30 - 06 - 2022

شيرين أبو عاقلة شهيدة ولكن ..

شيرين أبو عاقلة شهيدة ولكن ..

بمجرد أن أعلنت وسائل الإعلام خبر استشهاد المراسلة الصحفية شيرين أبو عاقلة، انقلب الفيس بوك رأسا على عقب؛ فما بين التنديد بهذه الجريمة البشعة، وما بين صب اللعنات على الكيان الإسرائيلي، وما بين استدعاء جرائم سابقة من خلال المقاربة بين موتها وموت محمد الدرة ووضعها في صورة واحدة جنبا إلى جنب.

 تنفسنا للحظات رائحة الحرية في يوم طويل تحول فيه الفيس بوك لانتفاضة عربية أو هكذا كنت اريد. لأنه (جرت الرياح بما لا تشتهي السفن) العربية، فبدلا التركيز على الحدث وتسجيل موقف موحد يعرف من خلاله العالم أجمع مدى قوتنا الحقيقية على الفيس بوك انفرط العقد مع أول سؤال عنصري عن ديانة شيرين أبو عاقله! ولهثت الصحف الصفراء في كتابة موضوعات "سلق بيض" لتركب التريند وتحقق مشاهدات ولو على حساب القضية الفلسطينية والإنسانية، ولم يراعوا حرمة الموت (زي ما بنقول عندنا في الصعيد دي دمها لسه مابردش) فالتريند عندهم كان أهم من أي شيء. ما من مشتغل داخل الوسط الإعلامي إلا ويعرف الصحفية الفلسطينية بنت القدس مراسلة قناة الجزيرة شيرين أبو عاقلة، والتي تمتهن الصحافة والنضال؛ فهي مراسلة صحفية ومناضلة فلسطينية اختارت هذا العمل الشاق لتناصر قضيتها، وكان من السهل عليها اختيار بدائل آخرى. 

كانت قناة الجزيرة أذكانا واسبقنا جميعا؛ فعلى طريقة بيلاطس البنطي غسلت يديها وأعلنت خبر وفاة "أبو عاقلة" ووضعته في إطار "الشهادة"! وهو ما اشعل وسائل التواصل الاجتماعي بعد ان عرف الجميع ان ديانة "أبو عاقله" هي المسيحية، وما بين فريق متعاطف معها لأ لكونه يعرفها؛ بل لأن اسمها مرتبط بأهم قضية عربية، ورغم ذلك رفض هذا الفريق رفضا تاما وصفها بشهيدة، وفريق آخر أيضا لا يعرفها لكنه وقف ضد الفريق الأول من باب العند ومن باب إحساسه الدائم بالتهميش والتقليل من شأنه؛ فكلمه شهادة عند هذا الفريق معنوية أكثر منها دينية وعدم حصوله عليها يُأخذ على محمل الكرامة. 

نجد دائما فريقا ثالثا متعقلا مدركا للموقف بكل أبعاده، ورغم قلة عدد هذا الفريق إلا انه مؤثر بشكل كبير جدا؛ ودائما وأبدا ما ينظر هذا الفريق شديد الخصوصية والتكوين للأمور بشكل موضوعي إنساني بعيدا كل البعد عن الجانب الديني – فهذا الفريق تجاوز هذا المحنة منذ زمن بعيد-  

قام هذا الفريق في سلاسة متناهية بالترحم عليها وبوصفها شهيدة؛ بل واطلق قنبلة في وجه الجميع بسؤال حقيقي (من يملك مفاتيح السما؟) كانت الإجابة لا أحد. وكأنه يقول للجميع أذن ندع هذه الإجابة لله وحده؛ فله في خلقه شؤون. 

الفريق الذي ترحم على "أبو عاقله" فعل ذلك من باب الإنسانية ومن باب المشاركة الوجدانية ومن باب فهم القضية ووضعها في سياقها وأيضا من باب مكايدة التيارت المشتددة التي احتكرت الجنة لنفسها وجرتنا لصراع هامشي تمحور كالمعتاد حول الديانة بفكر إحادي كالعادة؛ فتشتتنا عن هدفنا الإساسي، وبدلا من الهجوم على القاتل الحقيقي أصبحنا نهاجم بعضنا البعض. دعني أصارحك عزيزي القاريء بأن الشهادة في  المسيحية هي أن تموت دفاعا عن المسيحية، وما عدا ذلك لا يعتبر شهيدا سواء كان مسيحيا أو غير مسيحي – مع ملاحظة ان المسيحية بداخلها طوائف كل طائفة منهم تحتكر السماء لنفسها - وبالنسبة للإسلام نفس الوضع هناك ضوابط تحكم وتتحكم في مثل هذه الأمور لان الشهادة في الإسلام لها شروط، وهذا شيء لا يعيبهم ولا يقلل منهم، ولا يضعهم موضع اتهام، هذه هي طبائع الأمور لكل دين أبعاده التي يحكم ويُحكم من خلالها. 

إذن أين المشكلة ؟

ببساطة متناهية مع تصاعد موجة الأفكار المتشددة واستسلام المجتمع وانبطاحه والتضييق على أصحاب الرأي بدلا من تركهم يفندون هذه الأفكار المتشددة، وبقيام الحكومات –أحيانا - بعمل مواءمات سياسية تصدر صوت واحد ونوع أحادي من التفكير بدلا من التعدد والتنوع الذي عاشته مصر لفترات طويلة؛ فوقفنا نشاهد تغيرات جذرية تحدث من حولنا في المجتمع، ووقفت إلى جوارنا لغة المجاز عاجزة عن الصمود؛ لأن الشهادة ارتبطت بالمنظور الديني فقط، ولم يعد هناك شهيد الواجب وشهيد الوطن وشهيد الكلمة وكلها معان مجازية؛ فهل عندما نقول (رب البيت) هل أصبح الأب رب؟ بالطبع لا!. هل عندما نقول بنات أفكاري؟ هل للأفكار  بنات؟ بالطبع لا! كلها تعبيرات مجازية، واللغة العربية لغة ثرية قوية متماسكة رصينة مبنية على المجاز؛ فكيف للغة المجاز يعاني أهلها من فهم بواطن الأمور والأخذ بظواهر الأشياء، وهو ماحدث مع  "أبو عاقلة" نسينا قضيتنا الأساسية وتفرعنا؛ فكان من الطبيعى ان يقوم الفيس بوك بحذف تعليقاتنا ومصادرة أصواتنا لأنها أصوات فردية. تخيل معي لو تم توحيد الصف وقمنا بفتح حوار مجتمعي موسع وتم الاتفاق مثلا على مقاطعة بعض المنتجات أو بعض وسائل التواصل الاجتماعي؛ كالواتس لكانوا تكبدوا خسائر مالية كبيرة وكانوا عرفوا قوتنا وكنا سجلنا موقفا تاريخيا، لأن الفرصة كانت سانحة؛ فالعالم كله وقف يراقبنا، ولأننا  دوما نناضل بالصوت والحنجرة خسرنا كالعادة، وكما قال نزار قباني في ديوانه هوامش على دفتر النكسة (بالناي والمزمار لا يحدث انتصار) كما قال في نفس الديوان (إذا خسرنا الحرب لا غرابة – لأننا ندخلها – بكل ما يملك الشرقي من مواهب الخطابة – بالعنتريات التي ما قتلت ذبابة) وفي موضع آخر في نفس الديوان يقول (خلاصة القضية توجز في عبارة – لقد لبسنا قشرة الحضارة وروح الجاهلية) ، فأيا كان المكان الذي ذهبت إليه شيرين أبو عاقلة؛ فلن يكون إلا أفضل كثيرا من المكان الذي سيذهب إليه الكثيرون حيث مزبلة التاريخ.

----------------------

بقلم : مينا ناصف



مقالات اخرى للكاتب

الحجاب ود. سعد الدين الهلالي والطلاق في المسيحية
اعلان