15 - 07 - 2024

إحنا مش ضد اليهود!

إحنا مش ضد اليهود!

إن كان الخلاف الإسلامي اليهودي عميقا؛ فالخلاف المسيحي اليهودي أعمق؛ فالديانة اليهودية (كأي ديانة) ترى نفسها الأصوب، وهذه هي طبائع الأمور، وبالتالي فالصراع اليهودي الإسلامي مثلا متوقع ومفهوم، ويبقى المسجد الأقصى حجر الزاوية في هذا الصراع.

ولكن الصراع اليهودي المسيحي يأخذ شكلا مختلفا تماما فاليهود ينتظرون المسيح (المسيا) في مجيئه الأول، والمسيحيون ينتظرون المسيح (المسيا) في مجيئه الثاني، وما بين هذا وذاك اتهام مسيحي لليهود لقيامهم بصلب المسيح المخلص، والذي كان يعيش بينهم في ناصرة الجليل.

وهنا مربط الفرس تخيل رسولك أو نبيك تعذب على يد أنصار معتقد آخر! فما بالك بالمسيح، في ضوء المعتقد المسيحي، ولا أنكر عليك عزيزي القارئ صعوبة الفكرة سواء في الطرح أو التلقي أو التفسير.

يمتليء المطبخ السياسي بالعديد من الأسرار والأحاديث منها ما دون في المذكرات والكتب، ومنها ما يعامل معاملة المرويات؛ فقيل والعهدة على الراوي إنه أثناء لقاء الرئيس الراحل محمد أنور السادات بمناحيم بيجن؛ وقت جلسات الصلح والتفاوض بعد حرب أكتوبر المجيدة، والتي كسرنا  خلالها غطرسة هذا العدو؛ أن بيجن سأل السادات - فيما معناه - (لما تحب تعمل مسجد بتعمل إيه؟ رد السادات، وقاله على أي أرض نبني مسجدا؛ فكرر بيجن السؤال، ولو عاوز تبني كنيسة بتعمل إيه؟ فكرر السادات الرد وقال له هي هي؛ فرد عليه بيجين، ولكن نحن ليس لدينا إلا حائط مبكى واحد! وقتها فهم السادات بخبرته وحنكته السياسية ان الطريق مسدود).

رغم أن اليهود عاشوا بيننا سنوات طويلة كانت مصر بالنسبة لهم الواحة التي تستقبلهم، ويكفينا شرفا وفخرا رغم وجود (جيتو) إلا أننا تعاملنا معهم كأهل بلد وأصحاب أرض، ولا أدل على ذلك من المعابد اليهودية المنتشرة في العديد من المحافظات؛ لكنهم مع أول فرصة سنحت لهم تمردوا، واتسع الخلاف بعد حرب ٤٨ ورحل من رحل، وبقى من بقى، ولو تسألني ماذا لو عاد بك الزمن؟  كنت سأنصح القيادة السياسية بطمأنة كل الأجانب بمن فيهم اليهود، والإبقاء عليهم؛ فمن سيبقى فهو مصري، ومن سيرحل؛ فهو غريب، ولن اقول عدوا ؛ رغم أنهم بعد الرحيل بدأوا بالعداوة.

لا انكر أن تعاملنا معهم كان به خشونة، ولكن الظرف السياسي وقتها كان حساسا جدا.

فالدولة كانت محتلة وتريد التحرر، والقيادة العسكرية وقتها كانت شابة، نشيطة، متحمسة، مخلصة، وطنية، ولكن ينقصها الحنكة السياسية.

رحل اليهود وأشعلوا المنطقة بشتى أنواع الحروب والانتهاكات والتجاوزات؛ فكانوا أعداء السلام والإنسانية ، للدرجة التي جعلت قوة مصر الناعمة تقف على مسافة كبيرة جدا منهم؛ فلا يمر مؤتمر لأدباء مصر؛ إلا بتوصية بعدم التطبيع.

ورغم مرارة وصعوبة الظرف الحالي؛ ورغم انتهاكاتهم؛ إلا أننا كعادتنا نسبق الجميع؛ فافتتاح معبد جديد خير دليل، وله تبعات ودلالات سواء من المنظور السياسي أو الديني أو المجتمعي، ولكن هل يفعل اليهود مثلنا؟

وهنا مربط الفرس، والإجابة بسيطة جدا شاهدناها، ونشاهدها يوميا سواء بانتهاك حرمات المصلين في المسجد الأقصى أو في تكسير كنيسة القيامة أو في قتل وترويع الفلسطينيين أصحاب الأرض والبلد الأصليين.

نعم هذه هي الحقيقة؛ فالفلسطينيون أصحاب الأرض تاريخيا وجغرافيا، وان كان لليهود أي حق يدعونه فليأخذوه بالتفاوض والسلام، وليس بالتهجير، والعنف والتوسع، وهو الركيزة الأساسية عندهم.

افتتحنا معبدا لليهود في الوقت الذي نهدم فيه آثارنا وتاريخنا وكأننا نعاند أنفسنا.

افتتاح معبد لليهود ليس بغريب على دولة ثقافية سياحية بأهمية مصر؛ فنحن كما يقول الشاعر الكبير جمال بخيت:

إحنا مش ضد اليهود

موسي ف القرآن .. وليد

يحضنه نيل الخلود

بين إيديه تسعي عصاته

حية ..

وجدودنا شهود

سحرة .. آمنوا برب موسي

انقسم له بحر عاتي

والجبل عرف السجود

رجعت الحية عصايا

حضنت التوراة .. وصايا

اوعي تقتل ..

اوعي تسرق

اوعي تزني

اوعي تقبل بالخضوع

بحر خير الكون يواتي

لما تفرد له القلوع

والجحيم ياكل سنينكو

لو فقير فيكم يجوع

الوصايا هية .. هية

أرتضيها زي ما هي

في ضميري .. وفوق شفاهي

دين أبويا

دين إلهي

أينما كان اتجاهي.

اليهود كانوا جزء من تاريخ مصر الحديث، وهذا شيء ليس عليه خلاف. لهم آثار عندنا .. نعم لهم آثار عندنا، ودورنا الحفاظ عليها وكذلك دورهم .. ولكنهم لا يفعلون ذلك.

وأما عن آثارنا، والتي تهدم؛ فأنا لا ادري ما دور وزارة الثقافة والآثار والسياحة. ولا تقل لي هذه قبور قديمة ، لاني سأقول لك (مش عارف تستفيد منها فدي مشكلتك).
----------------------------
بقلم: مينا ناصف


مقالات اخرى للكاتب

نحن أمام