21 - 05 - 2024

ماجدة مالك: لا أنسى حين خرجت لتحية ركاب رحلة حج فهتف رجل مسن "ويخلق مالا تعلمون"

ماجدة مالك: لا أنسى حين خرجت لتحية ركاب رحلة حج فهتف رجل مسن

أول قائدة مصرية للطائرات العملاقة طويلة المدى (بوينج 777-300)
- نمتلك أفضل أساتذة الطيران فى العالم.. ولدينا خبرات كبيرة فى هذا المجال
- هكذا تصرف الركاب حين شاهدوني لأول مرة فى كابينة القيادة

ماجدة مالك أول كابتن طيار فى فترة الألفينيات على مستوى مصر، منذ صغرها تهوى هذة المهنة الشاقة، والدها الطيار مالك عدلى نقيب طيارى مصر الأسبق، ظلت وراء هدفها حتى أصبحت أيقونة للمرأة المصرية فى العزيمة والإصرار، وقبل سنوات كانت صغيرة تتمنى الطيران إلى الأعلى مثل والدها الذى يجوب العالم،  رسمت حدود حلمها بوضوح، وبعد تخرجها من المدرسة طلبت من والدها الالتحاق بمعهد الطيران لتصبح مثله إلا أنه رفض ذلك فى بادئ الأمر ثم اشترط أن تحصل على شهادة أخرى، وبالفعل اختارت دراسة إدارة الأعمال لتتمكن من إنهاء دراستها سريعاً وتتجه بعدها لتتعلم الطيران، وضعت يديها على مقود الطائرة العملاقة التابعة لشركة مصر للطيران وسحبته إلى الخلف فارتفعت مقدمة الطائرة عن الأرض وكان يوما استثنائيا للرحلة التى تغادر مطار القاهرة إلى مدينة نيويورك على الساحل الشرقى للولايات المتحدة حيث تقودها إمرأة لأول مرة، لتكون أول سيدة تعبر المحيطات وتحلق لأبعد بلدان العالم، وتبدأ أولى رحلاتها من داخل قمرة القيادة بعد حصولها على عمل فى إحدى شركات الطيران الخاصة وبعدها تستقبلها شركة مصر للطيران، هكذا بدأت قصة ماجدة مالك وحبها للطيران لتصبح أول سيدة تضع يدها على مقود طائرة ضخمة من طراز يعد أكبر طائرات أسطول مصر للطيران... وإلى نص الحوار: 

* فى البداية .. كيف بدأت قصتك وحكايتك مع عالم الطيران؟

- والدى كان قدوتى طوال حياتى وبدأت قصة عشقى للطيران منذ الصغر حيث كان والدى طيارا بشركة مصر للطيران ، وكنت منبهرة به وأتمنى اليوم الذى أصبح مثله وأعمل فى نفس المجال، وكان يحكى لى قصصاً من بلاد العالم التى يذهب إليها بحكم عمله، فبعد أن أنهيت دراستى الثانوية أخبرت أسرتى أنى أرغب بدراسة الطيران فرفض والدى بشدة وطلب منى أن أكمل دراستى الجامعية أولا، وكان والدى يرى أن دراسة الطيران وحدها لا تكفى ولا بد من دراسة شيء أخر أولاً.

* هل تقبلت أسرتك فكرة دخولك مجال الطيران بسهولة .. وكيف أقنعت أسرتك بالالتحاق بهذا المجال الصعب ؟

- فى البداية حاولت التخلى عن حلمى ولكنى لم أستطع، والدتى كانت ترفض وتقنعنى دائماً بأن أصبح طبيبة وأنا كنت مصرة على معهد الطيران، ولذلك عملت على إقناع والدى بحبى لمجال الطيران، حتى وافق بشرط أن ألتحق بكلية أخرى قبل الطيران فوافقت على طلبه ودرست إدارة أعمال فى جامعة القاهرة وبعد الانتهاء من الدراسة الجامعية تقدمت لاجراء اختبارات بمعهد الطيران وحرص والدى على عدم التدخل باستخدام "الوساطة" لمساعدتى خلال المراحل المختلفة من الاختبارات، حتى يتأكد من قدرتى على العمل بهذه المهنة الشاقة وبالفعل كانت الاختبارات سهلة بالنسبة لى وتجاوزتها بسهولة.

* وماذا عن التدريبات الخاصة فى هذا المجال؟

- نمتلك أفضل أساتذة الطيران فى العالم، وبدأت كتدريب عام فى مصر للطيران والتى تعد مدرسة عظيمة لأى طيار، فهى تتميز بمساحة واسعة من التدريب وبعدها مارست العمل فى شركات طيران أخرى ، فالطيران يعتمد على شقين الأول نظرى والثانى عملى ، كما أن 30% من الشق العملى يعتمد على الموهبة وحب المهنة لكى يستطيع أى فرد بذل الكثير من الجهد فيها، نظراً لأنها مهنة شاقة وكل المواقف التى يتعرض لها الطيار يجب أن تكون مدروسة وخاصة أن حياة مئات الركاب وسلامتهم متوقفة على الرحلة التى يقوم بها الطيار، والتى تحتاج إلى الاستعداد الدائم لشتى الظروف التى يمكن التعرض لها، كما أن التدريبات تكون مختلفة عن رحلات الطيران الحقيقية وتتضمن التدريبات على الحالات الحرجة والفحص الدائم للطائرة ومع تقدم العلم والتكنولوجيا أصبحت ممارسة المهنة أكثر سهولة من ذى قبل.

كما أننا نستخدم كل العلوم كالفيزياء والكيمياء وغيرهما من أجل حساب المسافات وإمكانيات الطائرات وغيرها وعلم الجو وعلم السحاب بأنواعه والتضاريس لأن مهمتنا دائمًا تتطلب أن نسبق الحدث بـ10خطوات لتفادى المشكلات والمخاطر فى الجو ومطبات الهواء فيجب على الطيار أن يكون مستعدا طوال الوقت، فالصعوبة تكمن فى أن ترى الصورة كاملة بوضوح ، ولا علاقة لة برجل أو امرأة طالما تم اجتياز التدربيات الخاصة.

* ما أساب الاعتراض على التحاقك بعالم الطيران ؟

- والدى بحكم عمله فى المجال كان يرى الصعوبات فى الطيران وأنا كنت أرى الشكل الخارجى فقط وكنت منبهرة بالبدلة ولكن والدى كان يرى ماهو أبعد من السفر واللعب وهوالمسؤولية الكبيرة وأن النجاح لن يكون سهلا إذا التحقت بهذا المجال الذى يلخص الحياة فى جدول مواعيد الرحلات، غير أن الطيران مهنة قصيرة العمر فإذا أصبحت غير لائقة طبياً فى أى وقت أفقد عملى ولهذا السبب كانت رؤية والدى أن دراسة الطيران وحدها لا تكفى ولا بد من دراسة شئ أخر أولاً.

* كيف كانت أول فترة لك فى العمل؟

- كان هناك رأي داخل الشركة أن هذا الطراز من الصعب أن تصعد عليه امرأة ولم يكن لدى أمل كبير، لكن قادتى نصحونى بالعمل وعدم الالتفات إلى الشائعات، وقد تعرضت لموقف فى بداية عملى فى الطيران بعد نهاية مدة التمرين بحوالى 50 ساعة وكنت حينها مساعداً لكابتن الطائرة، وفجأة تعب وكان مرهقاً لمدة ربع ساعة، شعرت بالمسؤولية وقتها وقمت على الفور بطلب الإسعاف وعمل كل الإجراءات اللازمة بقوة ودون خوف، وهناك مسؤلية كبيرة وضغوط تكون على الطيار فى بداية حياته وخلال فترة التأهيل، وبعد تسلم زمام الأمور يأتى شعور بمسؤلية جسيمة منذ أول لحظة يتسلم فيها طائرة ركاب صغيرة لا يتجاوز عدد ركابها 160راكباً، فالحياة العمليةفى مجال الطيران كانت أكبر تحدى بالنسبة لى لأنى بدأت أتعامل واكتسب مهارات أكبر وأشمل بالإضافة إلى أنى أصبحت مسؤولة بشكل كامل عن مهام كبيرة ، ويحتاج الطيار إلى خوض تدريبات كل ستة أشهر لتجديد رخصته، ويجب أن تتوفر لديه معلومات معينة حتى يجتاز الاختبارت المطلوبة لكن كان هدفى أن أثبت أنى أستطيع تحمل المسؤولية عملياً بالرغم من المجهود الذهنى والعضلى الكبير. 

* ما الصعوبات التى واجهتك فى الدراسة؟ وأثناء تأدية عملك؟

واجهت صعوبات كثيرة فى فترة الدراسة لأنها كانت تتضمن تدريبات شاقة على المستوى العملى  والعلمي ، فدراسة الطيران تحتاج إلى وقت كبير وتفرغ تام، وبعد انتهاء فترة الدراسة التحقت بشركة مصر للطيران وكانت بالنسبة لى المدرسة التى كللت مجهودى وتعبى خلال فترة الدراسة، كما أن تولى قيادة طائرة تحمل على متنها 335شخصاً، والتحليق بها فى السماء لمدة 55 ساعة خلال 3 رحلات كل شهر، ليس أمر سهلاً، ولكن أى عمل لا يخلو من المشقة وكثيراً ما يتطلب المزيد من الانتباه والدقة، بالإضافة إلى أن الحفاظ على حلم الطفولة لم يكن سهلا ً فالأحلام تحتاج إلى العمل الدائم لتحقيقها والحفاظ عليها فكما يحتاج الطبيب إلى المذاكرة والاطلاع  طوال حياته، يحتاج من يتولى قيادة الطائرة للمذاكرة  بنفس القدرة لكافة العلوم من الكيمياء والفيزياء التى تعتبر من العلوم التى يجب أن يكون قائد الطائرة ملماً  بها وبكل جديد فيها طوال الوقت ، كما أن هذه الطائرة من الطراز العريض ومداها طويل، ولذلك تستطيع نقل أكثر من 350 راكباً وبها طاقم عمل لتقسيم ساعات الراحة.

ولكنى لم أستسلم لكل هذه الضغوط وواصلت تحمل التدريبات الشاقة التى أصفها بأنها "تشبه إلى حد كبير دخول الجيش" وقبل نهاية الدراسة اكتشف زملائى أننى ابنة الطيار مالك بيومى، أحد أعلام الطيران المدنى فى مصر،  وأول نقيب للطيارين المدنيين. 

* هل واجهت صعوبات فى التعامل مع المسؤولين فى مجال الطيران .. وكيف كان يتعامل معك الطيارون الرجال؟

- لم أشعر بأى تمييز، فالطيارون يعلمون بوجود النساء فى مجال الطيران منذ ثلاثينيات القرن الماضي، حيث كانت الكابتن طيار لطفية النادى أول  مصرية تقود طائرة والثانية على مستوى العالم، وما تأكدت منه هو وجود مساواة بين الرجل والمرأة، فالمسؤولية التى تقع على عاتق الجميع واحدة وهى أن أرواح الركاب أمانة فى عنقهم، ولذلك تتعرض المرأة لنفس الاختبارات الذى يتعرض لها الرجل فضلاً عن أنه لاتوجد رحلات يتم التمييز فيها لأن شركة مصر للطيران حريصة على إخراج قائدى طائرات متميزين، وقبل تسليط الضوء من الإعلام عن وجود امرأة تقود طائرة كان المسافر العادى يندهش من وجود سيدة فى كابينة القيادة وتبدأ تساؤلات عن سبب وجودى، وبالنسبة لى أول مرة يراني الركاب فى كابينة الطيار قاموا بالخبط على زجاج الكابينة لكى أخبرهم عن السبب وبدأت ابتسم وأشير لهم من خلال التعليمات التى تتم على متن الطائرة ليعرفوا أننى كابتن الطائرة، كما أن المعايير الدولية لا تضع جنس الطيار فى أى تعاملات، ومايهم المدرب هو اجتياز الاختبارات المطلوبة وعدد ساعات الطيران.

* ولكن ماسبب قلة عدد قائدات الطائرات بمصر؟

- البعض يرى أن المصريات لا يمتلكن القوة والأعصاب التى تؤهلهن لقيادة طائرة ومازالت هذه الوظيفة مستبعدة لمعظم الأسر المصرية، ورغم ذلك فإن الفترة الأخيرة بدأنا نلاحظ تزايد أعداد المتقدمات لمعهد الطيران، وبالتالى فالأمر أصبح ليس صعباً ولا توجد معوقات كما أن تراث المرأة المصرية وتاريخها من أهم مصادر قوتها ، وما يسهل الأمر هو أن جداول العمل تصدر قبل أسبوعين بل وأصبح حالياً خلال كل شهر، وهو ما يعطى الفرصة أمام الاستعداد لفترة العمل والإجازات وترتيب المواعيد بناءً على تلك الجداول الموضوعة.

* ماهى أهم أساسيات العمل بقيادة الطائرات؟

- قيادة الطائرة تتم فى المعتاد من خلال طيارين قائد أول وقائد ثانى، والاثنان يختلفان فى الخبرة التى تتضمن عدد ساعات العمل ومستوى التعامل مع الطائرة ، حيث يكون القائد الأول لدية خبرة أكبر فى المستوى والتعرض للمشاكل وحالات الطوارئ التى تتعرض لها الطائرة، وهذا مقارنة بالقائد الثانى الذى يتدرج فيما بعد لكي يصبح قائداً لطائرة وفقاً لخبرته التى تنمو مع الوقت. والطيار يجب أن يخضع لفترات التدريب كل 6 أشهر ليكون قادراًعلى التعامل مع المعطيات والظروف المختلفة ويوجد عباقرة متخصصون فى مجال الطيران، حيث يتم محاكاة أوضاع مختلفة وقعت وأوضاع أخرى لم تقع ولكنها بمثابة محاكاة للواقع وهى تدريبات قوية وشاقة لكى يستطيع التعامل مع الطائرات فى مختلف الظروف والأوضاع الجوية.

* وما أغرب المواقف التى تعرضت لها على متن الطائرة أو قابلتك خلال عملك؟

- أنا أعتبره أطرف موقف فى حياتى عندما كنت فى إحدى رحلات الحج لتوصيل الحجاج إلى مكة المكرمة على خطوط العودة من السعودية إلى مصر وخرجت طبقا للبروتوكول لتحية الركاب بعد الوصول إلى أرض مصر، فشاهدنى أحد الركاب وهو رجل كبير ويمسك بيد زوجته وكنت أرتدى ملابس تختلف عن ملابس المضيفات فقال : (سبحان الله ويخلق مالا تعلمون) وغيرهما من المواقف الطريفة والغريبة التىدائماً نقابلها فى مهنتنا.

* وأخيراً ..هل يتعارض عملك فى هذا المجال الصعب مع حياتك الزوجية؟

لا يوجد تعارض على الإطلاق ولكن بالعكس، نحصل على ساعات عمل محددة وفي أوقات نحصل على إجازات، كما أن زوجي يعتبر جزءا مهما فى نجاحى وكان داعماً كبيراً لى فى جميع خطوات حياتى العملية، وهو الذى كان يهيئ أسباب النجاح والتقدم وهو الأمر الذى قابلته بالتوفيق بين عملى كطيار ومتطلبات المنزل كزوجة، وبالرغم من كونه يعمل طبيبا جراحا، وهو مجال يختلف عن مجال عملى بشكل تام إلا أنه يحترم دورى فى العمل فى هذا المجال الذى أعشقه منذ طفولتى، ولم يطلب منى التخلى عن حلمى بل يساعدنى كثيراً ويشجعنى على النجاح، أما المخاطر المحتمل التعرض لها خلال رحلات السفر المختلفة  فجميعها بيد الله.
-------------------------------
من المشهد الأسبوعية







اعلان