24 - 06 - 2024

الشيخ عيد عياد .. يايحيي خُذ الكتاب بقوة !

الشيخ عيد عياد .. يايحيي خُذ الكتاب بقوة !

أوردَ المتنبي في ديوانه :

لَوْلا المَشَقّةُ سَادَ النّاسُ كُلُّهُمُ / الجُــودُ يُفْقِرُ وَالإقدامُ قَتّـــالُ .. والمعني أنه لولا مشقة الوصولِ للسيادة لصار الناسُ كلهم سادة، ولكن علي قَدرِ الهمم يتفاوتُ الناس .

وإسقاطا علي حالي، ومشروعي الطامح إلي سرد بعضٍ من مناقب رموز القرية، أؤكد أنني أنشدُ تسطيرَ مناقبِ الكل .. من عاصرتُ ومن لم أُعاصر، ومن عَرَفتُ ومن لم أعرف ولكنَّ ذلك مستحيل، وتكفيني النيةُ، وليعذُرني من أغفلته عن غير قصد .

وجهٌ مُستطيل، ناتيء الوجنتين، وقوامٌ فارع أقرب إلي النحافة، تزيده طولا طاقيةٌ من الصوف مستقيمة في شموخ، لا يُخفف من غلوائه سوي حفاوته بمن يلقاه، ودفء مشاعره، التي تُصاحبها الأحضانُ والقُبلات .

الشيخ عيد عياد، فقي من العيار الثقيل، وقارئ سورة بالمآتم تَشنفُ له الآذان، وقارئٌ  علي المقابر، تهرع إليه الثكلي للترحم علي الموتي، خفيف الظل، يرفض أن يُجازي جزاء سينمار، يصول ويجول بين دفتي المصحف، يتلو آيات الرحمة، كلما كان العطاء سخيا غير مُنشغل بالوقت، فتنزل آياتُ الذكر علي قلب أهل المتوفي بردا وسلاما، وبسكينةِ قلوبهم يظنون أن نفسَ المُتوفَي تسكُنُ بالتبعية، ولكنْ العلمُ عند الله .

أما إذا كانتْ الرحمةُ علي الميت مجرد (قُرص، ومنين) أوجزَ واختصر، ورغما عن هذا فهو رجلٌ خفيفُ الظل، بصوته بحةٌ تطرب لها نفسُ المستمع، ويحرص علي التكلم بالفصحي قدر جهده، فيصيب أحيانا، ويخطيء أحايين، يستعذبُ الناسُ حديثه المُطعَم بالدعاء للمُخاطَب، ولأبيه وأمه إن كانا حيين أو في دنيا العدم، ولا مانعَ من أن يدعو للجنين في بطن أمه طالما أن ذلك سيسعد المدعو له .

في حفلاته القرآنية، تراه قارئا مُتقِنا، عالما بالأحكام، التي يظن المُستمِعُ إليه أنه تلقاها عن شيخ، ولكنه في الحقيقة اكتسبها من خلال الممارسة وكثرة القراءة والاستماع .

مُؤذنٌ حسنُ الصوت، يخرجُ صوتُه مصحوبا بالتنغيم مع طول النفس .

من طرائفه .. أنه اعتاد في كل مأتم أن يقرأ من سورة مريم، ويُعيد ويُكرر قولَ ربنا : ( يايحيي خذ الكتاب بقوة، وأتيناه الحكم صبيا)، وبمجرد أن ينتقل للآية التالية، يرجع ليحيي من جديد، فعلَ ذلك مرة في وجود الحاج السيد أبو الحلبة أحد ظرفاء القرية، الذي كان ينتظرُ تصديقه بفارغ الصبر ، فانتفض صارخا : حرام عليك تعبتْ قَلب يحيي وقلبنا !

الشيخ عيد عياد واحدٌ من عائلة ورثتْ قراءة السورة في المآتم والمقابر والفقي كابرًا عن كابر  .. نموذج في الكفاح، والنحت في الصخر للحصول علي لُقمة العيش له ولأولاده .. طِيبةٌ ولينُ جانب، واحترام للكبير، وإكبارٌ للصغير، وإذعانٌ لرأي الجماعة دون أن تأخذه العزةُ بالإثم، أو ينتصر لرأيه .. حفظَ الله الرجل وبارك في ذريته .
-------------------------
بقلم: صبري الموجي


مقالات اخرى للكاتب

حَجُ البيت .. ويُسر الإسلام !





اعلان