30 - 06 - 2022

تفاصيل جديدة في خلفيات قضية صفع السيدة القبطية

تفاصيل جديدة في خلفيات قضية صفع السيدة القبطية

 في مقالي السابق تحدثت عن طبيعة الريف المصري، والذي يحكمه منطق مغاير عن المدينة، وذلك لانتشار الأفكار المتشددة – في كل المواضيع وعند كل الأطراف - والتي تنمو في أرض الجهل الخصبة، ولبعد القرى عن الانظار؛ فتصبح مرتعا لكل ما هو موحش؛  فينمو التعصب سريعا كالسرطان الذي ينهش في جسد المجتمع المصري متغذيا على العادات والتقاليد البالية، والتي لا تضمن تحقيق العدل؛ فحادثة الصفع المهينة والتي تنتقص من رجولة أي شخص يتعدى على سيدة ضعيفة خير دليل على ذلك؛ فما بالك بصفعة حدثت على "الهوية" مثلها مثل القتل على الهوية! نعم؛ فهناك قتل معنوي. مثل القتل المعنوي الذي شاهدناه جميعا في الصورة التي انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي، والتي التقطت فور انتهاء جلسة العار، والتي يسميها البعض "جلسة عرفية" قُدمَ فيها اعتذارا – لا قيمة له - عما حدث، ووفق ما تداولته وسائل التواصل الاجتماعي؛ فان مرتكب الواقعة دفع غرامة مالية!. حدثت واقعة الصلح يوم الجمعة الموافق 29 ابريل 2022 ليسجل تاريخ قرية (سبك الأحد) سطرا جديدا في يوميات (دائرة الدم والنار) ففي يوم الثلاثاء الموافق  9/أبريل/2019 – خرجت علينا جريدة الدستور بهذا المانشيت الصادم واصفة الوضع الانتخابي بدائرة أشمون الإنتخابية بمحافظة المنوفية. هل تعلم عزيزي القارىء ان اقدارنا تشبهنا هكذا تقتضي طبائع الأمور، والمثل الشعبي يخبرنا بأن (من شابه اباه فما ظلم)، ولكن وعلى عكس المعتاد والمتوقع؛ فقد ضربت صفعة قرية (سبك الأحد) لوجه سيدة قبطية بالمنطق عرض الحائط ف (شبيه الشيء لم يعد منجذبا إليه)، وعلى غرار "خالف تعرف" خالف الصيدلي الذي صفع السيدة المنطق الذي تعيشه قرية (سبك الأحد)، والتي نجحت فيما فشل فيه غيرها؛ فهذه القرية الصغيرة يسكنها الأجانب من الروس والامريكان والاستراليين والصينين، وغيرهم ومن مختلف دول العالم؛ كما يعيش على أرضها السودانيون والكويتيون والمغاربة؛ فالجميع يأتي إليها مشهرا إسلامه ليعيش في رحاب قرية يقطن فيها قطب سلفي كبير وهو الشيخ محمود سعيد رسلان. ولأن ميزان العدل اختل وكل شيء في مجتمعنا صار معكوسا؛ فأصبح جزء من أصحاب الأرض ضيوفا؛ فضاقت القرية بالسيدة القبطية، واتسعت للأجانب لتصدق الأبيات التي كتبتها الشاعرة نور عبد الله (ليه اللي جايلك اجنبي – عارفه عليه تطبطبي – وتركبي الوش الخشب وعلى اللي منك تقلبي – عارفة سواد العسل – أهو ده اللي حالك ليه وصل) تستمر الشاعرة في عرض تناقضات المجتمع المصري من خلال أبياتها الشعرية (يا بلد معانده نفسها يا كل حاجة وعكسها) فالقرية والتي تبعد عشرات الكيلو مترات عن مركز أشمون بمحافظة المنوفية والتي يتخطي تعداد سكانها الـ 30 ألف نسمه، يقطن بها قطب من أقطاب السلفية المصرية تحول من الجراحة والطب إلى الفقة والسنة والحديث، وأصبح من أشهر الدعاة الإسلاميين والذي يتوافد على محاضراته الكثيرون. 

ينتمي "رسلان" للمدرسة السلفية المدخلية ولهذا الشيخ أفكار خاصة به وحده دون غيره؛ فقد نشر موقع "مصراوي" يوم الخميس  20 سبتمبر 2018 وتحت عنوان (وصف الإخوان بـ"الخوارج".. من هو الشيخ سعيد رسلان الممنوع من الخطابة؟). أن هجوم "رسلان" على جماعة الإخوان أثار حفيظة أنصار تيار الإسلام السياسي، والمعروف عنهم تأييدهم للجماعة؛ حتى وان اختلفوا في المنهج والفكر ، ففي نهاية الأمر جميعهم يتعاملون مع الإخوان بمنطق واحد مننا، وبتاريخ 19 سبتمبر 2018  وتحت عنوان  (الأوقاف تلغى تصريح خطابة السلفى محمد سعيد رسلان وتمنعه من صعود المنبر) نشر موقع اليوم السابع تقريرا عن الصراع الدائر بين الأوقاف والشيخ السلفي،  وعن أسباب المنع وبحسب ما نُشر في التقرير؛ فان الأوقاف أشارت إلى انها (لن تسمح لأحد كائنا من كان بالتجاوز في حق المنبر أو مخالفة  تعليمات الوزارة أو الخروج على المنهج الوسطى أو اتخاذ المسجد  لنشر أفكار لا تتسق وصحيح الإسلام ومنهجه السمح الرشيد، كما أنها لن تسمح لأحد كائنا من كان شخصا أو حزبا أو جماعة باختطاف المنبر أو الخطاب الدينى وتوظيفه لصالح جماعة أو أيدلوجيات منحرفة عن صحيح الإسلام). 

تصريحات "الأوقاف" واضحة وضوح الشمس فالخلاف هنا سببه آراء "رسلان" والتي ناقشها الكاتب أحمد الجدي في مقالة نشرت بموقع "رصيف 22 "  يوم السبت الموافق  10 مارس وتحت عنوان (محمد سعيد رسلان... الشيخ السلفي الذي حارب الثورات ورفض الديمقراطية والانتخابات) وضح  "الجدي" رفض "رسلان" لفكرة الخروج على الحكام والقيام بثورات ضدهم لإسقاط حكمهم، حتى ولو كانوا فاسدين وظالمين. كما وصف "رسلان"  ثورات الربيع العربي بأنها فوضى خلاقة لا تمتّ إلى الإسلام بأية صلة، رفض أيضا "رسلان" فكرة الانتخابات بكافة صورها وأشكالها واعتبرها حراماً شرعاً؛ كما انه رفض فكرة تأسيس الأحزاب والجماعات. 

قد تبدو هذه الأفكار غريبة وغير مقبولة لدى الكثيرين إلا ان المثل المصري يقول (لكل فولة كيال، ولولا اختلاف الأذواق لبارت السلع). فما يرفضه غيرك تقبله أنت وما تقبله أنت يرفضه غيرك، وغيرك كثيرون من محبي الشيخ السلفي. ومنهم الصيدلي الذي صفع السيدة القبطية هكذا تخبرنا صفحته على فيس بوك والفيديوهات الموجودة عليها والتي يتحدث فيها "رسلان" في أمور كثيرة. 

حقيقة الأمر نحن أمام معضلة كبرى؛ فالأقباط وحدهم لديهم أكثر من طائفة وكل طائفة لها فكرها وكذلك الحال بالنسبة للسلفيين ولأهل السنة والصوفيين ناهيك عن  البهائيين ومن ليس لديهم ديانة من الأساس، علاوة على البدو وسكان الواحات وأهل النوبة وغيرهم، والذين تعلو الاعراف لدى كثير منهم على ما عداها. كل أطياف هذا التنوع قد تجتمع على شيء وتختلف على أشياء؛ مما يدعونا لفتح حوار مجتمعي نعيد من خلاله النظر إلى  الأطر العامة التي تحكم حياتنا، مع وجود ضمانات تضمن عدم توغل فئة على أخرى؛ بل وتضمن تطبيقا عادلا للقانون من منظور مدني يضمن المساواة للجميع؛ لان الأمور باتت ملغزة والصمت يجعلنا نضرب أخماسا في أسداسا؛ خاصة واننا نعيش تناقضات مجتمعية رهيبة؛ فالقرية التي تضم مختلف الفئات والملل والجنسيات تضيق على جزء من أهل البلد مما يلقينا في دوامة من الأسئلة؛ فنجد في فيديوهات الشيخ "رسلان" إجابة لأمور كثيرة. 

فمنذ أربع سنوات نُشرت مجموعة فيديوهات تحرم تهنئة المسيحيين بأعيادهم وما إلى ذلك. وعن نظرة "رسلان" للمرأة نجد له فيديو بعنوان (مهما كانت المرأة هي مرأة وينبغي ان تلزم حدها)  وفي فيديو منشور بتاريخ في 11‏/09‏/2021 نجد الرئيس عبد الفتاح السيسي يتحدث عن حرية المعتقد ثم يتحدث بعدها "رسلان" عن ما هو عكس ذلك، فمن قام بتركيب المقطعين ووضعهما في سياق واحد أراد تمرير فكرة محددة، وهي ان ما تقوم به الدولة من محاولات جادة لتقريب وجهات النظر بتوضيح جوهر الفكر السليم تقوم هذه الجماعات بهدمه، وفي حلقة نارية قام خلالها اليوتيوبر عبد الله الشريف بوصف "رسلان" بالمخبر!. 

ولأن مصر بلد العجب العجاب وكما قال المتنبي (كما ذا بمصر من المضحكات) فمنذ فترة خرج علينا كاتبان كبيران من المقربين للسلطة يدافعان عن الشيخ رسلان، ويطالبان الأوقاف بالتراجع عن منعه من صعود المنبر. وقتها تساءلنا أي تضارب هذا؟ انحارب التشدد أم نطالب بوجوده؟ الأغرب انني لست مع منع أي فكر؛ أنا مع مناقشة كل فكر ولكن في عقر داره؛ مع وجود ضمانات كافية تؤمن جميع الأطراف، لأن ترك الأمور هكذا غالبا ما يؤدي إلى كوارث (وأدينا شايفين النتيجة) مغالاة في تطبيق الدين وتشدد في الأراء يتبعه هياج مجتمعي واحتقان طائفي كنا جميعا في غنى عنه، وعلى النقيض تماما ترحاب أزهري ومجتمعي بمختلف الأديان، ولهذا لابد من وقفة جادة لتوحيد الصف بدلا من السير في طرق معوجة. 
--------------------------
بقلم : مينا ناصف


مقالات اخرى للكاتب

الحجاب ود. سعد الدين الهلالي والطلاق في المسيحية
اعلان