27 - 11 - 2022

ما لم تكشفه التحقيقات في اغتيال شيرين أبوعاقلة

ما لم تكشفه التحقيقات في اغتيال شيرين أبوعاقلة

تتوالى المطالبات اليومية بضرورة فتح تحقيقات دولية في استشهاد الإعلامية شيرين أبوعاقلة، دُرة الصحافة الفلسطينية وأيقونتها وواحدة من  أبرز فرسان الكلمة التي لطالما عرّت الاحتلال الإسرائيلي عبر منبر الكلمة، ونقلت من خلال الكاميرا، معاناة أمهات الشهداء والأسرى والقدس، والمخيمات والاعتصامات واقتحامات المدن والقرى والانتهاكات شبه اليومية التي يقوم به جنود تل أبيب، والتي لا تغيب عن كل ذي بصيرة..

اغتيال الفلسطينية شيرين أوعاقلة برصاص الاحتلال الإسرائيلي قبل منتصف الشهر المنصرم، في أثناء اقتحام مدينة جنين ومخيمها، لاقى تنديدات على المستويات كافة، بداية ممن يرى في التطبيع حلاً لمشكلات المنطقة وتقوية لها أو تحالفًا ضد قوى أخرى عبر عقد اتفاقات في مجالات مختلفة، تخدم أول ما تخدم إسرائيل نفسها التي بدت تُظهر للعيان مخططها بل وتجاهر به ولو عبر مستوطنيها المتطرفين الذين استباح عشرات الآلاف منهم اقتحام الأقصى رافعين أعلام بني صهيون في قلب باحات أولى القبلتين وثالث الحرمين، ومرورا بإسرائيل نفسها التي حاولت أن تفلت، أو هكذا أظهرت، أنها ستجري تحقيقاتها عارضة على السلطة الفلسطينية المشاركة والتي رفضت بدورها التعاون مع القاتل، وليس انتهاءً بحلفاء تل أبيب كأمريكا وغيرها الذين أقروا بشاعة القتل بل نشروا بيانات رسمية تندد بما أتيح من مقاطع فيديو تفضح تعدي المجرمين على جنازة الشهيدة وعلى من يحملون عرشها في الطريق إلى مواراة جثمانها.. هذا علاوة على استنكارات مجلس الأمن والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، ودول مجلس التعاون الخليجي، والنقابات المختلفة، كما يأتي على رأس كل هؤلاء الشباب العادي البسيط وجل من له حساب على مواقع التواصل الاجتماعي الذي استذكر موقف استشهاد الطفل محمد الدرة قبل ما يزيد على عقدين من الزمن.

النائب العام الفلسطيني أكد في مؤتمر صحفي قبل أسبوع، أن التحقيقات أثبتت إطلاق أحد عناصر القوات الإسرائيلية عيارًا ناريًّا أصاب شيرين، بشكل مباشر في الرأس، ما أدى إلى تهتك الدماغ جراء الإصابة بالمقذوف الناري.. ومع توالي التأكيدات طالبت، ولا تزال، العديد من البلدان والمنظمات بضرورة فتح تحقيق دولي ومستقل، وكأنهم لا يشاهدون انتهاكات الإسرائيليين ليل نهار، والتعدي على المقدسات الإسلامية منها والمسيحية، قبل اعتقالهم يوميًا عشرات الشباب الفلسطيني الذين كتب عليهم الرباط دفاعا عن تراب بلادهم..

قد تكون التحقيقات كشفت كيف وأين ومتى وبأي سلاح ارتكب الاحتلال جريمته بحق تاج الصحافة شيرين أبوعاقلة؟.. لكن وربما أيضًا لأنه ليس من اختصاصات النيابة التطرق إلى الأسباب التي أدت إلى هذا الحادث الفج باعتباره أنه لم يسق لدلائل جديدة تؤكد عملية القتل.. إلا أن الأمر يستحق الرجوع إلى ما قبل تنفيذ عملية الإعدام، ولو قليلا..

في الأونة الأخيرة التي سبقت العملية الإرهابية تلك- والتي تستحق محاسبة قاسية من مجتمع لطالما صمت عن انتهاكات الإسرائيليين- بدا جليا كيف أضحى مصطلح أمن إسرائيل الذي لا يُقهر باهتًا وجعجعة، وذلك بعد تسلل شباب لقلب تل أبيب وقطعه عشرات الكيلو مترات، وتنفيذه أكثر من عملية ضد جنود احتلاليين للأراضي الفلسطينية، وفشل ذاك الجهاز الأمني في العثور على عديدهم ليلجأ يوميا لمحاصرة منازل ليست بمأمن مادامت أقدام بني صهيون تدنس عتباتها وهدم أخرى، والتي كانت الراحلة الحاضرة شيرين واحدة ممن يرصدون هذه المحاصرات..

أمر آخر ربما لا علاقة بحكومة نفتالي بينيت قبل أن يتولى السلطة خلفا لبنيامين نتنياهو، يتمثل فيما عُرف إعلاميًا بمعركة سيف القدس في مايو 2021، الشهر نفسه الذي اغتالت فيه رصاصة إسرائيلية شيرين.. ولا يغيب على أحد كيف جسدت هذه المعركة التي شنها الاحتلال على قطاع غزة واستمرت أحد عشر يومًا نقطة تحول في المقاومة الفلسطينية التي صمدت في وجه أعتى الآلات الحربية، وفشلت قبة حديدهم التي لطالما تغنوا بها في التصدي لصواريخ الفصائل، حتى هز البعض منها قلب تل أبيب، الأمر الذي دفع الاحتلال حينها للسعي إلى لملمة الأوراق في الضفة الغربية والداخل، بعد أن تركت ارتدادة مدوية في إسرائيل على المستويين الرسمي والشعبي، "ربما" دفعت في التفكير مليًا في كيفية استفادة بينيت مكسبا سياسيا على حساب انكسار نتنياهو، والذي بدأ يتحقق بالفعل برحيل الأخير عن المشهد السياسي وإن طل بوجهه بين حين وآخر لانتقاد فقط خلفه، ووصفه الحكومة الحالية بالضعيفة والعرجاء..

ثالثة الأثافي خسارة الائتلاف الحكومي الإسرائيلي برئاسة نفتالي بينيت أوائل أبريل الماضي غالبيته البرلمانية مع إعلان نائبة يمينية انسحابها منه، وهو ما تسبب في تراجع تحالف الأول، وجعله متساويًا مع مقاعد المعارضة.. ورغم إمكانية استمرار بينيت وتحالفه مع 60 مقعدا، فإنه لن يكون بمقدوره تمرير تشريعات جديدة، بل يمكن كذلك إجراء الكنيست تصويتا بحجب الثقة حال انشق عضو آخر في الائتلاف، وربما يقود ذلك العبرانيين لانتخابات تشريعية خامسة خلال 4 سنوات من حالة عدم الاستقرار السياسي، وهو ما لاقى استحسان المعارضين وعلى رأسهم نتنياهو الذي دعا صراحة إلى انسحاب  الأعضاء والانضمام لمعسكره في حزب الليكود اليميني، حسبما أُعلن آنذاك.

كل ذلك، والذي يمثل غيضًا من فيض، أرهق عقل وفكر الإسرائيليين، الذين فيما يُعتقد، أنهم توصلوا لضرورة ارتكاب حادث يعلمون جيدًا أن أصداءه ستطرق آذان الجميع، لا سيما وإن كانت فريستهم بحجم ومكانة الفلسطينية الصحفية شيرين أبوعاقلة التي تحمل كذلك الجنسية الأمريكية، ومن ثم يضمنون صرف أنظار الرأي العام الداخلي والخارجي عن فشلهم وقبتهم وحكومتهم ونظامهم وارتباكهم، وتحويل الانتقاد لدفة أخرى يعون جيدا أنه لن تطال سوى التنديدات والاستنكارات في ظل صمت مجتمع دولي على جرائم، لا شك، عن جرائم أبشع وأكثر إيضاحًا للجميع..

وفي الأخير برحيلك يا شيرين لن ترحل فلسطين، ولن تنتهي جرائم الاحتلال الذي يواصل اغتيالاته حتى قبل كتابة هذه السطور باستشهاد شاب في العقد الثالث من عمره ببيت لحم ومن قبله الشابة غفران وراسنة شمال الخليل، ويبقى القوس مفتوحًا ما دام الاحتلال يُشهر البنادق في صدور ممسكي الحجارة..

وستبقى كلماتك يا شيرين:  "لن أنسى أبدًا حجم الدمار ولا أن الموت كان أحيانًا على مسافة قريبة، لم نكن نرى بيوتنا، كنا نحمل الكاميرات ونتنقل عبر الحواجز العسكرية والطرق الوعرة، كنا نبيت في مستشفيات أو عند أُناس لم نعرفهم ورغم الخطر كنا نُصر على مواصلة العمل".. ستبقى  شاهدة لكِ وحافزا لكل صاحب قلم وكلمة، مسطِّرة تاريخًا ناصعًا ومصلتا في الوقت نفسه السيف على رقاب الاحتلال وجنوده، إلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولاً…"
-------------------------
بقلم عزت سلامة العاصي

مقالات اخرى للكاتب

عامل ومُعلم ومُحرر
اعلان