02 - 07 - 2022

صديقي ساهر .. كانت سنواتنا معا مدهشة وقاسية

صديقي ساهر .. كانت سنواتنا معا مدهشة وقاسية

 ترددت في كتابة هذا النص. فمن جانب عندي رغبة في الكتابة عن الكاتب الصحفي الأستاذ ساهر جاد رحمه الله من موقع صداقة ورفقة عمل نقابي منذ عام 2005 تقريبا وإلى ما قبل نحو ثلاث سنوات. ومن جانب آخر وبتقدم العمر وخبرات الحياة لم أعد أتحمل الخطاب التمجيدي المجامل الذي يحجب النقد والتقييمات الموضوعية، وبخاصة في مناسبات الموت والفقد. لم أعد أطيقه حتى تجاه أحباء وأصدقاء نلتاع لرحيلهم. وأتمنى لمن يحبني ويقدرني أن ينتقدني عند موتي، وفي حياتي بالطبع.

***

بكيت ساهر قبل وفاته بأكثر من ثلاث سنوات. كنت قد علمت منه بأزمة صحية جديدة أصابته، وهو المريض بالقلب. إتصلت به هاتفيا قبل أن أسرع لزيارته. ولم اتمالك أن أمنع دموعي وأنا أرجوه أن يقلع عن التدخين. وكنت قد عايشت معه تفاصيل ومخاطر وآلام وأعباء عملية قلب مفتوح قبل نهاية عام 2011 على ما أتذكر. وقبلها عملية سابقة في شرايين القلب منعته من المشاركة بالجسد في يوم إندلاع ثورة 25  يناير. لكنه ظل إلى مساء هذا اليوم المجيد وحتى لحظة تغييبه بـ"البنج" لإجراء عملية جراحية معنا بروحه ووجدانه وتوقده متابعا ما يجرى في الشوارع والميادين.  وهو الذي وجهني في ظهيرة هذا اليوم للانتقال مع الزميلة الصحفية الأستاذة "منال عجرمة" من  وسط القاهرة إلى حي شبرا للحاق والالتحاق بمظاهرة انطلقت للتو حينها. وهي المظاهرة التي تمكنت بدورها من أن تشق وبالآلاف لها مسارا أسطوريا إلى وسط البلد، مزيحة من طريقها جحافل أمن مبارك .

بعد ليل اليوم نفسه وقد ملأت صدورنا وأدمعت أعيننا كثافة الغاز المسيل عند تفريق الجموع من ميدان التحرير بعد الساعة الثانية عشرة ليلا، تلقيت إتصالا على الهاتف المحمول من زوجته الفاضلة الراحلة " السيدة صفاء" تستغيث بأن ساهر في حالة خطرة جراء مضاعفات العملية الجديدة، وأنه قبل بدء العملية أوصاها بالإتصال بي. وعلى الفور انتقلت بسيارتي من المعادي إلى مصر الجديدة، وأخذت معها نبحث في كل ما يصادفنا من مستشفيات على أكياس دم بفصيلة مناسبة لإنقاذه. ولم يكن الأمر سهلا أبدا. 

  لذا ظللت مندهشا ومستاء ومرعوبا من عناده وإصراره على مواصلة التدخين. وربما يفسر هذا كيف بكيته بحرقه وفي حضوره قبل أن يتوفى بما يزيد على ثلاث سنوات؟. والحقيقة أن ساهر كان إنسانا بالغ الحيوية وكريم العطاء للعمل العام بشقيه الوطني والصحفي النقابي، و كما سأوضح لاحقا. وفي الآن نفسه شديد التوتر والقلق والعناد، وعلى نحو ربما جعله لايقلع تماما عن التدخين. وكأنه يستعين به على موجات بلا نهاية من "حرق الأعصاب".. ومواصلة العناد أيضا.

***

عرفت ساهر في عام 2005 تقريبا ، وربما قبله بقليل. عرفته في سياق عمل عام. ولدت صداقتنا وتوطدت من خلال دوائر نضالات ثلاث: التضامن مع حركة استقلال القضاء، وتأسيس وأنشطة الحركة المصرية من أجل التغيير (كفاية) وانتزاعها الاحتجاج في الشارع ضد التمديد لمبارك والتوريث لنجله جمال وضد الاستبداد والفساد ، و كذا حركة " صحفيون من أجل التغيير" وخطابها وأدائها المتميز في مسار العمل النقابي من صفوف الجمعية العمومية والصحفيين خارجها والمنفتح على فضاء حريات المجتمع بأسره. وإلى ذلك العام الذي اعتقده مؤسسا لثورة يناير 2011 جمعتنا أحداث بلا حصر في الشارع و نقابة الصحفيين، وحيثما أتيح أمام هذه الدوائر الثلاثة وغيرها التنفس والحضور. 

كان ساهر بمثابة " الدينامو" الذي لايهدأ في العالمين الواقعي والافتراضي دفعا لمسارات الدوائر الثلاثة، ومن أجل تغيير أحوال  مصر والمصريين. وقد كان له السبق عني وعن آخرين بخاصة في العمل والإنجاز بالعالم الافتراضي. وهذا قبل ترسخ سردية لاحقة لثورة يناير تفيد بأن هذا العالم الافتراضي من اكتشاف أجيال تالية لنا من الشباب ليس إلا.  تحمل هو مسئولية العمل الإعلامي لـ"كفاية" إلى حد كبير. كما تولى مسئولية رئاسة تحرير موقعها الإلكتروني، وشجعني على كتابة مقالات تنشر به. وكان هذا في أكثر أوقات "كفاية" صعوبة، وحتى بعدما اشتدت حملة الملاحقة الأمنية ضدها، وتوالى اعتقال قيادات منها.

ولاحقا وقبيل ثورة يناير مباشرة ، كان لكلينا أن نندهش ونأسف عندما طالعنا معا موقع "كفاية"، فصدمتنا صور بأحجام مبالغ فيها تملأ نهري الموقع ( وكان في اخراجه يتميز بنهرين أو عمودين رأسيين ) لمنسق الحركة الجديد الأستاذ عبد الحليم قنديل ومسؤول الموقع نفسه الشاب الأستاذ "محمد عبد العزيز". وللتو بدا لنا معا أن "كفاية " وصل بها الحال إلى إعادة انتاج سوءات نظام مبارك وعبادة الفرد. وبالطبع كان لموقع "كفاية " خلال مسئولية ساهر حال مختلف وشأن آخر تماما. وقد نجح في جعله ساحة لحوار حر ديمقراطي وموضوعي  بين مكوناتها المتنوعة ومع مجتمع يفور بالرغبة في التغيير. وقد انعكس ما أدهشنا عشية الثورة في تدهور ملحوظ وكبير على أعداد  متابعي الموقع وترتيبه على شبكة " الإنترنت"، ومقارنة بما كان عليه قبلها مع إدارة ساهر له.

من جانبي لم أكن قياديا في "كفاية"، لكنى لم اتخلف عن المشاركة في أنشطتها بما في ذلك ـ بل وأقول بخاصة ـ الخروج في الشارع. لكن ساهر بحكم الصداقة الوثيقة كان يطلعني وبصراحة ـ وكذا آخرين ـ على خلافات داخل القيادة كادت تعصف بها غير مرة. وهو يستحق أن يتم ذكره وتذكره بجهوده المخلصة في التقريب بين الفرقاء، ولم الشمل، واستمرار الحركة عبر انتقال مسئولية منسقها العام من العزيز الأستاذ جورج إسحق إلى الراحل العزيز الدكتور عبد الوهاب المسيري.. وهكذا. وما كان لساهر أن يقوم بهذا الدور التجميعي التوفيقي والإنقاذي إلا لتقبله جميع الإتجاهات والتيارات الفكرية السياسية المؤسسة لـ"كفاية" وانفتاحه عليها جميعا، وحرصه الشديد ودأبه الذي لايكل من أجل بناء هذه الوحدة في مواجهة سلطة الاستبداد والفساد. ولذا فإنني سأظل حائرا بشأن ما اعتقده  "صمتا" أو "سلبية" من جانبه إزاء منحنى التدهور في "كفاية"، ووصولا إلى مشهد الختام ـ بالنسبة لي ـ حين حضرت في نقابة الصحفيين 12 ديسمبر 2013 احتفالا بالذكرى السابعة لتأسيسها. أم أنني هنا أحمله ما يخرج عن طاقته وقدراته؟.. لا أدرى. لكن ما يعلق بذاكراتي أنه لم يجهر خاصة في ظروف أكثر انفتاحا بعد ثورة يناير بما كان يستحق أن يقال وعلنا بشأن "كفاية" ومستقبلها ومصيرها.

***

و لعل الثقافة الديمقراطية المنفتحة على  التعدد والتنوع هي التي جمعتني أيضا به خلال مسيرة ومسار حركة " صحفيون من أجل التغيير " التي شرفت بمسؤولية منسقها العام. وقد كان علينا معا أن نواجه نزق وأمراض الحلقات والشلل السياسية ذات الميول الإقصائية، وبخاصة بين "اليساريين الدولتيين" أو "السلطويين" ، والتي سعت مرارا لإخراج الحركة عن كونها مظلة للتعدد والتنوع بين صحفيين تجمعهم أهداف مشتركة ، أو للإجهاز على استقلاليتها وطابعها الديمقراطي. كما كان هو مدركا ومطابقا للوعي مع القول والفعل بشأن الحفاظ على استقلالية "صحفيون من أجل التغيير" عن "كفاية " وغيرها. وهذا لاعتبارات عديدة منها ماهو مبدئي، ومنها ما يتعلق بأن العديد من مؤسسى وأعضاء الحركة من الصحفيين لم يكونوا في "كفاية". 

  وهنا وفي هذا السياق، أشهد له مثابرته كـ "دينامو" لأنشطة "صحفيون من أجل التغيير" إلى النفس  الأخير. لم يترك يوما الحركة حتى بعدما انحسر عنها زخم البدايات والأشهر الستة الأولى الحافلة بالنشاط والفوران والعمل بعد تأسيسها في يونيو 2005. ولم يكن أبدا ممن وقعوا على بيان التأسيس وحضروا فعالية أو اثنتين أو ثلاث، ثم اختفوا على غرار ناس "اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هنا قاعدون". مرت علينا معا محطات صعبة قاسية، أتذكر منها حين نظمنا يوما حافلا بالأنشطة المتنوعة بنقابة الصحفيين للمطالبة بالافراج عن المعتقلين السياسيين في 11 أغسطس 2005. وهو يوم كاد يصيبني في ختامه بإحباط دائم حاسم نتيجة ضعف حضور ومشاركة الزملاء الصحفيين أنفسهم، لولا ساهر. 

وأندهش إلى اليوم عندما أتأمل الآن كيف ظل هو بإصرار يدفع ويدفعني إلى أنشطة جديدة باسم حركة " صحفيون من أجل التغيير" من حين لآخر ومناسبة تلو أخرى، و لنحو عام بعد استقالتي من مسئولية منسقها العام  في 20 ديسمبر 2005 ؟. وهكذا وكأنه يبعثها كل حين كـ" العنقاء" من الرماد تلبية لحاجات موضوعية وأحداث داهمة تلح بها أحوال الصحافة والصحفيين مهنة ونقابة وحريات وحقوقا. لكني سأظل ـ وبالمقابل ـ مندهشا ولواما لأن ساهر لم يتقدم لقيادة "صحفيون من أجل التغيير" سواء بنفسه هو، أو عبر الصيغة الجماعية ( خمسة زميلات وزملاء تم انتخابهم عند استقالتي وكان من بينهم ). وهي صيغة كنت وظللت مؤمنا بها منذ إنطلاق وتأسيس الحركة . وللأسف هذا أمر لم يتح لنا خلال نقاشاتنا وعلاقتنا التوصل بشأنه إلى نتيجة ومبرر يقنع. 

***

ولقد كان ساهر هو من دفع ضريبة العمل من أجل الدوائر الثلاث انطلاقا من عام 2005 في المحابس أكثر منى وغيرنا وبكثير . شخصيا لم ينالني إلا حبس ساعات، واعتداءات بدنية محتملة من أمن مبارك في الشارع ثلاث مرات. تعرض هو للاعتقال قرب منزله بشبرا في 6 أغسطس 2005 بينما خرجت صحيفة "أخبار اليوم" في صباح اليوم نفسه بصور ـ رأيناها مفبركة ومنتزعة من السياق ـ لذراعه وقبضة يده تمتد عبر حاجز كثيف من قوات الأمن خلال وقفة لـ"كفاية" بميدان الأوبرا نحو ضابط شرطة. ولقد كان في الإمكان حينها تنظيم حملات ضغط سواء من "صحفيون من أجل التغيير" أو "كفاية "،فجرى إطلاق سراحه بعد نحو يومين. لكن الصحفيين في "أخبار اليوم" المتورطين في نشر أمني تحريضي يبرر الإعتقال كهذا لم يحاسبوا نقابيا أبدا. 

وفي المرة الثانية استمر الحبس أسابيع عدة حين قامت قوات أمن مبارك مساء يوم 26 أبريل 2006باختطافه وصحفيين ورموز ديموقراطية أخرى خلال وقفة للتضامن مع استقلال القضاة والقضاء فوق سلم نقابة الصحفيين . وبعد تجربتي الحبس خرج ساهر كما هو مواصلا عمله من أجل الحريات والحقوق ، وكأن شيئا لم يصبه أو يرهبه. صحيح ظل وبقينا معه نخشى إعادة اعتقاله و من منزله غير مرة لاحقا، لكنه لم يتغير أو يتراجع.

***

 دفاعا عن استقلالية النقابة واحتراما لمكانة نقيبها ودرءا لشبهات تضارب المصالح، تقدمنا ـ ساهر والعزيز الأستاذ هشام فؤاد (معتقل وسجين الرأي حاليا) وأنا ـ بمشروع قرار أمام الجمعية العمومية للصحفيين في 19 مارس 2019  يحظر ترشح موظف حكومي لأي منصب في مجلس النقابة، بما في ذلك النقيب. و تبنته الجمعية تحت رقم 13.

وكنت قد بادرت باقتراحه وصياغة مسودته ودافعت عنه أمام اجتماع الجمعية، وبعدما تحمس له الزميلان ساهر وهشام. وأظن أن هذا آخر عمل مشترك جمعني به. 

بعدها  ـ و للأسف ـ طرأ موقف شخصي فيما لا يتعلق بعمل عام أو نقابي أصاب علاقتنا، وتباعدنا حتى وفاته. وقبل أن ألومه، ألوم نفسي اليوم لأن ما تبقى من الحياة لايحتمل الاستمرار في الجفاء. صحيح لم أتورط في الإساءة إليه، أو أجاهر بشكوى، أوأسر بعتاب في غير محله. وقد كان بالفعل لصديقين اثنين مشتركين لا أكثر.  لكنني سأظل ألوم النفس. فما بيننا من سنوات مدهشة وقاسية كان أهم وأبقى .

ومع هذا وربما ولهذا ، فقد ظللت دون جدوى أنتظر أن يأتي ساهر ويحضر في مناسبات عمل نقابي عام ، كاعتصامات خضناها مع عدد من الزميلات والزملاء بين يونيو ونهاية سبتمبر 2019 طلبا لإطلاق سراح الزميلين الأستاذين هشام فؤاد وحسام مؤنس ، كما توقعت أن يأتي لقاعة المحكمة دفاعا عن قرار الجمعية العمومية المشار إليه سابقا وفي الدعوى التى رفعتها أمام مجلس الدولة ربيع 2021 أثناء ترشحي لموقع نقيب الصحفيين أو بعدها. لكنه أيضا لم يأت أو يتواصل. كان بإمكانه أن يتأخر عن المواعيد كما اعتاد خلال سنواتنا السابقة. وكان بإمكانه ألا يبدي اكتراثا بتبرمي من تأخره، وكما كان يفعل كثيرا ، لكنه لم يأت مطلقا. 

وأظن لا هو ولا أنا من غياب النضج لأن نجعل خلافا أو موقفا شخصا يحول دون أن نشترك مجددا في عمل نقابي وعام.. أم أن السبل قد افترقت بنا، واختلفت خيارتنا في العمل النقابي؟.

.. صديقي ساهر جاد 

 كان لابد من مصارحة وعتاب. لكن الموت كان أسرع وأسبق إلى واحد منا. وللأسف كنت أنت لا أنا. ويبقى أننا عشنا معا سنوات مدهشة وقاسية. أقدرك واحترمك لأجلها. رحمك الله وغفر الله لك ولي . 
-----------------------------
بقلم: كارم يحيى
من المشهد الأسبوعي




مقالات اخرى للكاتب

جامعة دول النقب..!
اعلان