27 - 11 - 2022

لغةُ التيوس وفكرهم (إن كان للتيوس فكر)

لغةُ التيوس وفكرهم (إن كان للتيوس فكر)

اللغةُ وعاء الثقافة ومِرآتها أيضاً .. قبل حوالى نصف قرنٍ (١٩٦٨) فى مدرسة أسيوط الإعدادية الحديثة، كان مدرس اللغة العربية الأزهرى الشاب محمد عبد الستار الشربينى يشرح لتلاميذ الصف الثانى الإعدادى فى جماعة البلاغة، وهى إحدى جماعات النشاط المدرسى خارج المناهج، (من بينهم كاتب المقال) كيف أن الشعر لا يُقَيَّمُ ولا يُفَسَّرُ إلا بمعيار التذوق الأدبى وجماليات اللغة وليس بالفهم المباشر، لا سيما من محدودى الثقافة، وأنه يحتاج فهماً متعمقاً لأن السطحية فى تفسيره قد تُودى إلى المهالك .. وليدلل على ذلك، روى لنا ما حدث للشاعر على بن الجهم ومنه .. كان بن الجهم شاعراً فصيحاً ولكنه كان بدوياً جِلفاً لا يعرف إلا مفردات بيئته الصحراوية التى لم يغادرها إلى الحَضَر أبداً .. سَمِع الرجل عن المكافآت التى يمنحها الخليفة المتوكل لمادِحيه من الشعرا، فذهب إلى بغداد وسعى إلى قصر الخليفة وألقى فى حضرته قصيدةً، من أبياتها:

أنتَ كالكلبِ فى حِفاظِك للود …. وكالتَيْسِ فى قِراعِ الخُطوبِ

أنتَ كالدلـوِ لا عَدِمناكَ دلـواً …. مِن كبـارِ الدِلا كثير الذنوبِ

(الدلو هو الجردلُ الذى يُرفَعُ به الماء من البئر .. وكثير الذنوب لا تعنى فى لهجة البادية كثير الخطايا، وإنما تعنى امتلاء الدلو بالماء لدرجة السيلان والطرطشة .. كنوعٍ من المبالغة فى مديح الجردل!) .. واستمر الرجلُ  متحمساً يدور فى فَلَكِ نفس المفردات: التيس والعنز والدلو والبعير .. فانتفض الحضورُ وهَمُّوا بقتلِه .. إلا أن المتوكل كان حاكماً مثقفاً، فَفَطِنَ إلى أن الرجل لا يقصد الإساءة ولكنه يتكلم بمفردات بيئته، فمنعهم من الفتك به .. ثم أَمَرَ بإسكانه داراً جميلةً بمنطقة الرصافة على نهر دجلة .. وبعد ستة شهورٍ دعاه إلى مجلسه وقال له أَنْشِدنا يا بن الجهم .. فإذا بِلُغة التيوس تتحول على لسان نفس الشاعر إلى قصيدةٍ  تفيض رِقَّةً وعذوبة، يقول فى مطلعها:

عيونُ المَهَا بين الرصافةِ والجسرِ .. جَلَبْنَ الهوى مِنْ حيثُ أدرِى ولا أدرِى

ثم انتقل الأستاذ/ الشربينى بهذا البيت الجميل إلى ساحةٍ أكثر رحابةً، إذ أدار حواراً بيننا (نحن تلاميذ الصف الثانى الإعدادى!) عن أيهما أجمل بلاغةً: بيت على بن الجهم عن عيون المها، أم بيت جرير:

إنَّ العيونَ التى فى طَرفِها حَوَرٌ …. قَتَلْنَنَا ثم لم يُحيِين قَتْلانا

كانت مصرُ التى فى خلفية المشهد الذى أدار فيه الأستاذ الشربينى حواره معنا تتكلم لغة الحضَرِ والحضارة الرحبة بلا عُقَد .. كانت (الست) تشدو بالأطلال فيردد الريفى الأُمى أبياتها ويسأل عن معانيها .. ويحظى برنامج (لغتنا الجميلة) لفاروق شوشة بنسبة استماعٍ عالية من جمهور الإذاعة .. وتجرى على ألسنة الناس مفرداتٌ جديدة مثل الإنتاج والادخار والتصنيع  .. ظَنَّ الأستاذ الشربينى وظننا معه أن لغة التيوس قد اندثرت بانتقال بن الجهم إلى حى الرصافة .. ما كُنَّا نتخيل أن على بن الجهم شخصياً يمكن أن يتسلل لنا بعد ألف عامٍ  .. لا بِمفرداته القديمة وحدها وإنما بجهله وجهالته.

قبل أعوامٍ كنتُ فى أحد المجالس وطرحتُ سؤال المفاضلة بين بيت ابن الجهم وبيت جرير .. فإذا بشابٍ مُتعالمٍ يقول بِجُرأةٍ لا يُؤتاها إلا جاهل: (كلا البيتين حرامٌ لأن الغَزَلَ حرام .. لكن ثانيهما كُفرٌ بواح فالذى يُحيى القتلى هو اللهُ وليس عيون النساء!)  .. اكتشفتُ  فيما بعدُ أن هناك مُجتمعاً موازياً تَسَيَّدت فيه لُغةُ التيوس وفِكرها (إن كان لها فِكر) وحُرِّمَ فيه كُلُّ شئٍ بَدءاً من (أعطنى الناى وغَنِّى) و(الأطلال)  وليس انتهاءً بالفاول فى مباريات الكرة لأنه وفقاً لقانون الفيفا الوضعى ولا يُطبِّقُ شرع الله الذى يأمر بالقصاص من اللاعب الذى يكسرك .. كان من السهل على ابن الجهم أن يترك لغة التيوس التى نشأ فى أكنافها إلى لغة الرُقِّى والتحضر بمجرد انتقاله لمدة ستة شهورٍ فقط إلى حى الرصافة على شاطئ دجلة، لأن فى داخله شاعراً .. أما أحفاده فلن ينصلح لسانهم ولو أسكنتهم فى قصرٍ على النيل لأن بداخل كل واحدٍ منهم بلطجياً أو مُتعالماً.. الشاعر إذا انتقل للرصافة انصلح لسانه .. أما البلطجى إذا انتقل للنيل لَوَّثَه .. لم يكن جرير هو الشاعر الوحيدالذى تم تكفيره فى القرن الحادى والعشرين بأثرٍ رجعى عن بيتٍ قاله من أكثر من ألف عام .. وإنما كل شعراء العربية تقريباً، فصحى وعامية .. قلتُ لمُحَدثى:  إنكم تلوون عُنق قصيدةٍ لِتُكَّفِروا صاحبها، ثم  كيف تُفتى بِحُرمةِ شعر الغزل؟ .. أهكذا بجرة قلم تَشْطُبُ قسماً من الشعر العربى؟ .. إن قصيدة نهج البُردة لأحمد شوقى فى مدح الرسول عليه الصلاة والسلام تبدأ بأكثر من عشرة أبياتٍ من الغزل الصريح، أوَّلُها:

ريمٌ على القاعِ بين البانِ والعَلَمِ …. أحلَّ سفكَ دمى فى الأشهر الحُرُمِ

ولو فسرناها بمعيار الفقه كما تفعلون لأخرجنا شوقى من مِلَّة الإسلام لأنه يتغزل (أولاً)، ويُحِلُ ما حَرَّمَ اللهُ وهو سفكُ دمِهِ (ثانياً)، وفى الأشهر الحُرُمِ (ثالثاً) .. وقد عاصر شوقى ثم تعاقب على مشيخة الأزهر أكثر من خمسة عشر من الأئمة الكبار كالظواهرى والمراغى ومصطفى عبد الرازق وعبد المجيد سليم وإبراهيم حمروش ومحمود شلتوت فضلاً عن عشرات الألوف من علماء الأزهر الأجِلاَّء ولم يُحَرِّم واحدٌ منهم أبياته تِلك .. أجابنى بهدوء الغافل وجرأة الجاهل: لا شوقى ولا هؤلاء حُجَّةٌ على الدين، وإذا كان كل هؤلاء قد فاتهم تدارك الخطأ فالحمد لله الذى أرسل فى الأمة من يكتشفه ولو بعد تسعين عاماً!.

كان الأستاذ الشربينى وزملاؤه من مدرسى اللغة العربية يُدَّرِسون اللُغة ويُدَّرسون الدين أيضاً .. كانوا أفذاذاً فى اللغة فقهاء فى الدين، ولكنهم ما كانوا  يخلطون بينهما .. وَإِنْ تجاسَرَ طالبٌ وتساءل فى حصة الدين عن حُكم الدين فى بيت شعرٍ، أحاله المدرس إلى حصة اللغة (لنفس المدرس) ..  تتعدد أبعاد المشكلةِ حالياً  .. سائلٌ خاوٍ تماماً وإن تَزَيَّن بشهادةٍ جامعية ..  يتوجه بسؤال خاوٍ مثله إلى  متشايخٍ، معلوماته عن الدين محدودة، وعن الشعر معدومة .. يسألُه  الخاوى عن حكم الدين فى بيت شعرٍ .. فيتكبر المتشايخ أن يقول ليس هذا تخصصى اذهب لمن يزنه لك بميزان البلاغة، وإنما يصرخ: هذا كُفرٌ بواحٌ  .. ويتلقف السائلُ الخاوى هذه الإجابة الخاوية ويستَشيِخُ بها على غيره من الخاوين فى زوايا العمارات أو صفحات الفيسبوك .. وهكذا يتكون مجتمعٌ  موازٍ من الشيوخ الاستراتيجيين والخبراء الاستراتيجيين الذين يُفتون فى كل شئٍ من الفقه إلى البلاغة إلى السياسة إلى الاقتصاد إلى الطب ولا يقولون لسائلٍ (لا أدرى)  .. هذا الخواء العام يُشَكِّلُ بيئةً  خصبة لترديد وتصديق  خزعبلات  الجيل الرابع والطابور الخامس ومجلس إدارة الدنيا إلى آخر هذه الهلاوس والهَطَل الذى يتقيأُه بعض المذيعين والنعال .. هذا الخواء العام هو العقبة الكأداء فى طريق أى مجتمع  .. إذا تَسَيَّدت لغةُ التيوس تعطلت لغة الكلام .. الكلامُ لُغةُ البشر .. والبشر يتحاورون .. أما التيوس  فتتناطح .. وقانا الله وإياكم من شر التيس ..  إذا نَطَح.

(ذَكَّرَنى أحد الأصدقاء الأعزاء بهذا المقال الذى نشرته قبل ٦ سنواتٍ على حلقتين بعنوان "تكفير جرير" .. المُحزنُ أنه لا يزال طازجاً وكأن الزمن قد تَوَّقَفَ .. الحقيقة أن الزمن لم يتوقف وإنما نحن الذين توقفنا والدنيا كلها تتحرك حولنا).
-----------------------------------
بقلم: مهندس/ يحيى حسين عبد الهادى

مقالات اخرى للكاتب

أنا وحبيبى يا نيل
اعلان