27 - 11 - 2022

الثورة المصرية العرابية .."الله ينصرك ياعرابي"!

الثورة المصرية العرابية ..

[اسمع يا وصفى.

ـ أفندم.

ـ عرابى باشا أشرف من عشرة خديويين مجتمعين، والبكباشى محمد عبيد أشرف من كل الخديويين والباشوات الخونة الذين باعونا للإنجليز.]

رواية «واحة الغروب». الكاتب «بهاء طاهر».

يوم 9 سبتمبر الماضي كان يجب أن نحتفل بذكرى بمرور ١٤١ عام على الثورة المصرية المشهورة بالثورة العرابية "على حد تعبير الزعيم أحمد عرابي نفسه"،  والثورة العرابية ما أكثر الجدل الدائر حولها حتى الآن، ففي حين مازال يعتبرها البعض إنها مجرد "هوجة"،و لكن يعتبرها الآخرون (وكاتب هذه السطور منهم) إنها ثورة وطنية، وحركة قومية تم وأدها، بعدما أتخذت خطوات واثقة نحو التحرر الوطني!

وللأسف كثيرون ممن يدعون الثقافة الآن، ومن "دعاة التنوير الزائف" يهاجمون معظم تاريخنا الوطني، ويقومون بشن حملات هجومية على الثورة العرابية وبالأخص على زعيمها"أحمد عرابي"! ويصوبون مدافعهم - الفشنك - على يوم 9 سبتمبر 1881م، وهو يوم عزة للمصريين، حيث وقف الزعيم عرابي، ومن خلفه جنوده ومعهم الشعب المصري من الفلاحين البسطاء، حيث  يقف الفلاح المعدوم و يشرئب بعنقه لأول مرة منذ تولي محمد علي متابعًا لشؤون بلاده، وينزل عرابي من على حصانه ليقف أمام الخديوي وجها لوجه، مطالبا بحقوق الشعب المصري، متمثلة في عزل الوزارة المستبدة (وزارة رياض)، ومطالبًا بالدستور والحياة النيابية على النسق الأوربي! وزيادة عدد الجيش حتى يصبح لمصر جيش يحميها! (كل من يُنكر هذه الواقعة بالإجمال، كاذب كذوب، ولكنهم للأسف يحاولون إيهام البسطاء أنها لم تحدث أصلًا! متعللين أن مقولة عرابي الشهيرة (.. لن نُستعبد ولن نورث بعد اليوم ..) قد رأى كثير من المؤرخين عدم دقتها تاريخيًا! ولكن هذا لا ينفي وقفة عرابي كلها! والتي عليها عشرات الأدلة التاريخية والتى لا يجادل فيها إلا أحمق! ( ولا أعلم لماذا تثير هذه المقولة غضبهم إلى هذا الحد!! ويتخذون العلم مطية في محاولة التشكيك، فهي حتى وإن لم تقل في الأحداث ولكن هذه الجملة كانت هي التى تدور في ذهن الزعيم أثناء الأحداث –على الأقل- فهي مفسرة للحدث، و تعطى إيضاحا لمعني المظاهرة! فتلك كانت وكأنها صيحة للضمير المصري آنذاك، فلماذا كل هذا التشنج ضدها والتمسح في العلم..وتمرير مغالطات علمية ومنطقية يندى لها الجبين! وكل هذا يحدث تحت شعار براق وهو إعادة تصحيح التاريخ، والتزام العلمية !!!

جدير بالذكر أن الثورة العرابية كانت ثورة سلمية نظيفة، قادها مجموعة من أنبل رجال مصر الشجعان، فقد كانت الثورة العرابية نتاج تحالف الاعيان والمثقفين والعسكريين، ولم تكن مطالب فئوية لصالح مجموعة من العسكريين فقط لا غير، كما يدعى الجهلاء! بل  "الثورة العرابية كانت دفاعا عن الحق ودفاعا عن الحياة" على حد تعبيرات  المؤرخ عبد الرحمن الرافعي ! (وهو من المتحاملين ضد الثورة وقائدها)!

ولولا تكالب الدول الأوربية الاستعمارية واتفاقهم عليها، و سلسلة الخيانات التى تبدأ بالخليفة العثماني "عبد الحميد الثاني"، والخديوي الخائن المهزوز توفيق، ومحافظ الاسكندرية الخائن عمر لطفى، وخيانة البدو والأعراب،وديليسبس الذى كرمته مصر وأعطته الخلود ولكنه طعنها من الخلف وكان سبب مباشرًا في الهزيمة واحتلال مصر، وصولًا إلى بعض قادة الجيش مثل الأميرالاي التركي علي  يوسف خنفس، بل وبعض الأعيان الذىن طعنوا الثورة من الخلف مثل محمد سلطان باشا رئيس مجلس النواب الذى انقلب على عقبيه وخان الثورة وإنضم إلى معسكر الخديوي والإنجليز، ولطخ تاريخه الذى كان مشرفًا!

ولكن وبرغم من مرارات الخيانة، فللثورة أبطالها العظام الذى سطر التاريخ بطولاتهم، وأولهم الزعيم الذي هيأته الظروف لكي يقود الحركة الوطنية في ذلك الوقت العصيب، وأصبح في لحظة من الزمن "الواحد" الذى يُعبر عن "الأمة"، الفلاح المصري الأصيل أحمد عرابي،ابن مصر وقائد ثورتها، الذى يقول عنه المفكر المصري والتنويري  سلامة موسى [أقدس شخصية عرفناها في مصر هي شخصية "أحمد عرابي"]! ( لا أعلم بماذا يرد أدعياء التنوير على اليوتيوب!، ولكني أتوقع ردهم "التنوير ليس له آباء"، هكذا يبررون جهلهم)!!

إلى جانب عرابي رفقاؤه الأبطال: الأميرالاي عبد العال حلمي، وعلي فهمي، وأيضا محمود فهمي، وبطل الثورة وشهيدها محمد عبيد، وهناك أيضا علي الروبي ،ويعقوب سامي، وطلبه عصمت، والشيخ محمد عليش مفتى الديار المصرية آنذاك، الذى كانت لفتواه ضد الخديوي توفيق انه لا يصلح واليًا على المسلمين ويجب خلعه! عظيم الأثر في صالح الثورة !

والشيخ "محمد عبده" الذى كان قبيل الثورة لديه بعض التحفظات على تدخل العسكريين في السياسة، ولكنه في لحظة المفارقة الدرامية بلغة الأدب، وعندما انقسمت البلاد إلى عرابيين و غير عرابيين (اتباع الخديوي ومن رحبوا بالاحتلال الإنجليزي لمصر) فقد إنحاز بكل جوراحه إلى الثورة – في موقف غاية في النُبل والوطنية - حتى تم نفيه مع قادة الثورة بعد الهزيمة العسكرية المريرة والخيانات المتكررة!

لم تكن ثورة عنصرية كما يدعي البلهاء، بل كان أحد قادتها الشاعر والأديب محمود سامي البارودي ( وهو شركسي الأصل ولكنه تمصر، ودافع عن الثورة، حتى تم نفيه بعد الهزيمة واحتلال الإنجليز لمصر)                                                                              

صحيح إنه بعد هزيمة الثورة وانكسار الثوار ونفيهم وسجنهم، تراجع البعض عن بعض مواقفه تحت وطأة اليأس والذل في المنفى! (قد أساء العرابيون إلى أنفسهم بهذه المواقف)، ولكن هذا لا ينفي جمال نضال المصريين وصبرهم على مر السنين، بل إن خطيب الثورة و صوتها الصداح، الأدباتي العظيم "الشيخ عبدالله النديم" (وهو كان عرابيًا أكثر من عرابي نفسه)! اختفى تسع سنوات في قرى مصر، وكان الفلاحون المصريين، يُدارون عليه، حتى وشى به مخبر حقير وتم في قرية الجميزة بطنطا، ثم نُفي إلى يافا ثم عاد إلى مصر ثم تدخل كرومر وتم إبعاده ثم عاش في الأستانة بصحبة الأفغاني ولم تطل حياته كثيرا ولحق به مرض السل فقضى على حياته ومات في تركيا 1896م. في دراما إنسانية وطنية شديدة النبل والحزن والآسى!

ولم تكن الثورة إسلامية كما يدعى (بعض الإسلاميين وبعض التنويريين) ولم تكن ضد الغرب من حيث كونه غرب (والوثائق تثبت ذلك) بل كان للثورة أنصار من الأجانب الأحرار، بل وأقول أنهم أول من دافع عن الثورة، و دفعوا التهم عن قائدها المصري الأصيل أحمد عرابي، وأولهم المستر "الفريد سكاون بلنت" وكتب كتابه الشهير "التاريخ السري للأحتلال البريطاني لمصر" واختار بعد الهزيمة محاميين إنجليزيين وهما المستر "برودلي" والمستر" نابير" للدفاع عن أحمد عرابي ورفاقه، وكتب برودلى كتابه الهام "كيف دافعنا عن عرابي صحبه"  وقال برودلى " لا شك في ان عرابي واصحابه كانت لديهم القدرة على ان ينهضوا بحكم أمتهم حكما شعبيا"وأيضا المؤرخ السويسري "جون نينه" وتم ترجمة هذه الكتب وهي من المراجع المعتبرة عن الثورة العرابية! ولا يمكن نسيان دور الصحفى الفرنسي المسيو "جابريل" في تحقيقاته الصحفية التى كشفت سوء معاملة الأتراك لعرابي و زملائه في السجن فترة المحاكمة!

هذا هو شعب مصر لمن لم يعرف،وهذه هي ثورته الناصعة!

هذا الشعب الذى دافع عن عرابي وأرضه ووطنه، (رغم عدم وضوح الفكرة القومية عند الأغلبية في الشرق آنذاك) وتصدوا للعدوان الأوربي الغادر الفاجر، وضحوا بأرواحهم وبأموالهم لصالح المعركة، وكانوا يكتبون على الجدران و يهتفون " الله ينصرك يا عرابي" ! ولولا الخيانات لكانت الكلمة العليا لهم، وبحكمتهم الشديدة لخصوا ما شاهدوه فقالوا بعبقرية متناهية ومنقطعة النظير أن " الولس هزم عرابي!!!

هؤلاء هم أهالينا المصريين ، الفلاحون الجهلاء كما تزعمون ، هذا هو الشعب الذى تكرهون ثورته، وترفضون الأعتراف بحقوقه، وتنعتونه بأفظع الألفاظ، ولا ترون فيه إلا كل قبيح وذميم! ولكن خسئتم وبقى الشعب يصنع ثورته ببطء، ويغزل آماله في تأني، وينتظر ضوء الفجر –الذى هو آت لا محالة- مهما كره الباطشون الظالمون الفاسدون!

"آدي مصر ياللي شككتم في مصر

آدي مصر ياللي أفتيتوا الفتاوي في حقها مالهمش حصر

آدي مصر خارجة تعلن عالملأ كلمتها مصر

لا العساكر أو قنابل يمنعوا أو أي قصر

آدي مصر وأهل مصر.."

الشاعر مصطفى زكى ..الشيخ إمام عيسي.
----------------------------
بقلم : باهر عادل



مقالات اخرى للكاتب

الثورة المصرية العرابية ..
اعلان