02 - 07 - 2022

هي ناقصة يا شيخ كريمة!

هي ناقصة يا شيخ كريمة!

لاتوجد صفحة لمتخصص في العلم أو في الأدب والثقافة إلا ودارت عليها نقاشات حادة ما بين مؤيد لتصريحات د. حسام موافي ومعارض لها، ومع تراجعه عن هذا التصريحات بدأت الأمور تهدأ رويدا رويدا؛ حتى خرج علينا، أستاذ الشريعة الإسلامية والفقه المقارن بجامعة الأزهر، الشيخ أحمد كريمة ودعم  تصريح الدكتور حسام موافي، وصرح بأن  هناك مستشفى للأمراض النفسية والعصبية يستخدم وسائط مسجلاً عليها القرآن الكريم، لما يوفره من راحة للمرضى النفسيين.

وبحسب ما نشر على موقع الوطن بتاريخ الاثنين ٢٠ يونيو ٢٠٢٢ فإن هذا الكلام صحيح؛ فهناك 5 مستشفيات في مقاطعة «لانكشاير» بإنجلترا، تعتمد على تشغيل القرآن الكريم فيها، ليسمعه المرضى النفسيون من المسلمين.

جاءت تصريحات "كريمة" لتكون الزيت الذي صب على النار لتشتعل صفحات السوشيال ميديا مرة آخرى؛ خاصة وأن الأمر حساس؛  لانه يتعلق بالعلم، ويتعلق في تقديري بحالة الاحتقان المتزايدة بين تيار المتدين بطبعه والتيار المعاكس له؛ بالإضافة لكونه يتعلق بطريقة  د. "موافي" في تبسيط الأمور؛ فالراجل أراد أن يقول إن الدين في عمومه يبعث السكينة في النفس البشرية وان الشخص المؤمن يتسم بمجموعة من الصفات الحميدة التي تجعله لايصاب بالمرض النفسي، وهذا كلام جيد وسليم، ولكن "موافي" جانبه الصواب في جزئية محددة وهي (لايصاب بالمرض النفسي) لأن التعميم هنا مخل ومعيب، وليس عليه أي دلائل علمية، وبالتالي أسيء فهمه، وتحت وطأة التريند والتناحر والاحتقان خرج الرجل الخلوق ودقق كلامه وقال: إنه يقصد بالمؤمن  (المسيحي والإسلامي) وقال إن المؤمن يكون  أقل عرضه من غيره للإصابة بالمرض النفسي، وهذا ما لاحظه في عيادته، وبهذا التصريح يكون وضع "موافي" بعض النقط على بعض الحروف؛ فملاحظته ليست دليلا دامغا على كلامه. كما أن جزىية  (المؤمن أقل عرضة من غيره) تحتمل الكثير من الشك.

ووسط مناقشات حامية قام  صديق لي على  صفحتي الفيس بوكيه بنقل تعليق من على صفحة أخرى، تضمن التعليق مجموعة من اللينكات تحمل دراسات تؤكد أن مرض الاكتئاب أصاب نسبة أكبر من غير المؤمنين، وكانت نسبة المؤمنين بوجود الله أقل عرضه بالإصابة بالاكتئاب.

كان هذا هو التعليق الوحيد الذي يعتد به لأنه مبني على دراسة. ولكن الاكتئاب مرض وحيد يتيم، وسط مئات الأمراض النفسية والعصبية والنفسية عصبية. فما علاقة الإيمان بالتوحد أو بالبارانويا أو بالشيزوفرنيا أو  بالفصام عموما أو بالرهاب أو بالوسواس القهري .. إلخ.

اعتقد الإجابة تحتاج إلى تجارب علمية والأمر يقع على عاتق أصحاب الدعوة لا العكس؛ أي أنه على د. موافي وفريقه إثبات ذلك؛ لأن النظريات النفسية لم تتطرق لهذه الأمور، وبالتالي فالكرة في ملعبكم، مع العلم أن المعالجين النفسيين قد يلجأون - إذا تطلب الأمر - لاستخدام ما يبعث السرور أو السكينة في النفس البشرية ليعالجوها، ولكن هذا لا ينطبق على كل الحالات النفسية؛ لأن النفس البشرية كبصمة  اليد لا تتطابق.

بمعنى آخر قد يوجد مؤمن بالله يتأثر بالترانيم ومؤمن آخر لا يتأثر فالأمر نسبي. ومن هنا استخدام الترانيم في العلاج يكون مشروطا ومحددا بحالة معينة و ليس بشكل عام. فالقضية هنا لا تتعلق بالترانيم؛ بل تتعلق بالشخص نفسه.

اعطيك مثالا أصعب قد نرى حالة تعانى من اكتئاب بسبب انها مجبرة على ارتداء الحجاب أو أنها أنها تعانى من مشاكل نفسية بسبب عدم التزامها بالحجاب. فالقضية هنا ليست في الحجاب، بل في طبيعة الشخصية وطبيعة المشاكل وفي قدرة المعالج على اختيار الأنسب للعلاج، ففي الحالة الأولى قد يكون عدم وجود الحجاب ولو لفترة هو الحل وفي الحالة الثانية قد يكون ارتداؤه هو الحل وكلها أمور نسبية تتعلق بطبيعة الشخص.

دعنا نناقش ما هو أصعب وأصعب قد يكون وجود شخص مسيحي مؤمن بالله داخل الطائفة الأرثوذكسية هو ما أصابه بالشك والقلق والتوتر ومع الوقت أصبح التوتر مرضيا؛ فلو استدعت الحالة تغيير الطائفة على المعالج إخبار المريض أو المسترشد بذلك. خلاصة القول نحن في علم نفس نتعامل مع النفس البشرية بكل ما فيها من تناقضات، وفق أسس علمية نقوم من خلالها بدراسته، ودراسة بيئته؛ لنصل به إلى بر الأمان. إن كان ما سبق مهم فدعونا نناقش الأهم؛ جميعنا يعرف أن آيات القرآن الكريم والإنجيل المقدس يستخدمها الكثيرون  في أمور عديدة كإخراج الشياطين، وفك الأعمال والاسحار.

وجميعنا يعرف؛ بل ويثق حد اليقين أن الآيات الدينية لها أثر عظيم في تهدئة النفوس وبث روح الطمأنينة وإنزال السكينة في القلوب، وفي تهذيب السلوك؛ هكذا تربينا وتأكدنا من ذلك عندما كبرنا واختبرنا ذلك بأنفسنا، ولكننا لم نتربى على إقحام الدين في العلم؛ لأن الدين أكبر وأهم وأعظم من ذلك بكثير؛ فالدين مقدس ولا يوجد مقدس سواه، والدين ثابت وأي شيء آخر متغير ، فالدين يقين دون الحاجة إلى إثبات، عكس العلم. ولأن كل شيء من حولنا تغير وأصابه الخلل والعطب ومع ظهور نغمة الشعب المتدين بطبعه حدثت نقلة نوعية في طبيعة تفكير المجتمع، وتم إقحام الدين في كل شيء؛ حتى في  الأمور العلمية وهذا خطأ وخطر.

فجميعنا يشاهد رجال الدين يقومون بإخراج الشياطين ، لاحظ وجود حالات تفشل معها هذه الطرق. هل لأن العيب في الدين حاشا لله ؛ لكن الأمر يتعلق بإيمان الشخص نفسه وبيقينه بقدرة الدين على إخراجه من مأزقه؛ كما أن الأمر يتعلق برجل الدين نفسه، ويتعلق بأمور أخرى هذه الأمور تندرج تحت بند الغيبيات، والتى لا نستطيع أن نستدل عليها بشكل دقيق ومحدد، عكس العلم الذي يخضع لبحث وتجريب وملاحظة ومشاهدة واستنتاجات؛ قد تكون خاطئة ومن ثم نعيد الكره مرة بعد أخرى حتى نصل لنتجية دقيقة.

هذه النتيجة الدقيقة هي ما جعلت الكثير من أهل العلم يرفضون كلام د. موافي جملة وتفصيلا ، فتحت عنوان (كلام مؤذي".. أول تعليق من نقابة الأطباء على حديث حسام موافي عن المرض النفسي) نشر موقع مصراوي يوم الأحد الموافق 19 يونيو تحقيقا حول الواقعة، وفي التحقيق حذَّر الدكتور أحمد حسين، عضو مجلس النقابة العامة للأطباء، والطبيب النفسي من التأثير السلبي للتصريحات التي أدلى بها الدكتور حسام موافي، على زيادة معاناة المرضى النفسيين خلال الفترة المقبلة، وأضاف حسين في تصريحات لمصراوي: "الكلام الذي يقوله الدكتور حسام غير صحيح ولم نتعلمه في الطب النفسي ولم نره، وهناك الكثير من الناس تذهب للمساجد أو الكنائس وتصاب بأمراض نفسية.

الخطأ الذي وقع فيه د. "موافي" واضح وضوح الشمس؛ لكنه لا يحتمله وحده فالخطيئة مجتمعية والكارثة إنسانية والأمر جلل. ويحتاج إلى إعادة نظر في موضوع التعليم والبحث العلمي الذي أصبح ضرورة في كل مكان إلا في مجتمعنا الذي أصبح مثل دون كيشوت يصارع طواحين الهواء.
--------------------------
بقلم : مينا ناصف


مقالات اخرى للكاتب

الحجاب ود. سعد الدين الهلالي والطلاق في المسيحية
اعلان