21 - 05 - 2024

مؤشرات | إمبراطورية م والحشاشين ورسائل للمجتمع وللبحث

مؤشرات | إمبراطورية م والحشاشين ورسائل للمجتمع وللبحث

تابعت عملين دراميين خلال شهر رمضان المبارك على شاشات الفضائيات، الأول، مسلسل (إمبراطورية م) عن رائعة إحسان عبد القدوس، التي تحمل نفس الإسم، والثاني "الحشاشين" للكاتب عبد الرحيم كمال.

وسبق تقديم "إمبراطورية م" كعمل مسرحي في نهاية الستينيات حيث قدم القصة وقتها السيناريست ممدوح الليثى في هيئة مسرحية وقام ببطولتها سلامة إلياس وصلاح السعدنى.

وفي عام 1972 قدم القصة الكاتب الكبير نجيب محفوظ، برؤية جديدة، بتحويلها إلى سيناريو فيلم مع التغير فى الأحداث، من بطولة الفنانة فاتن حمامة والفنان أحمد مظهر، مع مجموعة من الشباب وقتها منهم سيف أبو النجا وهشام سليم وليلى حمادة وحياة قنديل.

وجاء التحدي الجديد لتقديم قصة إحسان عبدالقدوس برؤية جديدة كمسلسل ضمن أعمال رمضان في موسم 2024، مع الحفاظ على المكون الرئيسي للقصة وبطلها رجل، وليس إمرأة كما تم تقديمها كفيلم، من خلال معالجة جديدة كليا تناسب عصرنا الراهن لتحمل كثيرا من الرسائل ضد كل محاولات الإستقواء بالسلطة أو المال أو النفوذ، وصراع الأجيال الجديدة، ومحاولات تكثيف الوعي المجتمعي بين فئات وطبقات وثقافات مختلفة.

 وفي نسخة "إمبراطورية م 2024" جاء التحدي ناجحًا، وليس فيه تكرار، لما تم تقديمه سابقا، لتعبر عن حالة مجتمعية جديدة، وبرسالة مهمة أن المعركة ضد أي إستغلال للنفوذ والمال لن تنتهي، وسيبقى الصراع قائمًا لكسب الحرية، وفقا للتعبير الأخير من بطل المسلسل الفنان خالد النبوي "لو جربنا الحرية مرة هنعيش أحرار طول العمر".

الأداء جاء متميزا من كل فريق العمل الفني، - رغم التطويل والمد وحاجة الأدوار لمزيد من العمق- في ضوء سيناريو وحوار قدمه محمد سليمان عبد المالك، ومخرج متمكن من أدواته هو محمد سلامة، مع إمكانيات قدمتها الشركة المنتجة، "أروما للمنتج تامر مرتضى، بالتعاون مع الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية".

 حالة تناغم بين النجم خالد النبوي الذي قدم دور الأب في "إمبراطورية م" في الألفية الثالثة، وشركائه في العمل الفني "حلا شيحة، ونور النبوي، ومايان السيد، ونشوى مصطفى، ومحمود حافظ، وهاجر السراج، ومحمد محمود عبدالعزيز، وإلهام صفي الدين، وإيمان السيد، ونورهان منصور، وليلى عزالعرب، ويارا عزمى، والطفلة منى زاهر، والطفل آدم وهدان".

قدم مسلسل "إمبراطورية م" قصة كثير من الأباء أو كل الأباء، مع أولادهم في كل عصر، وحالة التمرد التي نعيشها مع أبنائنا، واختلاف الثقافات الإجتماعية، وفي نسخة 2024 قدم المسلسل هذا الصراع الأبدي برؤية وقراءة جديدتين، في عالم السوشيال ميديا، والإنفتاح الإجتماعي، مع ثقافات مستحدثة، كثيرا ما يتم قبولها على مضض، أو بإجبار لمجاراة العصر، أو متغيرات هبت عليها، ونتعامل معها بحكم الحفاظ على الأسر والعائلات.

وليس غريبا أن نجد سلطة الأب قد تغيرت في عصر ثقافة كتابة القصة الأولى عندما دونها إحسان عبد القدوس قبل ما يزيد عن نصف قرن، وبين سلطة الأب الآن في عصر الذكاء الإصطناعي، إلا أن الأصل هو الذي يسود، لتتجمع الأسر على هدف واحد، هو حماية مصلحتها، وهو ما جرى في مرحلة مواجهة الخطر من تجار الأرض والعقارات، وأعمال المصادرة، أو الشراء بالقوة من خلال قوة سلطة القوة أو المال، والنفوذ، والمصلحة، وأحيانا الدولة.

بإختصار نسخة 2024 من إمبراطورية م ، هي صرخة إجتماعية وسياسية، ضد أشياء كثيرة، وتبقى حرية القرار هي الأساس، التي تحتاجها مجتمعاتنا، من خلال أدب ودراما تتناول القضايا الاجتماعية والإقتصادية والثقافية الهامة.

أما المسلسل الثاني "الحشاشين" الذي كتبه عبد الرحيم كمال، وأخرجه بيتر ميمي، فهي فكرة من التاريخ، وليس التاريخ نفسه، وبعيدًا عن الجدل حول الربط السياسي بين تقديم المسلسل ومواقف الإسلام السياسي المتشدد، فإن "الحشاشين"، فرض على المؤرخين والباحثين تحديا مهما.

وهذا التحدي هو البحث عن الكتابة الحقيقية عن حسن الصباح، فمازالت الحقيقة غائبة، والحشاشين هي فكرة من التاريخ في عمل درامي، وليس في المجمل عمل تاريخي.

وقد تعلمنا أكاديميًا أن العمل الدرامي الفني، ليس مطالبا في غالبية الأحوال، بتقديم إجابات نهائية وشفافة عن كل أسئلة المتلقي والمشاهد، بل كثيرًا ما تفتح أبواب الحوار والبحث عن مجمل القضايا التي يتم طرحها في العمل.

أتصور أن "الحشاشين" فرض تساؤلاً مهمًا، ..لمن يستطع أن يقدم عملا أدبيا تاريخياً عن فرقة "الحشاشين" وزعيمها الحسن بن الصباح الإسماعيلي، وقلعة "أَلموت" التي استولي عليها، وتابعيه ونسله وفكره، وكل الأفكار والعقول التي طرحت قضايا التمسك بفكر متشدد أو منحرف، وما سبق ذلك من تمهيد لها منذ بداية الفرقة الإسماعليىة، والإثني عشرية، وفقا لما ورد في كتب التاريخ والفلسفة وعلم الكلام. 

ولأن المسلسل أثار جدلا واسعا، فإن الباحثين مطالبون أكثر من أي وقت مضى، لتقديم عمل، يلبي حاجة مجتمعاتنا لعمل محايد من قارئ جيد للتاريخ ومؤرخ متمكن من أدواته، يمكن أن يكون يوما ما عملاً دراميًا تاريخيًا صرفًا، وليس عملا يراه البعض أنه مستوحى أو فكرة من التاريخ، لهدف سياسي.

وكل عام وأنتم في دراما تنافسية تثير فكر المجتمع وتدفع لمزيد من العصف الذهني.
--------------------------------------------
بقلم: محمود الحضري

مقالات اخرى للكاتب

مؤشرات |





اعلان