27 - 11 - 2022

مبادرات للبناء ودعاوي للتخريب

مبادرات للبناء ودعاوي للتخريب

تتميز مصر عن كافة العالم بالسبق الزمني ذي التاريخ والحضارة المبكرة واتصال حلقات الحضارة  دون فجوات كبيرة، بالإضافة الي روح المحافظة واستمرارية الطابع الثقافي العام والجمع بين الخصوصية المحلية والانفتاح علي العالم الخارجي .. وعلي مدي تاريخها العريق وبالرغم من تعرضها للعديد من فترات الاحتلال بداية من الهكسوس فالفرس واليونان والرومان والإنجليز والفرنسيين.. إلا أنها بالآثار والدليل العلمي ومصادر جمة أثبتت أنها أثرت علي كافة الحضارات ولم تتأثر بها وفي كل المجالات،  فكان لها قانونها الذي ساد وقيمها ودينها الذي اتبع  .. والآن مع الجمهورية الجديدة تشهد مصر دورا رياديا في التطور بكافة مجالاته وأبعاده.

ولكن ماذا يفعل الغرب؟.. لقد درس هؤلاء التاريخ وأدركوا وفهموا السياسات وبدأوا في السعي والتغلغل في العالم العربي بحياكة الخطط الخبيثة، وهي  تدمير  قيمنا وثقافتنا عن طريق ما برع  فيه دوما بحجم ما يمتلك  من تكنولوجيا، فأصبح الغرب يقود  - بحنكة وخبث - العالم ونحن جزء من هذا العالم،  الي الدمار الشامل عبر التسلل الي أطفالنا وشبابنا.  

ولزاما من المسئولية المجتمعية الملقاة علي "مبادرة معا لحماية الأسرة المصرية"، فثمة تحذير واجب نوجهه للجميع بعدما بدت ولاحت لنا في الأفق مشكلة جسيمة بعيدة المدى لم تظهر بين عشية وضحاها، وهي إعلان مسئولي قناة ديزني  تبنيهم فكرة المثلية والشروع في إنتاج أفلام مساندة وداعمة لتلك الفكرة المرفوضة من جانبنا بكل جوانبها وصورها وجميع أطروحاتها المنبوذة دينيا ومجتمعيا.

ربما يدفعنا "ديزني" هذا الي التوجه اليها بالشكر على النشر والتصريح بما أقدمت عليه، فلولا ذلك ما علمنا بالأمر ولم ينتبه أحد لما يحاك لهذا الجيل وما يعقبه من أجيال ،  من مؤامرات في الخفاء.

والغرب وهو ينادي بهذه الدعوة الشاذة مستندا على مزاعم واهية،  يربطها كذبا وزورا وبهتانا بحقوق الإنسان ويضع القوانين التي تجرم من ينبذ فكرة المثلية أو يتعرض لها وينتقدها، ليس هذا فقط، فالغرب لا يتوقف عن مخاطبة العالم بشعارات حقوق الإنسان لينال من بعض الدول سياسيا واجتماعيا، وهو البعيد تماما عن تطبيق مثل هذه الحقوق في مجتمعاته.

فالتيار قوي وشديد جدا وهو أشبه في نظري بالدمار الشامل كما ذكرت سلفا، مما يدفعني للتساؤل الذي يطرح  نفسه بعد أكثر من ٣ أشهر علي هذا التصريح:  ماذا نحن فاعلون؟

أعلم يقينا أن بعض الآباء والأمهات قد عجلوا بإغلاق القناة على أجهزتهم ومنع أطفالهم من مشاهدة برامجها، وهي مهمة صعبة جدا لأن شخصيات ديزني تربت عليها أجيال وأجيال وهي محببة لدينا جميعا.

كما سارعت بعض الدول العربية بتوجيه تحذير الي منصة "نتفلكس" وغيرها بوقف وغلق بث أي قناة تستهدف قيمنا وديننا، كما أصدر المجلس الأعلي  لتنظيم الإعلام الأسبوع الماضي قرارا بقواعد تنظيمية وتراخيص لمنصات المحتوي الإلكتروني لديزني تطالبها بالالتزام بالأعراف والقيم المجتمعية للدولة، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حال بث مواد تتعارض مع قيم المجتمع..حسنا فعلت هذه الدول، ولكن ورغم هذا التحذير اعترف بدهشتي الشديدة نظرا لحجم الإعلانات غير المسبوقة لقناة "ديزني بلس" علي كوبري أكتوبر في اتجاهي الطريق من التحرير لمصر الجديدة وبالعكس!

لن أتراجع ومعي كثيرون عن توجيه نداء إلى متخذي القرار الذين نثق في صدقهم وأخلاقهم، بتبني كل ما هو ضروري لصد مثل هذه الموجات الضالة، بهدف الوصول إلى وطن أفضل ومستقبل مشرق للأجيال القادمة.

نحن على يقين من ثراء إعلامنا السمعي والسمعي البصري وسيطرته واهتمامه بإنتاج أكثر من ٢٠ عملا فنيا في رمضان وطوال العام، ولكن بعض القنوات الخاصة تلهث وراء فكرة الحوار مع شخصيات بهدف تحقيق "الترند" وكذلك بث الإعلانات بغض النظر عن مضمونها وتأثيرها على المجتمع.

كما اتمني أن نري مبادرة قومية والبدء في إنتاج أفلام كرتونية للأطفال تستهدف الفئة العمرية من ٣ إلى ٦ سنوات بغرض مواجهة تيارات ديزني وأشباهها من المنصات المخربة القادمة من الخارج، وأمامنا مبادرة ذات فكر تعليمي مرح مثل coco melon، خاصة أننا نملك عددا لا بأس به من الكتاب المتخصصين بالأطفال وهم متميزين ومنهم حائزون علي جوائز كثيرة كدليل علي حرفيتهم العالية وخبراتهم المتميزة، كما لدينا عدد لا بأس به من الفنانين الموهوبين للرسوم المتحركة وحباهم الله بموهبة الإبداع وامكانيات ابتكار شخصيات كرتونية جاذبة .

يقيني أن المهمة الملقاة علي عاتقنا كـ"مبادرة معا لحماية الأسرة المصرية" ليست هينة، فهي صعبة والحرب لن تكون قصيرة لأنها ستكون طويلة الأمد ولابد من الاهتمام بثقافة أطفالنا في هذه المرحلة العمرية المهمة،  ليس فحسب بالتعليم ولكن بالترفيه.. ومن هنا ربما نقترح عبر مبادرتنا المهتمة بالأسرة المصرية واستقرارها،  بناء  مدينة ملاهي كبرى بشخصيات مبتكرة تنتج أفلاما مثل "الفرعون الصغير" "ور وأسرار العالم".

كما علينا بتبني خطاب عاقل لوقف هذه الموجة الضالة،  لنحمي أولادنا وأسرنا ضد كل المخاطر الواردة لنا من هذا الغرب، ما خفي منها وما ظهر..
----------------------------
بقلم : د. إنجي  فايد *
*استاذ مساعد الآثار والفنون ، مؤسس مبادرة معا لحماية الاسرة المصرية ، مدير التنمية الثقافية بوزارة الآثار سابقا


مقالات اخرى للكاتب

مبادرات للبناء ودعاوي للتخريب
اعلان