكنة وبترتيب محدد ويساعد فى حل بعض المشاكل فيما يخص توفيرها، وقد يكون هناك بعض الأعمال والوظائف سوف يقوم بها وعلى سبيل المثال أعمال السكرتارية وتلقى المكالمات الهاتفية واستقبال بعض الرسائل والرد عليها، ومع التقدم والتطور المستقبلى سوف يقوم الذكاء الاصطناعى ببعض الأعمال والوظائف التى يقوم بها الأفراد  فى الشركات والمؤسسات، ومن الممكن أن يقلل عمالة التشغيل والتوظيف بدرجة أو أخرى بعد العمل فى المصانع بديلا للعمال، ولذلك فالاعتماد على الذكاء الاصطناعى أصبح شيئا خطيرا ويجب التعامل معه بحرص شديد لما يحدثه من كوارث مستقبلية محتملة.

تضيف د. علياء: من وجهة نظري، فالذكاء الاصطناعى ليس ذكيا كما يقال عنه وخاصة فى مجال البحث العلمي، فهو يقوم فقط بجمع المعلومات والبيانات الموجودة والمتاحة على الانترنت ويعطيها للشخص فقط، ومن الممكن أن تكون تلك البيانات الموجودة غير دقيقة، فى نهاية الأمر وعن تجربة هو يعطى الإجابة على حسب المعلومات المتاحة فقط، وهذا يترتب عليه  الحصول على إجابات غير دقيقة ولا يعتد بها على وجه الإطلاق، وأعتقد ذلك متواجد على جميع المستويات، ففى الصناعة والتجارة وغيرها توجد بعض المشاكل  التى تواجه كل قطاع كل على حسب استخدامه، ويقول الخبراء أن وظائف خدمة العملاء فى جميع أنحاء العالم يتم شغلها بالفعل بواسطة الذكاء الاصطناعى.

كما أدى ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى إعادة تشكيل سوق العمل التكنولوجي الحر بسرعة كبيرة خلال الأشهر الأخيرة، فهذه التكنولوجيا الجديدة التي ظهرت أواخر عام 2022، أصبحت تثير فضول الشركات والعلامات التجارية في العالم، وتشعرها بضغوط كبيرة، تحتم عليها استكشاف أفضل السبل لدمج هذه التقنية الثورية في أعمالها.

وبالرغم من أنه سوف يؤثر على التشغيل وفرص العمل للبشر – تقول علياء المهدي - إلا أنه لن يزيد من نسبة البطالة بالدرجة  الكبيرة أوالمقلقة فى فترة قصيرة وذلك لأننا كنا قديما نعتقد أن الكمبيوتر وغيره من وسائل التكنولوجيا الحديثة سوف يزيد من نسبة البطالة، لكن كل اختراع جديد يوجد خدمات جديدة تساعد فى خلق فرص عمل للبشر أيضاً، ولا أعتقد أبداً أن الذكاء الاصطناعى سوف يؤدى إلى ارتفاع نسبة معدلات البطالة ولكن سوف يخلق فرص عمل من نوع جديد.

وتضيف علياء المهدي أن الأجيال الجديدة يجب أن تبحث عن كليات لها علاقة بالنانو تكنولوجي أو الأمن المعلوماتي وغيرها من الكليات المتعلقة بالتكنولوجيا في جميع المهن، والذكاء الإصطناعي إذا قام بتقليل عدد الموظفين 50%، سيزيد فرص الوظائف بنسبة 400% ، نظرا إلى تعدد أقسامه في مختلف المجالات، وعلى سبيل المثال العالم نوبل مخترع الديناميت مؤسس جائزة نوبل، كان اختراعه الديناميت لأسباب خاصة بالبناء والتعمير وبالنسبة له يقوم بتفجير جبال وفتح طرق وغير ذلك من الأمور المشابهة، لكن فى نفس الوقت يمكن استخدامه كأداة إجرامية فكل وسيلة تكنولوجية حديثة لها مزايا وعيوب.

الأجيال القادمة لن تستغني عنه 

من جانبه يرى الدكتور رجب عبداللطيف الخبير الدولى فى التنمية البشرية، أن الذكاء الاصطناعي هو عبارة عن برامج متطورة يتم استخدامها وفقاً للاحتياجات المطلوبة، كما أن المستقبل القادم للذكاء الاصطناعي والأجيال القادمة لن تستغني عنه في أغلب المجالات، فالذكاء الاصطناعي نعمة إذا تم استخدامه وفقاً للمعايير الدينية والأخلاقية والاجتماعية للمجتمع، له ايجابيات متنوعة وبالتأكيد هو يخدم العالم من حيث السرعة والدقة إذا تم استخدامه بالشكل الصحيح، لكن فى المقابل له سلبيات كثيرة ومتنوعة ولكنها متوقفة على طريقة استخدامه والتعامل معه بحرص شديد، لأن التعامل معه بغير علم ومعرفة ووعى يؤدى إلى نتائج سلبية، لأن له تأثير شديد على البشرية بشكل عام ومخاطر عديدة يشكلها إذا لم يتم تنظيمه بشكل صحيح.

ومن أهم إيجابياته في رأي د. رجب عبداللطيف توفير الوقت والمال ومما لاشك فيه أنه حاليا يستخدم في المجال الطبي وثبت نجاحه إلا أنه مازال في مراحل التطوير، كما أنه أصبح قادرا علي التنبؤ بالكوارث الطبيعية ولكن الأهم من ذلك هو استعداد الدول في التعامل مع هذه الكوارث ومحاولة صدها وحماية الناس قبل وقوعها.

ومن أبرز سلبياته زيادة البطالة وبالتأكيد يؤثر الذكاء الاصطناعي على الوظائف حيث أنه بإمكان روبوت يتم تحميل برامج متطورة عليه القيام بالعديد من الوظائف التي يقوم بها كثير من العمال، حتي الوظائف الإدارية يستطيع القيام بها مما يزيد من خطورة انتشار البطالة، ولاسيما يؤثر علي الأطفال لأنه يخطفهم من العالم الواقعي إلي التعامل مع الأجهزة مما يجعل الطفل ضعيفا في فن التعامل مع الناس ويميل أكثر للعزلة ومع الوقت يؤدى إلى التفكك الأسري والاجتماعي، كما أن له العديد من المخاطر خاصة في مجال الهكر الذى بإمكانه تدمير مؤسسات حكومية وشركات خاصة كما حدث مع العديد من الشركات، ويصبح أكثر خطورة إذا تم استخدامه في مجال الأسلحة والحروب بين الدول والنتائج المترتبة علي الاستخدام الخاطئ له، وكذلك احتمالية حدوث خلل في البرمجة مما يؤدي إلي كوارث وأضرار بشرية أو في الممتلكات، ولذلك بقدر ما للذكاء الاصطناعى من فوائد لا حصر لها للبشرية فإن له مخاطر كبيرة يجب الحذر منها وبما أنه يسهل ويسرع خطوات كثيرة كانت تستهلك جهداً ووقتاً كبيراً ويساعد الأشخاص على تطوير قدراتهم إلا أن مخاطره تهدد صحتنا العقلية والنفسية.

غياب الوجدان

وعن مخاطر استخدام الذكاء الاصطناعى فى السينما يقول الناقد الفنى طارق الشناوى أن التقنيات الحديثة تلعب دائماً أدوارا ايجابية والذكاء الاصطناعى مجرد "كمبيوتر" ولكننا نخاف من أى وافد جديد والإنسان دائماً يخاف من أن تلغى وجوده ولذلك يسبب الرفض لكل ماهو جديد فعندما ظهر التليفزيون قالوا أنه سوف يلغي السينما ولكن لم يحدث إلغاء بل على العكس تطورت السينما وأصبحت فى مراحل متقدمة ومتنوعة عن المراحل السابقة.

وبالنسبة لمشكلة الأغاني، فمع مرور الزمن سوف تتغير وتقترب أكثر ويكون لها مصداقية أكبر لكنها إلى الأن مازالت بعيدة، فأى اختراع جديد له سلبياته وايجابياته ولكن يجب علينا أن ندعم إيجابياته فالكثير من السلبيات مع مرور الزمن يتم التغلب عليها، ويؤكد الشناوي أن التخوف من أن يحل الذكاء الاصطناعى محل الإبداع فى غير محله، لأنه سوف تظل اللمسة الانسانية بالوجدان غائبة وهى التى تفرق بين كاتب وأخر، فالذكاء الاصطناعى لايخلق وجدانا والفن والإبداع مرتبطان بالوجدان.

تجديد الخطاب الدينى  

الداعية الشيخ أحمد ترك من كبار علماء الأزهر الشريف، يقول: لا شك أن شيوع مواقع التواصل الاجتماعى ووجود العالم الافتراضي وتوفيره فى يد كل طفل وشاب، قد أحدث هزة عنيفة وكبيرة فى إعادة تشكيل وهندسة العقل والادراك فى كل المستويات جميعنا يعانى منها، ومن أبرزها اتساع الفجوة الثقافية والفكرية والتربوية بين جيل الآباء وجيل الأبناء، متسائلا ًهل سنواجه هذه التحديات بالمنابر وخطبة الجمعة؟ أم سنسبق الجميع ونحجز أمكنة هناك لإنارة الشباب ومحاولة تحصين الأطفال من الشرور القادمة؟ وماذا  عن الأسئلة الفقهية والدينية التى ستظهر بعد استخدام الميتافيرس ؟ 

ويضيف: ظهرت بعض هذه الأسئلة عندما تم الإعلان فى السعودية عن ظهور تقنية ثلاثية الأبعاد تمكن الشخص من الطواف حول الكعبة وزيارة الأماكن المقدسة ، فهل يمكن اعتماد الحج والعمرة عبر هذه التقنية افتراضياً؟ وقام الكثير من العلماء فى العالم الإسلامى بإصدار فتاوى فى هذا الشأن مضمونها ، أن شعائر الإسلام  لابد أن تؤدى أداء حقيقياً وليس أداء افتراضياً، ومن المتوقع أيضاً بعد ظهور الميتافيرس وجود مشاكل قانونية ستحتاج إلى تعديل قوانين وإنشاء قوانين أخرى للفصل فى المشاكل المحتملة والجرائم الخاصة بهذه التقنية كالسب والقذف والتنمر، ومن المتوقع زيادة حجم الأمراض النفسية والعصبية وشيوعها لدى الأطفال خاصة.

وأضاف الشيخ "ترك" أنه عالم مخيف لا يمكن منعه ولكن يمكن التحصين منه ومواجهة أخطاره، وإذا كنا قد تأخرنا فى تجديد الخطاب الدينى  لمسايرة الواقع الافتراضى الحالى؟ فكيف الاستعداد لمواجهة الواقع الما ورائى هذا بتقنية ثلاثية الأبعاد؟ وعلى هذا أقترح عاجلاً وليس آجلاً ، تشكيل لجان متخصصةللدراسة ووضع استراتيجية كاملة واضحة المعالم لمواجهة المخاطر المحتملة على الأطفال ووضع حلول لها قابلة للتطبيق. 

وأما على المستوى الدينى والفكرى ، فلابد من التعجيل بعمل دورات تدريبية لشباب الأئمة والوعاظ على منهج تدريبى يتم وضعه مسبقاً بعيداً عن الأطر الوظيفية الجامدة التى تحول كل فكرة جديدة إلى دعاية كاذبة بثقافة دهن الرصيف دون نتائج ملموسة على حد وصفه ، كما إن التسلح بالعلم والمعرفة والخبرة والتدريب هو الطريق الآمن لمواجهة مخاطر عصر الميتافيرس، الذى لا يمكننا منعه أو تجاهله بآثاره الإيجابية والسلبية، وإن أسلوب المناعة فى تربية أطفالنا هو بمثابة مصل للحماية من الأمراض الفكرية والثقافية، والمناعة تعنى الوعى بكل أشكاله وصوره.  

وكذلك ينبغى على الآباء سبق الأطفال فى معرفة الجديد فى التقنيات الرقمية فضلاً عن الحفاظ على جسور الثقة بينهم وبين أطفالهم ، وبالتالى يجب على الآباء فى هذا العصر الاستعداد العلمى  لمواجهة المخاطر الفكرية والتربوية التى يقع فيها الأبناء ، بالتوازى مع جهود الدولة ومؤسسات الوعى  المتخصصة فى هذا الجانب، ولابد من اعتماد ما يسمى العلوم المستقبلية  كجاهزية واستعداد للمستقبل وعطائه الحضارى.







اعلان