24 - 02 - 2024

عاجل إلى سيادة الرئيس : اقتراح على قاعدة 6 + 2

عاجل إلى سيادة الرئيس : اقتراح على قاعدة 6 + 2

كان لافتا تماما أن يعلن الرئيس السيسي بعد أيام قليلة من عملية السابع من أكتوبر رفض مصر القاطع لترحيل الفلسطينيين من مختلف أماكن تواجدهم على أرض فلسطين التاريخية ؛ معتبرا لاحقا أن عملا كهذا يعني تصفية القضية العادلة للشعب الفلسطيني ؛ مع التأكيد على أن هذا أمر لن تقبل به مصر . 

و يعرف المشتغلون بالسياسة أنه من المعتاد أنْ يحيط القادة و الزعماء أنفسهم بمجموعة مختارة بعناية من الخبراء و المستشارين ؛ ليستمعوا إليهم ، و إلى نصائحهم ؛ كلما كان ذلك مطلوبا . ومن المفهوم – بالطبع – أن هذا السلوك يعد من المكونات الجوهرية لما نسميه في علوم الفلسفة و القانون بـ "الحكمة" التي هي من مقتضيات القيادة الرشيدة ، و سماتها . فالقيادة الحكيمة هي قيادة تتفحص في ما يعرض عليها من مسائل ، وتتحرى تفاصيلها ، وتتخذ قراراتها التي تنعكس على حاضر و مستقبل الجماعات التي تقودها ؛ بالدقة و الإتقان الواجبين ، و تقضي في شؤونها؛ بمنتهى الفطنة و التعقل . و هذا عمل يسهم فيه المحيطون بالقائد ؛ فتكون قراراته لا اختلاف فيها و لا اضطراب . 

فهل كان التعليق المبكر للرئيس على التطورات التي أعقبت عملية السابع من أكتوبر كاشفا بصورة كاملة عما تدارسه و تفحصه مع مستشاريه ؟ بالطبع لا ! فالتعليق كان معنيا فحسب بإعلام جميع المعنيين بمرتكزات الموقف العام للسياسة المصرية ، و إخطارهم بالمبادئ الأساسية التي ستمضي عليها سلوكات الدولة المصرية ؛ في ما يخص التطورات اللاحقة لما جرى .

و توطئة لعرض الاقتراح الذي جعلناه عنوانا لهذا المقال ؛ كان يتوجب علينا أن نجتهد في محاولة لاستكشاف مجمل ما تدارسه الرئيس مع مستشاريه في هذا الخصوص ، و بتحديد أكثر أن نحاول استقراء الرؤية الأساسية التي تأسس عليها هذا التعليق المبكر ، و التي يمكن اختصارها على النحو التالي : 

إن الرفض الحاسم للمساعي الرامية إلى تصفية القضية الفلسطينية ، و تنفيذ المشروع الإمبريالي الصهيوني العنصري لترحيل الفلسطينيين ؛ ينطلق منتقدير نوعية المخاطر الفورية و بعيدة المدى لها على الأمن القومي العربي ، وعلى نظيره المصري ، واستبصار إمكانية واقعية لتحويل هذه المخاطر إلى مكاسب ؛ استعصى تحقيقها على الأمة العربية منذ قيام دولة الكيان التي كانت – و لا تزال – العائق الرئيس أمام الشعوب العربية ؛ لإنجاز تطلعاتها نحو التقدم و النهضة ، والتي نجحت خلال السنوات الماضية – مع مشغليها – في تقطيع أوصال العديد من الأقطار العربية ، وإضعاف جيوشها الوطنية ، وتحاول الآن استثمار ما جرى للإجهاز على البقية ؛ في إطار مشروعها الإمبريالي الرؤيوي المهووس ؛ في الوقت الذي تقدم فيه عملية السابع من أكتوبر لأمتنا العربية فرصة فريدة قد لا تتكرر ؛ لتطويق هذا المشروع ، وإنجاز حل عادل لقضية شعبنا الفلسطيني .  

الرؤية نفسها – و بكل تاكيد – استمع إليها القادة في الأقطار العربية الفاعلة و المعنية من مستشاريهم الأكْفاء ، وبناء عليها صاغوا مواقف بلادهم العامة ، والمبادئ الأساسية التي يجب أن تحكم سياستها تجاه ما يجري . ومن ثم ؛ عمل الديبلوماسيون العرب على مدار أربعة أشهر مضت – بشكل منفرد أو ثنائي أو جماعي أو تفاعلي في ساحات أخرى ؛ على التحرك في مسارات عديدة ؛ لاستثمار الفرصة التي نشأت لتطويق المشروع الصهيوني ، وإفشال مراميه ، ومحاصرة المخاطر المترتبة عليه على الدوام ، وفي الوقت الراهن ، والعمل على عكس هذه المخاطر ؛ بتحويلها إلى مكاسب لصالح الشعوب العربية كافة ، وفي مقدمتها شعبنا العربي الفلسطيني ؛ على أساس مجموعة من الأهداف العملية التي تمت بلورتها ، و يجري السعي إلى تحقيقها ؛ بالكيفية التي تلاحق التطورات ، وتتفاعل معها . 

في هذا السياق لا يستطيع أحد أن يجادل في أن الجهود الديبلوماسية العربية ، والجهود الأخرى الحكومية و الشعبية التي بذلت على اتساع الساحة العربية ؛ لإسناد الشعب الفلسطيني على الأرض ؛ قد مكنت – قدر المستطاع – من تلجيم السلوك الهمجي المتسم بالتوحش والانتقام الأعمى للكيان الصهيوني المهزوم ؛ لكنها استطاعت – و هذا أمر مهم – أن تنتج الكثير من المقررات والوثائق والخطط والمشروعات والآليات العملية القادرة على منع هذا الكيان من تنفيذ مخططاته الإجرامية ، ونذكر منها على سبيل المثال ؛ مقررات القمة العربية الإسلامية في الرياض ، وقراري الجمعية العمومية للأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي ذوي الصلة ، وخطة باريس الإطارية لوقف إطلاق النار في قطاع غزة ، وترتيبات إدخال المساعدات الإنسانية إلى الفلسطينيين هناك ، والقرار الأوليّ لمحكمة العدل الدولية في الدعوى التي أسهمت في التحضير لها أطراف عربية ، وبيانات الحكومات و المؤسسات الاتحادية الأوربية ، والبيانات المشتركة المصرية الأردنية ؛ لتضاف جميعها إلى مقررات الشرعية الدولية الضامنة و الداعمة لحقوق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره ، والعودة إلى أراضيه ، وإقامة دولته المستقلة ، والقرارات العربية العاملة في الاتجاه نفسه ، وعلى رأسها ؛ مقررات قمة بيروت العربية ، واتفاقية الدفاع العربي المشترك ، و إجراءات المقاطعة العربية للكيان ، والاتفاقات والمعاهدات التي وقعتها أطراف عربية مع الكيان ؛ بما فيها منظمة التحرير الفلسطينية.  

***

ما نقترحه هو عمل عاجل يستفيد من تراكمات الجهود التي أشرنا إليها ، والتغيرات الحقيقية التي أحدثتها عملية السابع من أكتوبر في الساحة الدولية ، وتفاعلاتها وتداعياتها ، والمزج بينها ؛ وصولا إلى تكثيف الضغوط الواقعة على كاهل الكيان الصهيوني ؛ لإرغامه على التسليم بحقوق الشعب الفلسطيني . 

و يتمثل الاقتراح في أن تدعو مصر إلى اجتماع مصغر عاجل على مستوى القادة يضم الدول العربية الفاعلة و المعنية مباشرة بمخططات الترحيل ؛ لإعلان موقف ضاغط بأقصى قدر ممكن من القوة على الكيان الصهيوني ؛ بتقدير أن هذا الموقف – دون غيره – سيكون قادرا على تحريك الضغوط الأخرى الواقعة على المؤسسة الفاشية الحاكمة في الكيان الصهيوني ؛ باتجاه التأثير والفاعلية والإنجاز ؛ فبدونه تبقى هذه الضغوط عاجزة عن وضع هذه المؤسسة في الاتجاه المطلوب ، ونعني بذلك مجمل الضغوط المتنوعة في داخل الكيان على هذه المؤسسة ،  والضغوط الأمريكية التي يحرك جانبا منها الاستحقاق الانتخابي الرئاسي هناك ، والضغوط الواقعة عليها ميدانيا على مستوى الاشتباك المسلح مع المقاومين في قطاع غزة ؛ بسبب تعاظم خسائرها البشرية وإخفاقها في مواجهتهم ، والرد الإيجابي الذي قدمته فصائل المقاومة الفلسطينية على إطار باريس المقترح لوقف هذا الاشتباك ، والتوقعات الجارية بأن تدعو محكمة العدل الدولية تل أبيب قريبا إلى وقف عملياتها العسكرية في القطاع ؛ تجنبا للتورط في أعمال إبادة جماعية بحق سكانه المدنيين .   

ونقطة الانطلاق في هذا الاقتراح هي أن ما حدث في السابع من أكتوبر لا مثيل له في تاريخ الصراع العربي الصهيوني ، ويصعب تكراره ، وأن التطورات التي تأسست عليه هي غير مسبوقة ، ولايجوز تفويت فرصة استثمارها ؛ علما بأن خروج هذا الكيان المأزوم من مأزقه الراهن ؛ بدون أن يدفع فاتورة إجرامه المتطاول على أبناء شعبنا العربي في كل مكان ؛ على مدار عقود طويلة – تؤدي حتما إلى مزيد من المعاناة و الانكسار في واقعنا العربي .   

و الحاصل الآن – وبفضل الصمود الفلسطيني الذي لا توجد ضمانة مؤكدة لاستدامته – أن  الكيان الصهيوني بات في وضعية انضغاط كبيرة تلزمه منطقيا بالانصياع والقبول بنتائج ما جرى على أرض الواقع و التعاطي معه. فالضغط العربي الذي نقترحه لا يوجد توقيت أفضل من التوقيت الحالي لوضعه على كاهل الكيان ، و بمقدوره أن يعزز قدرة المقاومة على الخروج باتفاق لوقف إطلاق النار ؛ يضمن حماية أبناء شعبنا الفلسطيني ، وحقوقه الثابتة في تقرير مصيره ، وهو يمنح المشروعية المستحقة لعمليات الإسناد العسكري التي تقوم بها أطراف عربية ؛ تتوحد في دوافعها وأهدافها مع المطالب الشعبية والرسمية على اتساع عالمنا العربي  ومحيطه المناصر لقضية شعبنا الفلسطيني ، وللحقوق غير القابلة للتفريط في السيادة على مقدساتنا الدينية الإسلامية والمسيحية في مدينة القدس .  

ومن المنطقي و البدهي ؛ أن يتساءل قارئ هذا المقال عن طبيعة الموقف العربي الضاغط الذي ندعو إلى اتخاذه على عجل ، و لماذا نحجم عن وصفه بوضوح ؟ والحقيقة التي يدركها المشتغلون في السياسة أن عملا كهذا يحتاج إلى  إلمام كافٍ بتفاصيل واعتبارات و محددات لا يعرفها إلا من يعملون في دوائر صنع القرار و دهاليزه ، وأقصى ما يمكن أن يقدمه تحليل سياسي فردي لكاتب مستقل – في هذا الصدد – هو مجرد مؤشرات لصياغة هذا الموقف ؛ في ضوء الحيثيات التي نوهنا إليها في السابق . 

و من المفهوم أن الحاجة لا تدعو إلى تسمية الدول التي يمكن دعوتها إلى اجتماع كهذا . بيد أن الأمانة التحليلية تتطلب التوصية بضرورة دعوة منظمة التحرير وليس سلطة رام الله إلى الاجتماع ؛ ضمن أفق يتطلب توسيع عضويتها الفصائلية ، وبفحص الفوائد التي يمكن أن تضاف إلى محصلة الاجتماع ؛ إذا ما دعيت إليه أو التحقت به كل من إيران و تركيا . فربما يولد من رحمه تجمع سياسي جديد يحتاج إليه الإقليم دائما ، وفي الملمات ؛ تحت اسم : 6 + 2 . 

***

إن موقفا عربيا ضاغطا كهذا يستوجب أن تتولى الدعوة إلى إعلانه الدولتان العربيتان الأكثر نفوذا و تأثيرا في المحيطين الإقليمي و الدولي ، والأكثر قدرة على مقارعة الكيان الصهيوني ؛ من حيث الدور و المكانة و الهيبة ، و يستوجب أيضا أن يتأسس على الأهداف الجامعة والرؤية العامة التي نزعم أنها تسود دوائر التخطيط وصنع القرار في الدول التي يفترض أن تحضر الاجتماع المقترح ، و يستوجب ثالثا أن تقدم كل دولة من الدول المدعوة إليه ما لديها من أوراق للضغط بغير انتقاص ؛ لصالح الموقف الجماعي العربي الضاغط المستهدف ؛ من حيث إن الضغوط الفردية المنفردة تحدّ عادة من قدرة الدولة على توظيف ما لديها من أوراق ؛ في حين أن المظلة الجماعية تمكن من ذلك ، وتعظم من تأثير هذه الأوراق ؛ خصوصا عندما تستند إلى الإنجازات الديبلوماسية التي تحدثنا عنها ، وتتضافر معها ، وتمتزج بها . ثم إن من المتعين ألا يكون الموقف الذي ندعو إلى اتخاذه موقفا مهادنا للكيان الفاجر ؛ يطيّب خواطره ، أو يسعى إلى استرضائه ؛ حتى يتوقف عن عدوانه الغاشم ؛ وأن يكون جامعا بين الضغوط المباشرة و غير المباشرة على الكيان و مشغليه في آن ؛ متنوعا في أدواته ؛ وازنًا بين الحوافز و الجزاءات ؛ من خلاله يفهم هذا الكيان المصنوع أنه لا يحكم إقليمنا ، ولن يحكمه في يوم من الأيام ، ولن يحدد مساره ، و لن يرسم مستقبله و مصيره ، ولن يتمكن من مصادرة حقوق شعبنا ؛ وإن بلغ من العمر عتيّا ؛  فأقطارنا العربية الشامخة صاحبة التاريخ المديد ليست حديقة خلفية لهذا الكيان المحكوم عليه بالزوال ؛ يمرح ويشطح فيها ؛ يقتل ويعربد ، ويملي إرادته كيفما يشاء !! 

يتبجح فارس الظلام قاتل الأطفال و النساء ؛ متقولا على القادة العرب ؛ مدعيا أن ما يقال في الغرف المغلقة يخالف ما يقال في العلن ؛ يتمادى في أكاذيبه بابتسامة ساخرة متهكمة على وجه مصفرّ ؛ وهالَهُ السواد بفعل صفعات المقاومة و ضرباتها المباركة ! وحتى يسقط هذا المذعور الكاذب سقوطه الأبدي ؛ فإنه يحتاج إلى صفعة مدوّية أخيرة بأيدي " كرامٍ برَرَة "!
-----------------------------------
بقلم– عبدالمجيد إبراهيم 
[email protected] 

 

مقالات اخرى للكاتب

عاجل ثالث إلى سيادة الرئيس | عندما يفور التَّنُّور! .. طوفان الأقصى و التقصير العربي




اعلان