15 - 07 - 2024

غلاء الكتب الخارجية .. نتيجة طبيعية لأزمة الدولار أم سوء إدارة لمنظومة التعليم؟

 غلاء الكتب الخارجية .. نتيجة طبيعية لأزمة الدولار أم سوء إدارة لمنظومة التعليم؟

تبديد مليارات الجنيهات في طباعة كتب مدرسية لايلتفت لها أحد
مفاجأة: حتى المدرسين يعتمدون عليها بسبب التعقيد المبالغ فيه لكتب المدرسة!
- أولياء الأمور: نوفر من طعامنا وشرابنا ونقترض لشرائها.."هانجيب منين" 
- د. عادل عامر: لماذا توقفت شركتان محليتان عن الانتاج ووقعنا في فخ الاستيراد؟
- إيهاب منصور: غياب الرقابة وسوء إدارة المنظومة وحرمان التعليم من مخصصاتها الدستورية
- بركات صفا : وضع ضوابط لتسعير الكتاب الخارجى بسعر مناسب وتخليص المناهج من الحشو
- وائل النحاس: مدارس خاوية لا يوجد فيها تعليم ولا مدرسين .. لاعلاقة الطالب بها إلا فى فترة الامتحانات

مع اقتراب العام الدراسي الجديد أعلنت المكتبات عن أسعار الكتب الخارجية لمختلف المراحل التعليمية، يغلب ارتفاع الأسعار عليها هذا العام مقارنة بالأعوام الماضية، خاصة كتب الرياضيات والعلوم، فأسعار الكتب الخارجية لطلاب الصف الأول الابتدائي حتى الصف الثالث تتراوح بين 95 و 130جنيها  للكتاب الواحد كما تتراوح أسعار كتب الصف الرابع والخامس والسادس الابتدائي والمرحلة الإعدادية بين 120 و 150 جنيهًا ، والمرحلة الثانوية بين 130 و220 جنيهًا للكتاب.  

تقول آية محمد، 25 سنة عاملة في أحد المكتبات، أن الكتب الخارجية زادت هذا العام ورغم ذلك لم يقل الاقبال علي شراء الكتب وذلك لأن الناس مضطرون مشيرة إلى زيادة أسعار جميع الأدوات المدرسية فهناك أدوات زادت حوالي الضعف.

ويؤكد أحد أصحاب المكتبات أن الكتب الخارجية زادت عن العام الماضي حوالي 40% لكل المراحل ولم تعد في متناول الاباء الذين بدأوا البحث عن الكتب المستعملة باعتبارها أقل تكلفة وتتناسب مع ظروفهم المادية، ومن الصعب تحديد نسبة الإقبال علي شراء الكتب الآن لأنها تظهر بوضوح أكثر بعد أول أسبوع في الدراسة، فهذه الفترة هي أكثر فترة تباع فيها الكتب الخارجية .

يواجه كثير من الأباء وأولياء الأمور صعوبة في توفيرالمبالغ المطلوبة لشراء الكتب الخارجية لأبنائهم الطلاب بالمراحل المختلفة، تقول دينا يحيى أنه بالرغم من زيادة أسعار الكتب لن تستطيع الاستغناء عنها، لأن الكتب المدرسية لا تستطيع المذاكرة منها لإبنتها لأنها معقدة ولا يفهمها غير المعلمين المدربين عليها، فكيف لولي أمر عادي أن يتابع أولاده باستخدامها ، لذلك فإن توافر الكتب الخارجية مهم جداً لمتابعة أولادها في التعليم ولكنها تحاول مواجهة هذا الغلاء بأن تشتري لهم كتبا قديمة أو تأخذها من زملاء لهم سبقوهم في الدراسة، لأنها لم تعد تستطيع شراء كتب جديدة لأولادها الثلاثة في كل المواد . 

وتضيف أمل حسن، إن الكتب الخارجية مجرد أداة لمساعدة الطالب علي المذاكرة وحل الامتحانات، وجودها أفضل ويسهل العملية التعليمية لولي الأمر والطالب، ولكن ليس ضروريا، فالأساس هوشرح المعلم وتركيز الطالب وفهمه ودرجة اجتهاده.

 بينما أكد أحمد سعيد موظف، أنه ليس المسؤول عن مذاكرة أولاده ولكن عن توفير كل ما يحتاجونه للمذاكرة من كتب خارجية أو أدوات مدرسية فكل ما يريده هو أن يجعلهم أفضل منه ويضمن لهم مستقبلا أفضل وحالا ميسورا حتي لو اضطر للاقتراض او تقليل مصاريف الأكل والشرب، فالتعليم أهم من كل ذلك.

أكرم حمد أحد مديرى المدارس يؤكد أن الكتب الخارجية أصبحت بديلا للكتاب المدرسى، ويعتمد عليها بشكل أساسى فى الدروس الخصوصية وبها امتحانات وتدريبات تساعد الطلاب على المذاكرة، حتى المدرسين يعتمدون عليها ولاغنى لهم عنها، ففيها تكرار أكثر للمعلومة والتدريب من أكثر من زاوية، ولكن الاشكالية في ارتفاع الأسعار وهذا له مبرره من ارتفاع سعر الدولار والأوراق المستوردة، فالغلاء طال كل السلع ومستلزمات الكتاب مثل أى سلعة تأثرت بالارتفاع على جميع الأصعدة، ولكن فكرة وجود كتاب خارجى توفر عنصر استفادة وهى موجودة منذ زمن بعيد وليست بجديدة.

من جانبه يقول الدكتور عادل عامر الخبير الاقتصادى ورئيس المركز المصرى للدراسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية  أن الكتب الخارجية تعتمد على أمرين مهمين جداً فى إصدارها وتكوينها عموماً وهما الورق والأحبار فمعروف أن مصر تستورد 75 % من حجم استهلاكها من الورق سنوياً من الخارج والذى يعتمد أساساً على الدولار الذى ارتفع ارتفاعاً كبيراً هذا العام مما أدى إلى ارتفاع تكلفة الكتاب وبالتالى زادت قيمة الكتاب للمستهلك، والأمر الثانى الأحبار وهى عموماً بأكملها يتم استيرادها بنسبة 100% من الخارج وتعتمد فى تمويلها أيضاً على الدولار فكانت مؤثرة على تكلفة الكتاب، لأن العنصرين الأساسيين فى الكتاب يتم استيرادهما من الخارج.

ويشير عامر إلى أنه كانت توجد لدينا فى الستينات والسبيعينات شركتين تابعتين للقطاع العام تنتج الأحبار والورق ومستلزمات طباعة الكتب وغيرها من وسائل الطباعة والدعاية والإعلان، وهاتين الشركتين توقفتا عن الإنتاج وأصبحتاا تحت التصفية مما أدى إلى عدم وجود شركات تنتج وتعتمد على المنتج المحلى، خاصة وأن مصر يوجد بها العناصر الرئيسية لصناعة الورق التى تعتمد على قش الأرز ومخلفات قصب السكر، فيجب أن تعود الدولة مرة أخرى إلى صناعة الورق وأحبار الطباعة كما كانت  فى الستينات والسبعينات.

 ويرى د. عادل عامر أن المبادرات المجتمعية مجرد فكرة وليس لها فائدة فى مواجهة تلك الأزمة فكيف يتم تخفيف الأعباء عن المواطنين ونحن شعب مستهلك ويعتمد فى استهلاكه على 75% من حجم استهلاكه الكلى السنوى على الاستيراد، ويوجد بعض الحلول ولكنها مؤقته لا تؤدى إلى سرعة تخفيف العبء عن كاهل المواطنين.

أسعار الورق وغياب المدارس

فى نفس السياق يؤكد الدكتور وائل النحاس المستشار الاقتصادى وخبير أسواق المال أن السبب فى أزمة ارتفاع الكتب الخارجية هو ارتفاع أسعارالورق فاستيراد الورق أصبحت تكلفته عالية جداً بخلاف كل المكونات من الأحبار وكل مستلزمات الطباعة التى ارتفعت وهذه هى المقومات الأساسية للكتاب متسائلاً: أين كتاب الوزارة ؟! ولماذا أصبحنا نعتمد على الكتاب الخارجى بشكل أساسي، وما الذى قامت به الدولة لمجابهة هذا الأمر، ولكن المشكلة هى بالأساس فى إدارة المنظومة نفسها فالطالب أصبح حالياً يتجه للكتاب الخارجى والدروس الخارجية وأصبحت المدارس خاوية ولا يوجد فيها تعليم ولا مدرسين، وأصبحت علاقة الطالب بالمدرسة مجرد تواجد الطلاب فى فترة الامتحانات فقط، فلا بد من إعادة إدارة هذه المنظومة مرة أخرى لأن كل ذلك يؤدى إلى ضياع الهوية التعليمية للطالب المصرى، فبالتالى المنتج يكون خطيرا جداً، كما أن التلاعب بالأسعار من مستوردي الورق وليس البائعين وكل مكونات صناعة الكتاب حصل بها ارتفاع بخلاف أزمة الدولار كلها عوامل أدت فى النهاية إلى ارتفاعات قياسية. 

وعن الحلول لمواجهة هذه الأزمة لابد من الرجوع إلى المدرسة أولاً فوزارة التعليم من الوزارات التى تعد خارج نظام الخدمة، متسائلاً أين الكتاب المدرسى البديل والمدرسة التى تحتوى الطلاب؟ وأين المعلم الذى يسير تلك المنظومة وكل هذه الأدوات غير متوافرة؟ فمن أين يأتى الحل؟ فليس هناك مجال لوجود حلول فلماذا الانتظارفى مواجهة تلك الأزمات والتعامل معها بشكل جيد، وللأسف تهدر وزارة التعليم كل عام مليارات للصرف على التابلت بدون أى نتيجة، فالتطوير فى التعليم يأتى من الناحية العلمية وليس من الناحية الثقافية كما أن ارتفاع الدولار له تأثير فى كل شئ والكتاب ليس مجرد ورق فقط فهو أحبار وطباعة ونقل كل هذا مرتبط بسعر الكتاب بخلاف الفائدة البنكية للتمويل والحسابات كل هذا ترجمته أدى إلى ارتفاع سعر الكتاب الخارجى فالوزارة بها اخفاقات تلوى الأخرى وما حدث من تسريب امتحانات الثانوية العامة وحالة الغش والنتائج الغير متوقعة كلها عوامل تؤدى إلى انهيار المنظومة.

وللخروج من الأزمة فى الوقت الحالى هناك ضرورة لتخفيف الضغط على كل ماهو مطبوع بوسائل إليكترونية أخرى وأن يكون بديل الكتاب المطبوع الفلاشة أو المواقع الالكترونية.

فى سياق متصل أوضح المهندس إيهاب منصور عضو مجلس النواب رئيس الهيئة البرلمانية للحزب المصرى الديمقراطى الاجتماعى ووكيل لجنة القوى العاملة بمجلس النواب، أن ارتفاع أسعار الكتب الخارجية يأتي نتيجة سلسلة أخطاء لوزارة التربية والتعليم بمعنى، أن التعليم أساساً لا يأخذ حقه الدستوري فالمفروض أن التعليم والصحة والتعليم العالى والبحث العلمى لها نسب دستورية بواقع 4% تعليم 3% صحة 2% تعليم عالى و1% للبحث العلمى بإجمالى 10% ، لكن هذه النسب غير محققة والأرقام التى تضعها الحكومة سنوياً فى الموازنات غير صحيحة. ثانياً: توجد أزمة معلمين حيث أن هناك عجز بنحو 330 ألف معلم وهذا باعتراف الوزارة فى العام الماضي، واقترحنا عليهم تعيين هؤلاء فى سنة حتى يتم سد هذا العجز، فالقضية ليست قضية 15 أو 20 مليار جنيه لأن هؤلاء تأثيرهم الإيجابى سوف يكون أكبر من ذلك، لأن سد العجز يساعد فى استرجاع احترام الطلبة للمدارس، وثالثاُ: إدارة العملية التعليمية نفسها فيها اشكالية كبيرة جدا ، فهي تتم بشكل نظرى فى كثير من الأحيان ولا يتم تنفيذ المطلوب بصورة صحيحة ونتيجة لذلك حدث انعدام ثقة بين أولياء الأمور والمنظومة  بالكامل، مما جعلهم يهربون من المدارس والكتب المدرسية ويلجأون إلى الكتب الخارجية والدروس الخصوصية، ورابعاً: الكتب الخارجية أصبح عليها إقبال كبير وضغط شديد فبالتالى نتج عن ذلك ارتفاع للأسعار وأتساءل أين المسئولون وأين دور الوزارة من هذا ؟! .

 مستلزمات الإنتاج

يوضح  بركات صفا عضو شعبة الأدوات المكتبية بالغرفة التجارية أن ارتفاع أسعار الكتب الخارجية سببه ارتفاع الدولار الذي رفع سعر الورق من 15ألف جنيه إلى 40 ألف جنيه للطن بالنسبة للمستورد ، ومحليا توجد شركتان لإنتاج الورق فى مصر هما " قنا وإدكو" وتتراوح الأسعار فيهما بين  35 و37 ألف جنيه للطن والورق عامل أساسى لصناعة الكتب المدرسية والكتب الخارجية، فالمواطن شعر بالارتفاع المبالغ فيه مرة واحدة لأن آخر مرة اشترى فيها كتبا خارجية كانت قبل عام. بالإضافة إلى أن مستلزمات الإنتاج غالية وعملية الاستيراد تواجه مشاكل من عدم توافر العملة فى البنوك فالأدوات المدرسية تعتبر من السلع غير الأساسية، كما أن تكلفة دخول البضائع عالية جدا وتكلفة الموانئ ارتفعت أيضاً وكل هذا يتحمله فى النهاية المستهلك ، ولكن هناك دور أخر يغيب عن الأسواق وهو دور الرقابة المتمثلة فى وزارة التربية والتعليم وأيضاً الرقابة التموينية فالكتاب المدرسى له سعر محدد ويباع به بدون تغيير.

فأين دور وزارة التربية والتعليم من هذه الأزمة داخل المدارس؟ الكتاب المدرسى ليس فقط هو غالى الثمن ولكن البوكليت أيضا الموجود فى المدارس الخاصة ويتراوح ثمنه من 2000 إلى 10 ألاف جنيه ويصل 15 ألف جنيه فى بعض الأحيان وهذه يمثل عبئا كبيرا على المواطنين، والكتاب المدرسي تصرف عليه مليارات ولكن دون فائدة.

يضيف بركات صفا: لمواجهة المشكلة لابد من توافر دور رقابى على جهة النشر وأن تتدخل الدولة والجهات المعنية فى وضع ضوابط لتسعيرة الكتاب الخارجى بسعر مناسب وحل هذه الأزمة إلى جانب أن تراجع  الوزارة المناهج التعليمية وتعمل على تخفيفها لأن الكتب المدرسية بها حشو كبير وكلها تترك بعد انتهاء فترة الدراسة.
----------------------------------
تحقيق : حنان موسى  
من المشهد الأسبوعية