27 - 11 - 2022

وجهة نظري | إدانة إسرائيل "المهمة المستحيلة"

وجهة نظري | إدانة إسرائيل

هي ليست المرة الأولى ، ومن المؤكد أنها لن تكون الأخيرة ، التي يسعى فيها الكيان الصهيوني للحيلولة دون الإدانة الصريحة لجرائمه وكشف وجهه العنصرى الإستيطانى القبيح .

لم تمرر إسرائيل كعادتها محاولة إحدى شركات المثلجات "بن آند جيريز" التي قرر مجلس إدارتها العام الماضى وقف بيع منتجاتها في المستوطنات الإسرائيلية بقناعة أن ذلك "يناقض قيمنا" كما وصفته الشركة. ورأت أيضا أن المهمة الاجتماعية والإنسانية تتعرض للتقويض إذا ما استمرت في طرح منتجاتها في المستوطنات.

موقف الشركة الذى يتفق تماما مع القانون الدولى وقرار المحكمة الدولية باعتبار المستوطنات غير شرعية وهو ما أقره أيضا المجتمع الدولي ، إلا أنه بالطبع لم يسلم من مواجهة معارضة قوية ليس من إسرائيل فقط حيث وصفه ساستها بأنه استسلام مشين لمعاداة السامية ولحركة "دى بى إس" التي تدعو لمقاطعة إسرائيل ، لكن المعارضة الأقوى والأخطر جاءت من قبل الشركة الأم "يونيليفر" والمالكة لشركة "بن آند جيريز" والتي أسرعت للتنصل منها ، وصرحت بأنها ستبيع مصالح الشركة التجارية لوكيل محلى "إيفى زينجر" ليتولى مهمة بيع منتجات الشركة بعد كتابة أسمائها بالعبرية والعربية وليست بالإنجليزية.

ورغم معارضة مجلس إدارة بن آند جريز لقرار الشركة الأم ورغم استخدام صلاحيته كمجلس مستقل كما نص عقد البيع ، إلا أن الأمر لم يتغير كثيرا واستمر الوكيل المحلي "زينجر" في بيع منتجات الشركة ولم يتوقف عن إنتاجه وبيع المنتجات في المستوطنات ضاربا بقرار الشركة عرض الحائط .

في محاولة أخرى لمقاومة لي ذراع الشركة الرافضة للعمل في المستوطنات لجأت "بن آند جيريز" للقضاء ، مطالبة بوقف بيع منتجاتها الذى يتناقض مع قيمها ورفضها للعمل في المستوطنات غير الشرعية ، إلا أن محاولتها هذه أيضا باءت بالفشل بعدما رفض القاضي طلب الشركة ، ورأى أن الشركة لم تستطع إثبات تعرضها لضرر لايمكن إصلاحه.

صحيح أي ضرر تتعرض له شركة اتخذت موقفا أخلاقيا يعززه قرار دولي باعتبار المستوطنات غير شرعية وإنتهاكا لحقوق الشعب الفلسطيني !! من يسمح بإدانة إسرائيل المحصنة دوما ضد كل إدانة وضد كل قرار أو حتى مجرد موقف يمكن أن يعارض جرائمها وانتهاكاتها وسياستها الإستعمارية !!.

لم تدخر إسرائيل بالطبع جهدا في تقويض قرار شركة المثلجات الرافض لبيع منتجاتها في المستوطنات ، فقامت بشن حملة واسعة ، وتواصل سفير إسرائيل لدى الولايات المتحدة مع حكام أكثر من 30 ولاية ـ كما رصدت البى بى سى العربية ـ وحثهم على معاقبة شركة "بن آند جيريز" وإثارة المشاعر السلبية ضدها . كما تم إرسال برقية للبعثات الإسرائيلية في أوروبا والولايات المتحدة للعمل مع الجماعات اليهودية الموالية لإسرائيل وتنظيم مظاهرات مناهضة للشركة أمام مكاتبها.

لم تحل تبريرات أصحاب الشركة اليهوديان دون توقف هذه الحملة الشرسة ، ورغم تأكيدهما على قرار وقف بيع المنتجات في المستوطنات لايتناقض مع تأييدهما لإسرائيل ، ولايخرج عن كونه معارضة لسياسة الإستيطان ورغم تبرأهما من حركة بى دى أس الداعية لمقاطعة إسرائيل ، إلا أن الأمر لم يتغير بالطبع وظل موقف إسرائيل المناهض للشركة كما هو ، ودعمه في النهاية قرار المحكمة ليستمر بيع منتجات "بن آند جيريز" في المستوطنات رغم أنف الشركة وأنف كل قرار دولى يدين الجرائم الإسرائيلية .

لم يكن أحد يتوقع بالطبع نجاح الشركة في معارضتها لجرائم إسرائيل العنصرية بالمستوطنات ، ولم يكن موقفها وقرارها الأول وبالطبع لن يكون الأخير ، وسبقها محاولات أخرى للإدانة كلها باءت بالفشل .. منها على سبيل المثال لا الحصر التقرير الذى أصدره مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان عن الشركات المرتبطة بالمستوطنات في الضفة الغربية ، والذى رصد 112 شركة تشارك بأنشطتها في العمل بالمستوطنات غير الشرعية ومنها شركات تقوم بتوفير معدات ومواد بناء ، وأخرى شركات لهدم المنازل ، وثالثة لتوفير الخدمات والمرافق للمستوطنين ، ورابعة مصرفية وبنكية. وطالب التقرير بإصدار توصيات وتعليمات إلى تلك الشركات لإنهاء عملها فورا في المستوطنات .

أثلج التقرير صدور الفلسطينيين ووصفوه بأنه إنتصار للقانون الدولى وأثنت عليه أيضا منظمة هيومن رايتس ووتش  لحقوق الإنسان والتي إعتبرت تلك الشركات المشاركة في أعمال بالمستوطنات مخالفة للقانون وتساهم في إرتكاب جرائم حرب. بينما وصفته إسرائيل بأنه "مخز".

وبين الإدانة والإشادة ظل التقرير مجرد حبر على ورق ، وبإعتراف ماجاء في نصه بأن "الإشارة لتلك الشركات ليست مسالة قضائية أو شبه قضائية ولايمكن إدعاء ذلك وأن التقرير لايوفر تشخيصا قانونيا للأنشطة المشار إليها بينما يؤكد بأن المستوطنات غير قانونية" .

تمخض الجبل فولد فأرا ، لم تواته شجاعة الإدانة ولم يستطع في النهاية سوى التأكيد على أن "أي خطوة أخرى مطلوبة هو أمر متروك للدول الأعضاء في مجلس حقوق الإنسان". ودمتم.

هكذا تخرج إسرائيل دوما سالمة من كل إدانة وتستمر دون رادع في ارتكاب جرائمها ضد الشعب الفلسطيني .. لكن من المؤكد أن يوما ما آت لن تستطع فيه إخماد صوت الحق ، ولن تستطع فيه منع الحق عن أصحابه ، وإنا لمنتظرون.
-----------------------------
بقلم: هالة فؤاد
من المشهد الأسبوعية

مقالات اخرى للكاتب

وجهة نظري | مجلس
اعلان