21 - 05 - 2024

الشاعرة صحر أنور للمشهد: أنا في حالة هيام مع ديواني "أتتبع نعش الضوء"

الشاعرة صحر أنور للمشهد: أنا في حالة هيام مع ديواني

** في الشعر أبتعد عن حياتي الواقعية وأتحرر من قيود إدارة الأعمال وفي رحاب الصوفية أولد من جديد

صحر أنور شاعرة وكاتبة حاصلة على الدكتوراه في إدارة الاعمال من جامعة حلوان, تكتب للعديد من المجلات والمنصات الالكترونية المصرية والعربية ومنها مجلة "نصف الدنيا"ومجلة "كل الناس نيوز" وجريدتي"الجارديان" و"أخبار اليوم" ومجلة "فن السرد المغربية" وموقع "ثقافات" الأردني.

بدأت كتابة الشعر منذ سنوات طويلة ونشرت عددا كبيرا من القصائد و القصص القصيرة في العديد من الصحف والمنتديات والمواقع الالكترونية منذ عام 2003. ويعتبر ديوان "بلا أثر سواي" أول ديوان شعر لها. وهو يؤكد الكثير من دلالات الصوفية التي ترتكن إليها الشاعرة في علاقتها بالكتابة وحتى في تلك الحيوات الواقعية / الإنسانية. 

صدر لها كتاب "نساء في عالم الأعمال..بين التمويل والتمكين" عن دار النشر النابغة العام الماضي. وفي ديوانها الثاني "أتتبع نعش الضوء"الذي سيصدر قريبا عن دار نشر "الهالة"، تؤكد انتماءها الأول، للإبداع الشعري ومتونه وفضاءاته.

في هذا الحوار، تتحدث صحر أنور لـ "المشهد" عن عوالم مسارات المرأة المصرية، وجدوى الكتابة وقوامها، وعن تلك المحطات الأثيرة في مشوار ومسار المبدعة والتي تعددت مشاركاتها في المتن الثقافي.

* سألتُها بداية: درستِ إدارة الأعمال وتكتبين الشعر وتدافعين عن المرأة والتمكين لها فيما يخص كافة المجالات الحيوية ، أين أنت من هذه التجليات الآن؟

- أنا الآن في حالة هيام مع ديواني الجديد "أتتبع نعش الضوء"، والذي أحاول فيه البعد عن حياتي الواقعية، متحررة من قيود العمل، الدراسات والأبحاث المتعددة في إدارة الأعمال التي بدأتها منذ 2010، والتي من خلالها بدأت تتبلور أفكاري الخاصة لدعم المرأة ومساندتها، مما دفعني إلى المشاركة في العمل العام مع العديد من الكيانات المجتمعية، ثم اتخذت قرار تأسيس مؤسسة "مصر للتنمية" والتي كانت قائمة على مساندة ودعم المرأة في كافة مناحي الحياة، وأهمها على الإطلاق هو تمكين المرأة اقتصاديا من خلال المشروعات الصغيرة والمتناهية الصغر، إيمانًا بقوة إرادة المرأة على النجاح وتحقيق أهدافها، وهذا ما توصلتْ إليه النتائج في بحثي الخاص برسالة الدكتوراه والتي أثبتت أن مشاركة المرأة في العمل ونجاحها من خلال المشروعات الصغيرة والمتناهية الصغرمن العوامل المؤثرة على مؤشرات التنمية في رؤية مصر 2030 وهذا من أهم المحاور الذي ذكرتها في كتابي "نساء في عالم الأعمال". 

لغة عميقة

*عن الشعر وهذا الشكل المغاير في قصيدة النثر أو القصيدة الفصحى في ديوانك الأول "بلا أثر سِواي" وكذلك الديوان الثاني "أتَتَبَّعُ نَعْشَ الضَّوْءِ"، يتضح الكثير عن لغة متقشفة عميقة تحفر لشاعرتها الكثير من رؤى الغرابة والتغريب وكذلك الواقعية.. أين أنتِ من الشعر؟ ولماذا أنتِ بعيدة ومُقلة في الحقل الشعري؟

- لم أكن يوما بعيدة عن الشعر، كيف أكون بعيدة عنِّي؟ لقد بدأت في نشر أشعاري منذ عام 2003 عبر الكثير من المنتديات والمواقع الثقافية على الإنترنت، إذ حينها لم يكن هناك وجود لتطبيقات السوشيال ميديا كما هو حاليا. بعد ذلك بدأت في النشر عبر مواقع السوشيال ميديا بصورة أكبر وكذلك في بعض المجلات الثقافية، لكن التأخير في النشر جاء نتيجة لعدة عوامل،  دراساتي المتتالية، انخراطي في العمل العام والمجتمعي عدة سنوات، لكن أهم سبب كان هو الخوف من الشعر، الخوف من نشره، كنت أسأل نفسي دومًا: هل ما أكتبه حقًا يستحق النشر؟ الشاعر لا يشعر بالرضا عن قصائده وفي الوقت ذاته يقتله صمت روحه عن البوح وجمود قلمه، فالشعر يهجر صاحبه إذا هجره، الشّاعر دوما متوَّج بقصائده.

كما أنني أؤمن بأن الشاعر الحقيقي ليس بتعدد إصداراته، ربما يصدر ديوانا واحدا يحقق فيه رؤيته الشعرية مثل الشاعر الأرجنتيني أنطونيو بورشا الذي أصدر كتابا واحدا فقط وهو كتاب "أصوات" والذي اعتبره الأدباء والنقاد حالة فريدة من نوعها في تاريخ الأدب الإسباني وأحد أعظم كلاسيكيات الكتابة الشذرية. لكل شاعر لغته الخاصة، روحه االساكنة في حروفه هي التي تميز تفرده، لذا أعتقد أن أشعاري تحمل بصمتي؛ لأننا تآلفنا وانصهرنا معا في بوتقة القصيدة.

ديواني الأول تأخر إصداره أكثر من عام بسبب ظروف عملي الأساسي وربما جاء التأخير في صالحي إذ منحني الكثير من الوقت لإدخال الكثير من التعديلات عليه ليصدر في صورته الحالية. أما ديواني الثاني فأعتقد سيكون مختلفا. وبذلك أكون قد زرعت أول زهرتين في الحقل الشعري.

الرجل والمرأة

*في المقالات الكثيرة التي تدافع عن تمكين المرأة وعن الرجل أيضا وخاصة الأخيرة في مجلة "نصف الدنيا"، كيف ترين أو تفسرين أوضاع المرأة المصرية والعربية الآنية وتحديدًا بعد ثورات الربيع العربي؟ 

- قد يبدو من السهل الكتابة للمرأة. بينما في الحقيقة الكتابة إلى المرأة من أصعب ما يكون، وخاصة كتابة المرأة عن المرأة. أن تمسك بالقلم وتخط كلمات، عبارات، وأفكارا، فكرة إثر أخرى، إن لم تكن صادقًا في روح الحرف قبل كتابة الحرف ذاته؛ اعلم أن المرأة لن تستقبله ولن تقنع به. فالمرأة كائن ذكي بالفطرة، لديها حدس تستشعر به الصدق، لذا فالكتابة للمرأة هي بمثابة السهل الممتنع، أن تقتحم أسوارها وتكشف أسراراها وتتوغل في عقلها وقلبها، فهذه تجربة صعبة. الحقيقة أن المرأة العربية بصفة عامة والمصرية بصفة خاصة عانت كثيرا إلى أن تصل إلى ما هي عليه الآن من الاستقلالية والحرية وخاصة بعد 2011، سعيها المستمر لتحقيق استقلالها الذاتي في ظل حالة عدم الأمان هو دوما هدفها الأول، بشكل عام يمكن القول إن المرأة المصرية تعيش في ظروف معقدة ومتنوعة، تواجه تحديات متعددة في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، وتتطلب جهودًا مستمرة لتعزيز حقوقها وتحسين وضعها. أؤمن أن للمرأة دورها في المجتمع، كما للرجل تماما، يُكمل كل منهما الآخر من دون طغيان أو ظلم. لذا من خلال مقالاتي أحاول إبراز دور الرائدات النسويات اللاتي كان لهن أثر كبير في تغيير أوضاع المرأة.  كما أحاول التعبير عن مشاعر المرأة التي قد لا تملك القدرة على البوح بها. لذا تجد المرأة في كتاباتي جزءً منها، كما يرى الرجل أيضا فيها جزءً منه.

*عن صداقاتك المتعددة في مصر والوطن العربي فيما يخص قامات فكرية وثقافية وعربية، وقد تبلور منها الكثير في كتاباتك وخاصة في كتاب "نساء في عالم الأعمال".. ليتك تحدثيننا عن هؤلاء النساء في كافة الأعمال وما علاقة هذا الطرح بمفهوم النسوية؟

- في الحقيقة أنني استفدت كثيرًا من صداقاتي المتعددة في مجال إدارة الأعمال والاقتراب من قامات كبيرة من سيدات ورائدات الأعمال والتعرف على تجاربهن وقصص نجاحهن وفلسفتهن في الحياة وأيضًا ثقافاتهن المختلفة. كل هذا أضاف لي الكثير في كتابي الجديد الجزء الثاني من سلسلة "نساء في عالم الأعمال" الذي سيصدر قريبا ويضم تجارب حقيقية من قصص نجاح لرائدات الأعمال، بينما في الجزء الأول، تم إلقاء الضوء على الدول التي ساهمت في رفع شأن المرأة اقتصاديا ودعمها بتمويل مشروعاتها وأثر مشاركتها على أهداف رؤية مصر 2030.

قضايا اجتماعية

*عرفت الكثير من رائدات الفكر والثقافة المصرية والعربية ومنهن لطيفة الزيات، ماصدى هذه الشخصيات؟ كيف ترينها ومن جاورها وعاصرها.. حدثينا عن هؤلاء السيدات الرائدات اللاتي شكلن عتبات أو مفارق طرق ودور المرأة في الثقافة المصرية العربية؟

- منذ القرن التاسع عشر لمعت أسماء نسائية كثيرة كانت بمثابة الطلائع لبداية ظهور المرأة في الميدان الاجتماعي والسياسي والثقافي، إذ عرف العالم العربي حقوقيات ومناضلات وشاعرات وأديبات كثيرات منهن: فاطمة الأسعد، مريانا مراش، مي زيادة، وردة الترك، زينب فواز، كريستين خوري، جوليا دمشقية، وردة اليازجي، نايلة سعد زغلول، هدى شعراوي، نوال السعداوي. كانت كتاباتهن في هذه المرحلة تحمل طابعا تعليميا وتوجيهيا كالدعوة لتعليم المرأة والدفاع عن منزلتها الاجتماعية والمطالبة بحقوقها مما أثار في الأذهان قضايا اجتماعية بدأت تتجلى بعد أن وجهت الأنظار إليها تلك الكتابات. وفي المجال الحقوقي والنسوي ظهرت العديد من الناشطات النسويات التي شاركت في نشر الوعي بقضايا المرأة والعنف ضدها منهن على سبيل المثال: حسناء مصطفى كانت تعتبر واحدة من رواد الحركة النسوية في مصر في القرن التاسع عشر، التي سعت لتحسين وضع المرأة في المجتمع المصري ودعت إلى حقوق المرأة في التعليم والمشاركة السياسية، ميشيل رشدي ناشطة اجتماعية ومؤسسة لجمعية الإنقاذ النسائي، وهي منظمة نسوية أسست في عام 1910 لتقديم الدعم والمساعدة للنساء الفقيرات والمحتاجات في مصر، جيهان رستمناشطة نسوية وكاتبة مصرية عملت على تعزيز تعليم النساء وتحسين وضعهن في المجتمع المصري، وكان لها دور بارز في تأسيس جمعية السيدات المسلمات. 

وقد ذكرتُ في إحدى مقالاتي في مجلة "نصف الدنيا" عن تاريخ المجلات النسائية في مصر وعن دور الرائدات النسائية في الصحافة النسائية مثل السيدة هند نوفل، الأديبة سعدية سعد الدين، السيدة أنيسة عطا الله، الشاعرة لبيبة ماضي هاشم وغيرهن. فالتاريخ النسوي زاخر بنماذج مصرية وعربية مشرفة في القرن الماضي، على عكس الآن بالرغم من حصول المرأة على الكثير من حقوقها.

الديوان الجديد

*عن تلك الأفكار التي لم تبح الشاعرة صحر أنور في ديوانها الجديد بعنوان "أتَتَبَّعُ نَعْشَ الضَّوْءِ".. ما الجديد في الديوان ؟

-الديوان الجديد " أتَتَبَّعُ نَعْشَ الضَّوْءِ"، يحمل أفكارا جديدة  فيها جزء مني. وكما قال نزار قباني: "الشعر فضيحة الشاعر". ولأن الشعر هو المكان الآمن الذي نسكن فيه، نبوح لجدرانه بأسرارنا، لكنها كالعصفور تفشي بالسر لغصن الياسمين، فدعني لا أكون العصفور ولن أفشي السر.

*هناك الكثير مما يتردد على ألسنة كتاب الشعر ونقاده عن قصيدة النثر والقصيدة النص وقصيدة التفعيلة.. ما هو الشعر من وجهة نظرك؟

-الشعر هو روحي، وروحي شعر، كائن حي يتنفس داخلي ترنيمة القلب ومرثيته، أنصتُ له ، لا يبارحني ولا يُبارح أيَّ مكانٍ تحلُّ فيه رُوحي، الشعر يكتبني كما أكتبه، نتحدث لغةً واحدة، تنصهر فيه كل حواسي حتى تصل إلى المجهول الكامن في روحي، ومشاعري من آلام وأحلام، وحب وعشق، وأسرار كشف سترهاشعري، يبوح بها، يعلنها على الملأ. هو العود الذي أعزف على أوتاره أنغامي. كما أنني أخشى الكتابة رغم أنها تلازمني وتراودني حتى في منامي وأحلامي، فالكتابة أسمى الرسالات وأقدس المراتب وأعلاها. فالكلمة سر من أسرار الكون لا تعلم من ستمنحه سرها. لذا أخشاها والتصق بها في آنٍ.

كل نمط من أنماط الشعر له جماله الخاص كما له قراءه أيضا، فالشعر تعبير ووحي وإلهام وتأمل وتجربة الشاعر الإنسانية، وأذكر هنا قول الشاعر الكردي جميل داري: "الشعر حالة روحية صوفية انصهارية نعبر بها بالطريقة التي تفرض نفسها علينا".

حصاد

*ليتك تحدثي القراء عن حصاد رحلتك مع الكتابة والثقافة على مدار أربعة عقود مضت؟

- منذ الصغركنت أحفظ القرآن سماعيا، فبدأت موسيقى القرآن تؤثر في أذني، كما كنت أحب الموسيقى والأغاني، حفظت أغاني أم كلثوم وعبد الوهاب. كان حبي للقراءة أكثر من حبي للكتابة؛ لأني في القراءة أحيا حيوات كثيرة وأجوب عوالم أكثر، فقبل أن أبدأ الدراسة والتعليم في الخامسة من عمري من قبل حتى أن أتعلم القراءة والكتابة، كنت أذهب إلى المكتبة برفقة أقاربي، وأختار الكتب من أغلفتها، ثم أذهب كل ليلة بعد ذلك إلى أحد يقرأها لي، مرات ومرات من دون الشعور بأي ملل. في فترة الدراسة كنت أقرأ كل ما تقع عليه عيني من كتب ومجلات وجرائد، تفوقت في اللغة العربية في المرحلة الابتدائية وبدأت أحفظ شعر شوقي وابراهيم ناجي، وألقيه في المدرسة. ومن هنا بدأت الكتابة تأخذ طريقها إلى روحي. بدأت بعد ذلك أقرأ لمحمود درويش ونزار قباني، وأدونيس، والماغوط، ومحمد آدم، ومن الشعر الصوفي، المثنوي وجلال الدين الرومي، وشمس تبريز، والحلاج وابن عربي. أما في الشعر العالمي فقرأت لجيرار جينيت، بودلير، جان أرتور رامبو، إيميلي ديكنسون، سيلفيا بلاث، فروغ فرخ زاد، نازك الملائكة، كما كنت أعشق مصطفى لطفى المنفلوطي، قرأت كل كتبه مرات كثيرة، وكذلك توفيق الحكيم، نجيب محفوظ، إحسان عبد القدوس، ومن الأدب العالمي قرأت لدوستوفيسكي وأرنست هيمنجواي، وماركيز، وبوشكين، وإدوارد غاليانو. كما أنني  تعلمت الموسيقى والغناء والعزف على البيانو والجيتار، ومارست العزف لسنوات طويلة حتى المرحلة الجامعية مما كان له عظيم الأثر على إيقاع الكلمة واللحن الموسيقي في الكتابة ، إذ كنت أشعر بالكلمات لحنًا ونغمًا متفردًا. فأصبحت الموسيقى والشعرالمكونين الأساسيين لروحي.

مصطلحات

*السلوى، النشوة، الخلاص.. ماذا تعني هذه المصطلحات للكاتبة والشاعرة صحر أنور، وهل ينتهي مفهوم المبدع أو الكاتب فيما يخص الخلاص بعد انتهائه من كتابة نصه؟

-السَّلْوَى في اللغة تعني  كلُّ ما سَلاَّكَ، ما يُسلِّي ويذهب الحزنَ والهمّ ويمنح الراحة والطمأنينة، ونشعر به عندما يمد الله يده إلينا ويربت بها على قلوبنا ليخفف عنا الألم والحزن، السلوى في التواصل مع الله في كل ما هو روحاني، والشعر في حياتي هو السلوى، سلوتي التي تُذهب عني ما أشعر به من ألم وحزن، سلوتي التي تشاركني حالاتي فتكتبني كما أنا وأكتبها كما تحب، مثل ما قال الشاعر العراقي مظفر النواب:وعجبتُ كيف الدمعُ بعد الدمعِ يجفُ..وكيف يُغني الحُزنُ ويُعزفُ السلوى.
بينما مصطلح النشوة يعبر عن حالة الارتواء بمشاعرالسعادة الغامرة والانبهار التي يشعر بها المرء في لحظة معينة تكون غالبًا ناتجة عن تجارب مثيرة أو لحظات جميلة ومميزة في حياة المرء، وهي المشاعر التي تنتابني بعد الانتهاء من قصيدة كانت تلازمني وتلاحقني في منامي، فأنا دوما تأتيني القصائد في منامي فتوقظني، تعانقني لأكتبها فأشعر بهذه النشوة تتلبسني في دهشةٍ، وهذا يذكرني بما كتبت الشاعرة اللبنانية إيليان الجميل في قصيدتها "النشوة": في دهشةٍ، ترتسم النشوةُ ** كنجوم تنهال في السماءِ المنتشرِ.. وتنساب في دمي حبوبٌ مطرٌ ** تغمر القلب حتى الحافة.

أما مصطلح الخلاص فهو يعني النجاة أو النجاح في التخلص من المصاعب وتجاوز العقبات أو التغلب على التحديات. وحالة الفرح التي يشعر بها الفرد بعد النجاة من الخطايا والخلاص من العذاب الروحي، كما يستخدم في بعض السياقات للدلالة على النجاة الروحية أو السعادة الأبدية. والشاعر لا يعرف معنى هذا الخلاص، إذ إنه لا يكاد ينتهي من قصيدة فتمسك به الأخرى فلا يستطيع الفكاك من بين يديها، وإذا تركته عاد إليها مشتاقا. فهذه المصطلحات الثلاثة ماهي إلا الحالات التي يتقلب بين جنباتها الشاعر، إذ الشعر هو السلوى والنشوة والعذاب الحلو الذي لا خلاص منه ولا نجاة.

الصوفية

*هناك الكثير من الشائعات التي تحسب الدكتورة صحر أنور على تيارات صوفية بعينها فيما يخص الذاتي والواقعي والحياتي، حدثينا عن الصوفية في حياتك؟

-الصوفية وما أدراك ما الصوفية؟ إن سألت عن معنى للصوفية سوف تجد لها تعاريف كثيرة مختلفة، الحديث عنها من دون أن تحيا في أنوارها قد يمرعلى العقل مرور الكرام، ولكن إن مرَّ على قلب مطلوب فسوف يستقبل النور ويلتقط الخيط، الصوفيون الحق معلومون من يوم خلق آدم، لكن متى موعد اللقاء لا يعلمه أحد إلا الله، التصوف الحق كالميلاد والموت، يموت قلب ليولد قلب جديد ممتليء بالنور.

الصوفية في حياتي بدأت مبكرة جدا منذ طفولتي،كنت أحفظ القرآن الكريم وكنت أرى أشياء غريبة. كنت استشعرها في قلبي من خلال الرؤى في منامي. تعلمت الصلاة على حضرة النبي منذ طفولتي واعتدت على ذكرها كثيرا، إلى أن صارت ملاذي أرددها حتى في نومي، مع مرور السنوات بدأت أستشعر أن هناك طريقا ما عليَّ السير فيه ولكنني لم أكن أعرف ماهيته، إلى أن مررت بأصعب مرحلة في حياتي بعد تجربة الطلاق كنت في فترة دمار شامل، محطمة تماما، انتابتني كل الأفكار الشيطانية للتخلص من حياتي حينها، كنت اسأل الله وأعاتبه على ما أنا فيه، إلى أن قادني الطريق إليه وفيه عرفت معنى الحب الحقيقي حين امتلأ قلبي بالنور وامتلأت روحي بالقرب من الله.

حينها فقط تعلمت أن الله إذا أراد أن يقربك إليه قرب الواصلين لا قرب العوام فإنه يقطع عنك الأصحاب والأهل والأحباب فيتخلى عنك الجميع ويتركونك بلا سبب حقيقي، يقطع عنك الدنيا وأسبابها حتى يصرخ قلبك من شدة مايعتريك حتى تضيق عليك أنفاسك وتزداد في قلبك الوحشة، تتجرع كؤوس الابتلاءات واحدا تلو الآخرإلى أن تشعر أنك أصبحت غريبا حتى بين أقرب الناس إليك، فتصبح الوحدة ملاذك الوحيد، فجأة يرسل الله إاليك جنوده، ليكون النصر حليفك، بدأت أرى النور وكأنني ولدتُ من جديد، صرت كالطفل الذي بدأ يحبو، ثم رويدا رويدا بدأت أستعيد نفسي، استكملت دراساتي العليا؛ الماجستير والدكتوراه إلى جانب تربية وتعليم أولادي. انخرطت في العمل العام ومساعدة الناس وخاصة النساء. بدأت في استعادة شغفي بالكتابة ونشر أشعاري من جديد ومع مرور السنوات ومعانقة النور أصبحت هذه الإنسانة الماثلة أمامكم.
-------------------------
حوار: حسين عبد الرحيم






اعلان