24 - 02 - 2024

مؤشرات | ومات "الثعلب".. كيسنجر

مؤشرات | ومات

رحل عن الدنيا الدبلوماسي اليهودي الأمريكي ذو الأصول الألمانية عن عمر 100 عام، ظل أكثر من 70 سنة منها محط الإهتمام ليس في أمريكا فقط، بل في كل بلدان العالم.

حرص كيسنجر طيلة حياته على أن تكون أعماله ونشاطاته لصالح بلاده أولا وأخيرا، وفيما يخص الشرق الأوسط، سعى أن يثبت قواعد إسرائيل في المنطقة، ويفتح لها مجالا للعيش بين الدول العربية، لتصبح يد واشنطن القوية بين أعدائها، من خلال إتفاقيات سلام، أو من خلال سياسات التطبيع.

ورغم حصول كيسنجر على جائزة نوبل للسلام عام 1973، مناصفة مع رئيس وفد المفاوضات الفيتنامي "لو دوك ثو" عن دوره في إنهاء حرب فيتنام، وخروج القوات الأمريكية الخاسرة في تلك الحرب، إلا أنه خاض العديد من القضايا الدبلوماسية التي تسببت في كوارث في مناطق مختلفة في العالم، ومن هنا تم إطلاق لقب "الثعلب" عليه.

لا يمكن إنكار أن كيسنجر أحد ألمع السياسيين الأمريكيين، ومهندس السياسة الخارجية الأمريكية خصوصا في الستينيات والسبعينيات، وكسياسي "ماكر"، ورغم ذلك كان يقر بمكانة روسيا ويحذر من تجاهل مصالحها، حيث قال: "روسيا بلد عظيم وله تاريخ عظيم، من الصعب بالنسبة لي أن أتخيل نظاما دوليا لا تكون فيه روسيا من بين اللاعبين الرئيسيين"، وهو ذاته الذي قال "لا يمكن استبعاد الصين من النظام العالمي".

ومن هناك كان له دور في إذابة الكثير من جليد الدبلوماسية مع "الإتحاد السوفيتي" سابقا، وكذلك مع الصين، وظل مهندس العلاقات مع هاتين القوتين، لسنوات طويلة، وإن تظل الأمور تحت طاحونة المتغيرات.

وفي مقابل شهرته في اتفاقيات سلام، وإنهاء حروب وصراعات، إلا أنه أشعل بعضها وتم إتهامه في حرب إبادات عديدة، ظلت وستظل تلتصق بتاريخه، وخصوصا اتهامه بتدبير انقلابات في تشيلي عام 1973 وفي قبرص عام 1974 وفي قصف كمبوديا في عام 1969 وغزو أراضيها في عام 1970، والتورط في أحداث دولية دامية أخرى.

ولا شك أن مصالح بلاده (أمريكا) هي هاجسه الأكبر في كل خطواته، والتي عبر عنها في كلمات مختصر، بقوله "أن تكون عدوا للولايات المتحدة أمر خطير، لكن كونك صديقا فذلك أمر مميت".

وهو ما يعني أن العلاقات مع أمريكا هو خط الحماية، فالتبعية لواشنطن هي أفضل الحلول، سواء كنت قويا أو ضعيفا، منتصر أو مهزوما، وتلك هي ذات السياسات التي أخذت منها الولايات المتحدة دستورا لحكم العالم، حتى الآن، بأن تكون هي "شرطي العالم ، على الأرض وفي الفضاء"، .. بالفعل فكر "الثعلب" ..إمكر لتفترس.

والكل يتذكر رحلات كيسنجر في المنطقة في أوائل سبعينيات القرن الماضي، بين واشنطن والقاهرة وتل أبيب، ليصبح نجما كبيرا في أعقاب حرب عام 1973 بين مصر وإسرائيل، ليكون رجل السلام الذي أفضت جهودة إلى توقيع معاهدة السلام المصرية والإسرائيلية، والتي فتحت لتل أبيب حتى الآن بابا لتحقيق الهدف الأمريكي الأكبر، أن تقود الشرق الأوسط لتتفرغ واشنطن لعدويها اللدودين في الصين وروسيا.

بل لم ينم لكيسنجر جفن حتى نجح في تحوّل مصر بشكل تام من التعاون الكامل مع "الإتحاد السوفيتي" سابقا، إلى الجانب الأميركي، وذلك باتصالاته الواسعة مع الرئيس الراحل، محمد أنور السادات.

لن ينسى العالم والتاريخ سلبيات وإيجابيات كيسنجر، فهو من استخدم بإفراط  قوة الولايات المتحدة وقدرتها على إحداث ما يعتبره توازنا، في كل سياساته، فيما هناك من اتهمه أيضا بالتجاوز عن حقوق الإنسان والمثالية في التعامل مع الأزمات، والذي اعتبره كثيرون المسؤول عن وقائع كارثية مثل قصف كمبوديا و قتل مئات الآلاف إبان حرب فيتنام، بل اعترف بوضوح بذلك بقوله "لقد قصفنا بالمسيرات وكل أنواع الأسلحة جميع التنظيمات التي نعارضها وتنتهج نظام حرب العصابات في كمبوديا"، بل زاد، على ذلك بدعم بلاده لأنظمة استبدادية مما أسفر عبر سنوات عن سقوط الآلاف من القتلى.

وهكذا مات "الثعلب"، بعدما أثار جدلًا في أخر تصريحاته، عن الأزمة الروسية الأوكرانية، ودعوته لضرورة منحها أراضي لروسيا من أجل وقف الحرب، إلا أنه وتحت ضغوط، وربما تحت عامل السن والشيخوخة، تم دفعه دفعًا للتراجع عن كل تلك الكلمات، دون أن ينفعه لقب الثعلب هذه المرة.
------------------------------
بقلم: محمود الحضري

مقالات اخرى للكاتب

مؤشرات | السخف الأمريكي في مجلس الأمن ودعم الإبادة




اعلان