27 - 11 - 2022

علم النفس والكوتشنج بين الوهم والحقيقة

علم النفس والكوتشنج بين الوهم والحقيقة

أصغر ممارس أو دارس لعلم النفس عندما يقرأ؛ أي (ايفنت) أو إعلانا يخص موضوع الكوتشنج، سيقول بمنتهى البساطة ان هذه الدورة أو الورشة؛ خاصة بإعداد أشخاص أو كوادر مثلهم مثل المرشد النفسي أو المعالج النفسي .. إلخ

ولكن أصحاب مثل هذه الإعلانات لا يجرأون على كتابة مسميات كـ (دكتور نفسي أو مرشد نفسي أو معالج نفسي أو أخصائي نفسي) بشكل واضح وصريح؛ لأن استخدام هذه المسميات بدون تصريح رسمي (حكومي) يحيلك مباشرة إلى السجن، لأنه ليس فقط انتحال صفة، ومزاولة مهنة بدون تصريح؛ هي أيضا مهنة علاجية، وضع تحت كلمة علاجية ألف خط.

دعني أوضح لك ماذا اعنى بتصريح رسمي ، أي يكون مكتوبا في بطاقتك الشخصية إحدى هذه المسميات التي سبق وذكرتها؛ فأي مسمى منها هو بمثابة  تصريح رسمي بمزاولة المهنة دون شرط أو قيد؛ في أي وقت وفي أي مكان.

وعن هذه الإعلانات ستجد في وسط (البوست التفصيلي) كلمة (العميل) وهذه الكلمة تستخدم بشكل مباشر في موضعين؛ عالم الجاسوسية؛ عندما نقول العميل الفلاني ، وتستخدم في العلاج النفسي أو الإرشاد النفسي؛ بمعنى آخر نحن نطلق لقب (العميل) على  الحالة النفسية التي نقوم بعلاجها.

ليست فقط  كلمة (العميل) هي التي تدفعك دفعا للتأكد من أن هذه الورشة هدفها إعداد (كوادر نفسية) و مصطلح (كوادر نفسية) اسجله الآن  أمام الجميع؛ حيث أن القائمين على الكوتشينج لم يتمكنوا حتى الآن من الوصول  لمصطلح (يبيعوا عليه)، وفي نفس الوقت لا يوقعهم تحت طائلة القانون، وها هو المصطلح أمامكم، ولكن به أيضا ثغرة.

كلمات أخرى تجدها داخل هذه الإعلانات تجعلك في حالة يقين من أن هدف الورشة هو  إعداد معالج أو مرشد أو مشير نفسي، ولكن بشكل مستتر؛ مثل قيام الإعلان بتقديم شرح تفصيلي للجلسة وفنياتها؛ بالطبع هم يقصدون الجلسة الإرشادية (بس وحياة الغاليين عليك مها تهبد وتلف وتدور لو أنت مش دارس علم نفس بشكل اكاديمي، ومارست جلسات إرشادية بشكل  نظري وعملي أحب اقولك لو اتقلبت زرع بصل ما هتعرف تعمل حاجة) ، لأن الموضوع متشابك جدا ومعقد ومتداخل ما بين معرفتك بالنظريات النفسية، وما بين تطبيق ذلك، ومابين معرفتك بالأمراض النفسية، وتطبيق ذلك، وما بين معرفتك بفنيات العلاج النفسي، وتطبيق ذلك، ومعرفتك بفنيات الإرشاد النفسي، وتطبيق ذلك، علاوة على خبراتك الحياتية ومهارتك وأشياء أخرى كثيرة جدا.

فلكي تضع خطة علاجية تقوم من خلالها بتعديل السلوكيات أو تطوير القدرات أو تغيير الدوافع والحوافز (الكلمتين شبه بعضهما البعض لكن معانيهما مختلفة) أو كي تتمكن من ممارسة العلاج النفسي عموما، أو إزالة اضطراب نفسي أو تخريج شخص ما من دائرة الخطر، أو كي تتمكن من تقديم إرشاد نفسي أو عمل تنفيس انفعالي (ولو بشكل منفصل) .. إلخ إلخ إلخ إلخ، لا بديل عن دراسة علم النفس دراسة أكاديمية.

مع العلم أن هذه الإعلانات لا تذكر سيرة العلاج النفسي لا من قريب ولا من بعيد .. كلها تلميحات ولف ودوران.

ولذلك أوضح لك عزيزي القاريء أن من يحق لهم ممارسة العلاج النفسي هم الدكتور النفسي - الاخصائي النفسي - المعالج النفسي - المرشد النفسي وجميعهم درسوا علم النفس ودرسوا الطب، ولكن بنسب متفاوتة.

أنا لا أعرف حاليا نظام الدراسة بأقسام علم النفس؛ ولكن ما حدث (على أيامي أيام الخير)؛ كنا ندرس في كلية الطب  (أول سنة فقط ترم أول تقريبا أو ربما السنة كلها حقيقة الأمر الذاكرة لا تسعفني الآن) وكان اسم المادة إكلينيكي. وهذا بخلاف النظري والعملي، ومن السنة التالية نبدأ في عمل استبيانات، وتطبيق مقاييس نفسية، والذهاب لمستشفي الأمراض النفسية والعصبية.

أما الدكتور النفسي فهو عكسنا؛ فكل دراسته كانت في الطب ثم تخصص في علم النفس، وكل هؤلاء يحق لهم العلاج، ولكن بأشكال متباينة .. أي أن الأخصائي النفسي مثلا مها بلغت شطارته غير مسموح له بكتابة أدوية وعقاقير (فيها سجن حرفيا).

ولكي يتمكن نفر منا من ممارسة العلاج النفسي، لا بديل عن قيامه بدراسة هذا العلم بشكل اكاديمي؛ ليكون محملا بكل نظرياته؛ لأن هناك أمور ودواخل وتفاصيل متشابكة يستحيل يصل لها من لم يدرس هذا العلم  بشكل أكاديمي.

فلابد أن يكون عقلك محملا بـ فرويد ونظريته وميكانيزماته الدفاعية، لابد أن تكون مدركا ل (يونج وادلر)  والاختلاف بينهما، والاختلاف بينهما وبين فرويد، لابد أن تعرف تفسيرات فرويد للفنون وللإبداع. لا بد أن يكون عقلك محملا بالمدرسة السلوكية بكل ما فيها من تجارب بافلوف وثرونديك وغيرهم. ، لا بديل عن كونك جشطالتي وفي نفس الوقت لا جشطالتي لابد أن تعرف سيكولوجية الإنجاز، علاوة على معرفتك بجيلفورد والتحليل العاملي، ومحمل بجان بياجية واوزبيل وبرونر، ومستوعبا للبنية المعرفية وطريقة بنائها وطريقة عملها. لابد أن تدرس فروع علم النفس، وتعرف كيفية التعامل مع كل فرع على حدة،  أيضا تعرف التداخلات بين هذه الفروع، علاوة على دراستك لمواد الإرشاد النفسي وغيره وغيره؛ وفي نهاية الأمر تكون مدركا لتداخلات علم النفس مع باقي العلوم.

وكل هذا  كوم والعلاج بالفن كوم آخر.

بالفعل يستطيع العلاج النفسي إخراجك من دوامة اضطراباتك النفسية، ولكنه أيضا قد  يدمرك أي يصل بك للتحطيم النفسي أو اليأس من حياتك، وذلك في حالة قيام غير متخصصين بعلاجك؛ فكن حذرا.
-----------------------------
بقلم: مينا ناصف

مقالات اخرى للكاتب

ازدراء الأديان حجة من لا حجة له وأمينة عبد الله لن تكون الأخيرة
اعلان