13 - 04 - 2024

فؤاد المهندس كوميديان صُنِعَ على عين الدولة الناصرية

فؤاد المهندس كوميديان صُنِعَ على عين الدولة الناصرية

الإذاعة التلفزيون والمسارح المملوكة للدولة كرست لفؤاد المهندس كظاهرة ثقافية اجتماعية

تقترب ذكرى الاحتفال بمرور مائة عام على مولد الفنان فؤاد المهندس الذي يشكل حلقة مهمة من حلقات الفكاهة والكوميديا في تاريخ الإذاعة والمسرح والتلفزيون والسينما المصرية والعربية، وفي هذا الصدد يأتي كتاب «مهندس البهجة: فؤاد المهندس ولا وعي السينما» للدكتور وليد الخشاب أستاذ الدراسات العربية بجامعة يورك في كندا (دار المرايا: القاهرة) ليناقش ويحلل أسباب نجومية فؤاد المهندس وتربعه على عرش الكوميديا لأكثر من عشرين سنة بداية بصعوده في البرنامج الإذاعي «ساعة لقلبك» بعد حركة 1952 وصولًا إلى عام 1977م وبدء تغير خريطة الكوميديا في مصر وظهور جيل جديد من صناع البهجة.

رجل الدولة

حظي المهندس برعاية كبيرة من الدولة الناصرية التي أتاحت له العديد من الوسائط؛ ليبرز فيها سواء على خشبة المسرح أو الراديو أو على شاشتي السينما والتلفزيون ويتربع على عرش الكوميديا في مصر في مرحلة الستينيات والسبعينيات، واعتنت بأوقات عرض مسلسلاته وأفلامه لتتحول إلى طقس يتابعه الملايين في الوطن العربي، ففي وقت الإفطار في رمضان تقدم الإذاعة مسلسلاته الكوميدية التي تشاركه فيها زوجته شويكار مثل "شنبو في المصيدة" ـو"العتبة جزاز"، لتتحول بعد ذلك إلى أفلام جرى الترويج لها جيدًا من خلال الإذاعة المصرية، واستمرت هذه المكانة في الإذاعة  إلى عام 1977 حيث تمت إزاحته في هذه السنة بإلغاء مسلسله الإذاعي الرمضاني «سها هانم رقصت على السلالم» تأليف لينين الرملي، الحدث الذي كان له دلالة سياسية واضحة بأن منظومة الفكاهة التي تطورت في العهد الناصري قد انتهت، وأن دعم الدولة لشكل الفكاهة الناصري قد انقلب إلى التضحية بالفنانين بهدف إرضاء قوى اليمين المتطرف وإظهار النظام بصورة حامي الأخلاق وراعي القيم الإسلامية، وكان إلغاء المسلسل بحجة أنه لا يتناسب عنوانه مع حرمة الشهر الفضيل. غير أن الدعم المؤسسي لفؤاد المهندس لم يتوقف عند الإذاعة، فقد كرس له التلفزيون مكانة كبيرة، ليس اعتمادًا على الإنتاج المباشر له بل بإعادة عرض أعماله المسرحية والسينمائية على شاشة تلفزيون الدولة في أوقات مهمة مثل الإجازات والأعياد، بالإضافة إلى إعادة بث تسجيلات لمسرحيات وأفلام المهندس منذ بدء إرسال ماسبيرو 1960، تلك المؤسسة التي تعاونت مع المهندس منذ وقت مبكر وأنتجت له مجموعة من الاسكتشات مثل «الراجل ده هيجنني» الذي أصبح علامة من علامات بث التسلية الرمضانية السنوية في الإذاعة والتلفزيون، كما أنتج له التلفزيون في الثمانينيات مجموعة من المسلسلات مثل "عيون" 1980م ومسلسل "متاعب المهنة" ومع تقدمه في العمر حوله التلفزيون المصري إلى جد للعائلة المصرية من خلال فوازير للأطفال بعنوان "عمو فؤاد" التي استمرت لسنوات.

الطبقة الوسطى

يرى الدكتور وليد الخشاب أن مكانة المهندس وتعاظمها  كانت جزءًا من اهتمام دولة يوليو بإعادة هندسة المجتمع المصري في جميع الاتجاهات بما فيها الفكاهة، فقد منحته مساحة كبيرة في كافة وسائط إنتاج التسلية والثقافة التي كانت تدعمها أو تديرها الدولة، بالإضافة إلى إبراز نجوميته في الصحافة وتصدره لأغلفتها الفنية وصفحاتها الاجتماعية كموضوع للأخبار والتحقيقات والحوارات، فالإذاعة المصرية الرسمية ثم التلفزيون العربي والمسارح المملوكة للدولة والصحافة هي التي أنتجت فؤاد المهندس كظاهرة ثقافية اجتماعية، باعتبار أن المهندس في أعماله يجسد أيدلوجية الطبقة الوسطى في العهد الناصري ويرسخها في أذهان المشاهدين، طبقة وسطى عمادها أصحاب المهن الحرة والموظفين. حيث ساهمت هذه الأفلام في الترويج للدولة الناصرية وشكل طبقتها الوسطى، بوصف هذه الطبقة تجسد الحداثة وأنها مصدر المتعة وتمني المشاهدين بأمل الالتحاق بها للاستمتاع بما يتاح لها من مباهج وملذات من الدولة والنظام بشرط الانصياع والتعاون والانخراط مع هذا النظام، فقد قدمت أفلام المهندس الصورة التي تريد أن تقدمها الدولة الناصرية عن نفسها.

المهندس والنكسة

نتيجة لارتباط المهندس بأجهزة الدولة ورعايتها الكبيرة له عادة ما توجه إليه أصابع الاتهام في إفساد الذوق المصري ونشر الأفلام التافهة بعد نكسة 1967م للترفيه عن الناس وإلهائهم عن جرائم النظام الناصري، ويشير البعض أن هذا النشاط لم يكن عبثيًا وأن المهندس باعتباره كوميديان الدولة الناصرية المعتمد كان يمارس مخططًا واعيًا بكوميديات خفيفة، فبعد الهزيمة شهد المهندس نشاطًا محمومًا في مجال السينما، ففي سنة واحدة بعد النكسة قام ببطولة سبعة أفلام «مطاردة غرامية، عالم مضحك جدًا، مراتي مجنونة جدًا، المليونير المزيف، أرض النفاق، السكرتير الفني، شنبو في المصيدة» هذه التهمة التي ما زالت توجه إليه من اليسار المصري حتى اليوم، لكن من الإنصاف القول إنه بعد الحوادث والصدمات التي تتعرض لها الشعوب من حروب أو كوارث الطبيعية تزدهر الكوميديات الهزلية، فعلي سبيل المثال في مصر بعدالحربين العالميتين انتشرت المسرحيات الكوميدية الخليعة، مثلما فعل عزيز عيد الذي استغل ظروف الحرب العالمية الأولى وما تبعها من انهيار خلقي في تقديم ألوان من الفودفيلات المحشوة بصور جنسية فاضحة. وينتشر هذا النوع من الهزل كتفريغ للكبت النفسي الحادث بعد هذه الأزمات والهروب من قتامة الواقع رغبة في نسيانه.

اللاوعي

ويكشف الخشاب في كتابه أن كوميديا فؤاد المهندس بقدر ما يراها الناس بعدت عن الواقع واتجهت إلى كوميديا الفارس، إلا أنها جسدت ما يرقد في لاوعي المجتمع المصري في الفترة الناصرية وامتداداتها في عهد الرئيس السادات، حيث ركزت أفلام المهندس مع زوجته شويكار في هذه الحقبة على تيمتين أساسيتين الأولى تتعلق بانتشار أفلام قصص الجريمة التي اتخذت شكل أفلام الحركة الكوميدية وتعد هذه التيمة وفقًا لتحليل الخشاب تعبيرًا لاواعيًا عن شعور المجتمع في قرارة نفسه بانتشار الجريمة فيه بالمعنى المجازي، بمعنى أن المجتمع والنظام يقران بشكل لاواعٍ بأن الدولة البوليسية تبسط سيطرتها على كل شيء وبأن هناك جرائم ترتكب في حق الناس؛ ولأن هذا أمر يصعب الإقرار به بشكل صريح فإنه يظهر على هيئة انتشار للقصص البوليسية وأفلام الإثارة والتشويق والتحقيق.

والتيمة الثانية التي تحضر بقوة في أفلام الخمسينيات والستينيات والسبعينيات خاصة في أفلام فؤاد المهندس وهي الغياب أو موت أو قتل الأب كمعادل لموت الزعيم/ الأب/ عبدالناصر بشكل رمزي، وكثيرًا ما يكون هذا الأب الغائب - ولو بمعنى أنه ضعيف الشخصية - هو أبو البطلة شويكار ويظهر فؤاد المهندس في هيئة الأب البديل كزوج أو حبيب، وفي هذا تعبير رمزي لاواعي عن تصور المجتمع للحياة دون طغيان الأبوبة أو للحياة بعدما اهتزت صورة الأب في المجتمع والسياسة، وذلك مع زيادة تعليم الفتيات ودخولهن سوق العمل، والوفاة الرمزية لعبدالناصر بعد نكسة 1967، فقد عبرت هذه الأفلام عن أزمة المجتمع الذي يعيش ارتباكًا وذعرًا بعد هذه الهزيمة القاسية التي أفقدته الثقة في الأب السياسي وأشعرته بأنه يعيش حالة يتيم حتى قبل وفاة عبدالناصر نفسه. 

الزلات السينمائية

 أفصحت أفلام المهندس بعد النكسة بشكل غير مقصود طبقًا لرؤية الخشاب عن لاوعي الناصرية أو اللاوعي الجماعي للناس في مرحلة الناصرية عبر ما يطلق عليه اسم "زلات اللسان السينمائية" التي تعبر عن رغبات المجتمع الدفينة، فالأفلام التي جسدها المهندس مع شويكار في الثلاث السنوات الأخيرة من حياة عبدالناصر (1967: 1970) أخطر رجل في العالم، شنبو في المصيدة، العتبة جزاز، سفاح النساء، أنت اللي قتلت بابايا، كانت تركز على تيمة القاتل والمجرم ولم يكن باعثها مجرد الهروب من صدمة يونيو كما يرى نقاد اليسار المصري؛ لكن طغيان هذا النوع البوليسي في التسلية في الستينيات وأوائل السبعينات كان معادلًا موضوعيًا لأمرين أولًا طغيان الوجود البوليسي في الواقع العام، وثانيًا قوة الإحساس بوجود جريمة في حق المجتمع دون أن يكون واضحًا من هو القاتل وأين هو جسم الجريمة، فالأفلام التي من المفترض أن تلهي الناس عن جرائم النظام في حق المجتمع هي نفسها التي ينطق لاوعيها بإشارات قوية لوجود جرائم وطغيان الدولة الأمنية على الحياة العامة وكبتها للحريات.

 يحلل كتاب "مهندس البهجة" العديد من القضايا الأخرى المثارة حول فؤاد المهندس مثل تفنيده للعلاقة بين نجيب الريحاني وفؤاد المهندس باعتبار أن الأخير امتداد للأول راصدًا تطور أداء المهندس الكوميدي عبر مراحله الفنية وأنه كان أقرب إلى روح تشارلي تشابلن منه إلى الريحاني، ويكشف الكتاب أيضًا عن ظاهرة الاقتباس الكوميدي في أفلام المهندس التي جاءت أغلبها من السينما الإنجليزية والأمريكية عكس الفترات السابقة عليه التي كان يكثر في الاقتباس من الثقافة الفرانكفونية وهو ما يعد مفارقة بين محاولته صناعة كوميديا مصرية وطنية ترفض الاستعمار باعثة على التحرر إلا أنها اقتبست موضوعاتها من هذه الدولة الاستعمارية. 

ويناقش وليد الخشاب فكرة الازدواج والقرين في أعمال فؤاد المهندس وإن كانت هذه الظاهرة موجودة في السينما والمسرح المصري منذ بدايته وليست بالجديدة، ومن الأشياء اللافتة للانتباه في هذا الكتاب هو إغفال مؤلفه لدور كل من علي الكسار وإسماعيل ياسين في الكوميديا المصرية وقصره للنجومية في هذا المجال على الريحاني والمهندس وعادل إمام.
-----------------------
د. عبدالكريم الحجراوي
من المشهد الأسبوعية






اعلان