09 - 08 - 2022

صفعة على وجه سيدة مصرية تحولت لصفعة على وجه المجتمع

صفعة على وجه سيدة مصرية تحولت لصفعة على وجه المجتمع

أصبحت الأمور واضحة وضوح الشمس نحن أمام ثلاثة فرق؛ الفريق الأول والذي قاطع الانتخابات الرئاسية التي كانت بين المعزول د. محمد مرسي والفريق أحمد شفيق؛ ففي نظرهم لم تكن تلك الانتخابات معبرة عن ثورة 25 يناير، والفريق الثاني الذي انتخب الرئيس المعزول د. محمد مرسي ولازال أغلب أنصار هذا الفريق يؤمنون بالشرعية وبأحقيتهم في حكم البلاد؛ حتى وان كل الشعب يرفضهم ويلفظهم. هذا الفريق يكره كل من ساهم في سقوط حكم الإخوان، ولا يجدون غضاضة في استخدام العنف والقوة، ولا في تكوين مليشيات مسلحة تمزق الوطن هم أساسا لا يؤمنون بالوطن!. ففي عددها، الصادر في 9 أبريل 2006 افتتحت صحيفة «روز اليوسف» بهذا المانشيت الصادم: «محمد مهدي عاكف يشتم البلد.. طظ في مصر وأبو مصر واللي في مصر»، تصريحات مرشدهم الأسبق سبقها مؤلفات منظرهم وأبيهم الروحي سيد قطب الذي كتب (الوطن حفنة تراب)! ورغم الاختلاف الجوهري بين الإخوان والسلفيين إلا انهم يشتركون في أشياء؛ منها عدم الاقتناع بفكرة الوطن! ألم نشاهد السلفيين في مجلس الشعب يرفضون الوقوف أثناء السلام الجمهوري، ووفق ما نشره موقع الفجر بتاريخ الأربعاء الموافق  27 / يونيو/2012؛ فان نادر بكار علق على هذا الأمر بجملة هي الأغرب (أمر غير مهم). بات واضحا للجميع ان فريق مرسي يضم كل تيارات الإسلام السياسي على مختلف توجهاتهم، ولا ادل على ذلك من استضافة مرسي لقتله الرئيس الراحل بطل الحرب والسلام محمد أنور السادات في احتفالات نصر أكتوبر المجيدة، والصورة كانت أبلغ من أي حديث، وقتها تزينت وجوههم بابتسامة صفراء. ألم أقل لك عزيزي القارىء ان هذا الفريق له أفكاره الخاصة؛ فالسادات في نظرهم طاغوت ونحن دولة كفر والمجتمع على ضلال؛ لاننا نمارس الفن والحرية والحياة وهم أعداء الحياة؛ فالأوبرا والغناء والعزف والتمثيل والتصوير حرام، الديموقراطية نفسها حرام؛ الابتكار والاختراع والبحث والتجريب أمور مقيدة ومشروطة ومقننة ومحاطة بأفكار تعيدنا للقرون الوسطى، وكأن الفساد الكهنوتي يلاحقنا في كل زمان ومكان. 

أما عن الفريق الثالث والذي يضم جموع المصريين، والذين انضم لهم الفريق الأول الذي سبق وقاطع الانتخابات؛ فشكلوا أغلبية ساحقة من مختلف أطياف المجتمع على مختلف توجهاتهم؛ والذين شاهدوا مصر تسرق أمام أعينهم ففي 8 أبريل/ نيسان 2013 وتحت عنوان (الإندبندنت: أقباط مصر تحت الحصار في الكاتدرائية) نشرت bbc  عربي تقريرا وضحت خلاله وضع المسيحيين في عهد مرسي، وجاءت أولى سطور التقرير كالاتي (نيران في القاهرة" و"أقباط مصر تحت الحصار" و"الأقباط في مرمى النيران"، هذه هي أبرز عناوين الصحف البريطانية التي اهتمت بأعمال العنف التي وقعت في القاهرة بين أقباط ومجهولين أسفرت عن سقوط قتيل وعشرات الجرحى). ومن حصار الكاتدرائية ومظاهرات الأقباط إلى هدم الأضرحة؛ ففي24\ 5\ 2013 نشر موقع الشروق عنوانا صادما (مليشيات لحماية الأضرحة) ولا يختلف اثنان على ورع وتقوى وبساطة الصوفيين، والذين تعرضوا للتنكيل على يد المتشددين؛ بل هُدمت أضرحتهم أمام أعينهم!؛ هذه الأضرحة التي تٌشكل نفحة ربانية ونوارنية تزين مصر بثقافة دينية لا مثيل لها في العالم أجمع، ومع ذلك قال المتشددون عن هذه الأضرحة "شرك"، - ومن باب الإنصاف هذه الأراء تدخل تحت بند الحرية ولكنهم أيضا أحرار في معتقدهم وليس من حق أحد هدم أضرحتهم-  وما بين مظاهرات المسيحيين ومليشيات الصوفيين استمرت الأمور من سيء إلى أسوأ وفي 23 يونيو/ حزيران 2013 وبسبب التحريض على العنف نشرت bbc   تحت عنوان (مصر: مقتل 4 بينهم "زعيم الشيعة" في هجوم جنوبي القاهرة).  وفي 17 فبراير / شباط 2014 نشرت  cnn بالعربية تقريرا عن زيارة الشيخ أحمد الطيب إلى الكويت، وقتها قام ناشطون كويتيون، بينهم عدد كبير من المحسوبين على التيارات الإسلامية، وخاصة جماعة الإخوان المسلمين، بوصف "الطيب"، بـ"مفتي الدماء" وانضم  قتها للحملة  الداعية نبيل العوضي!. 

وبهذا الشكل دخلت جماعة الإخوان في عداء صريح ومباشر مع الجميع؛ أفراد ومؤسسات، ولكي يكتمل المشهد سمعنا الجملة الأثيرة  "اللى مش عاجبه يروح كندا" وكأن البلد بلدهم وباقي أفراد المجتمع، وهم الأكثرية أصبحوا في نظر هذا التيار المتشدد أقليات؛ فاحتشدت المسيرات وخرجت المظاهرات وتحولت الشوارع إلى ساحات حرب؛ فدخلت مصر دوامة الفوضى؛ وبدلا من إيجاد حلول سريعة تكالبوا على السلطة وانفردوا بها ونقض مرسي وعده بعدم تعيين رئيس وزراء إخواني؛ ودخلت أخونة أجهزة الدولة مرحلة حرجة، وتم إقصاء الجميع من المشهد السياسي؛ فوصلنا لمفرق طرق، وكانت لغة الدم والهدم والحصار هي العصا التي هدد بها مرسى جموع الشعب المصري  فـ (الشرعية ودونها الرقاب) هكذا قال أنصار جماعته، وكأنهم يلوحون لأنصارهم باستخدام العنف؛ فالدماء لا تهمهم ولا تعنيهم في شيء؛ لأننا جميعا مواطنون درجة ثانية؛ فمن ليس معهم فهو ضدهم، ومع كل ساعة تمر على هذ البلد المنكوب في ثورته المجيدة؛ كانت الأجهزة السيادية بين نارين؛ فالمعلومات تخرج من المقر الرئاسي إلى مكتب الإرشاد ومنه إلى باقي مكاتب الإخوان في باقي دول العالم، وتعود المعلومات إلى مكتب الإرشاد ومنه إلى القصر الرئاسي؛ مما شكل خطرا بالغا على أمن مصر القومي؛ فأصبحنا دولة مرشد لا دولة مؤسسات، وأصبح مرسي رئيسا لجماعة الإخوان لا رئيسا للشعب المصري كله، وقتها حاول الفريق أول عبد الفتاح السيسي بكل ما اوتى من قوة توضيح خطورة الموقف، ولكن الرئيس كان في منتهي العناد؛ ففاض الكيل بالجميع وفي مشهد تاريخي خرجت جموع المصريين من كل حدب صوب؛ ليكتبوا سطرا مجيدا في تاريخ هذه الأمة؛ ليسجل التاريخ يوم 30 يونيو بحروف من نور، وقام الجيش المصري الباسل بحماية جموع المصريين من بطش جماعة الإخوان، واتذكر مقالة للكاتب الصحفي الكبيرعادل حمودة كتبها بعد عدة شهور من قيام ثورة 25 يناير قال فيها (الجيش آخر عمود تتسند عليه مصر) وصدقت هذه المقولة مع الوقت، ومع ترديد بعض الجهلاء لجملة انقلاب عسكري؛ كان بيان الجيش واضحا للجميع وموضحا لتوافق كل القوى السياسية والوطنية مدعومين بإرادة شعبية كاسحة طالبت الجيش بعزل مرسي، والجيش لبى النداء، وهو ما لخصه هذا العنوان البليغ للكاتب الكبير بلال فضل (ليته كان انقلابا) تتفق أو تختلف مع "فضل" لكنه أصاب كبد الحقيقة؛ فمن يغفل ما حدث  في 30 يوينو كمن يغفل ما حدث في 25 يناير؛ فالجيش تحرك بناء عن رغبة شعبية لا عن رغبته في السلطة، وذلك بعد الموقف المخزي والمخجل لرئيس سقطت شرعيته بعد ان سمح بالاقتال المدني. 

وبعد عزل مرسي قام انصاره بالعديد من العمليات الدموية، وتحملنا جميعا حرق الكنائس وتدمير أقسام الشرطة وقتل جنودنا البواسل، ورد الجيش بمنتهى القوة والحزم، ومع الوقت بدأت الأمور تستقر رغم القلاقل التي يقوم بها أنصار المعزول المنخرطين بيننا، والمتمركزين في الريف المصري الذي يحكمه منطق خاص به يفرض أحيانا بعض الأوضاع غير المقبولة؛ فمرة نرى تظاهرات ضد بناء كنيسة ومرة نسمع عن صفع فتاة مسيحية – أنا مثلك عزيزي القارىء لا احب هذا الخطاب العنصري لكنها الضرورة تمهل قليلا- ومع كل موقف نستنكر الصمت المطبق، ونسأل لماذا؟ 

دعنى احكي لك عن تجربتي بالعمل في الريف المصري، والتي امتدت لقرابة 10 سنوات وقتها كنت اقدم مسرحيات تفاعلية تنتمي لمسرح المقهورين، ومن خلال كتاباتي المسرحية ناقشت العنف ضد المرأة والميراث وختان الإناث وغيرها من القضايا الشائكة، وبطبيعة الحال كنت اطالع  التقارير الصادرة من المجلس القومي للمرأة أو المجلس القومي للأمومة والطفولة أو مجلس شؤون الأسرة وغيرها من التقارير، وذلك للوقوف على طبيعة المشكلة التي اناقشها؛ فكنت اخلص إلى وجود مشاكل لا مشكلة واحدة، وكان الجهل والعنصرية هما الأساس الذي يتفرع منه كل شيء، ومع وجود بعض العادات والتقاليد البالية، والتي تقف أمام أي محاولة للأصلاح، وجدنا أنفسنا عاجزين عن إحداث تغيير حقيقي ملموس، وهو  نفس ما تشاهده يحدث أمامك من وقت لأخر؛ فعند حدوث أي مشكلة للأقباط في الريف يستنكر الكثيرون حالة الصمت الأمني، دعنى اصارحك بان الأمن يتدخل، ولكن دون ان تشعر؛ فهو لا يريد عمل بلبلة، وان كنت لا تصدقني تذكر معي حوادث الخطف التي في حقيقتها لم تكن خطفا، ولولا تدخل الأمن لما تم حل الموقف. 

الأمر أكبر مما تتصور والأمن وحده غير قادر على الحل؛ أنا هنا لا اتحدث عن قوة الردع مطلقا أنا اتكلم عن وضع فكري ومجتمعي؛ فالأسر المنكوبة محاطة ببعض الفئات المشحونة بالغل، هذا الغل  زاد بعد سقوط الإخوان، ومع كثرة الضغط  يقبلون الحلول التي تكون غير عادلة وغير مرضية؛ وسامحني غضبك لن ينفعهم؛ ففي الوقت الذي  تكتب فيه "بوست على الفيس بوك" وينتهي اليوم هم  يعيشون الأزمة يوما بعد يوم داخل مجتمع مغلق متربص به طوال الوقت، وما بين الجلسات العرفية والقبلات المزيفة تضيع الحقوق، وتظل حالة الشحن موجودة قابلة للانفجار في أي لحظة، وبالتالي لابد من حلول منجزة على مستويات عدة؛ فالأزهر لابد ان ينزل للريف ويخاطب جموع الناس ويواجه العقول المتشددة بمناظرات مباشرة، والأمن لابد ان يطبق القانون بمنتهي القوة والردع ويضمن السلم الاجتماعي داخل هذه المناطق لفترات طويلة، والمجتمع ذاته لابد ان يدشن حملات موسعة لرفض الجلسات العرفية بكل أشكالها وأنواعها في مختلف القضايا؛ ايعقل ونحن في 2022 ودول العالم أجمع تتحدث منذ عقود طويلة عن القنبلة النووية والصعود للقمر والاختراعات العلمية والمنجزات الفكرية،  نتحدث عن جلسات عرفية! أيضا مؤسسات الدولة لابد ان تعيد النظر في التعليم والثقافة. 

هل هذا كل شيء؟ بالطبع لا؛  فهناك دور مهم للكنيسة المصرية لتوعيه العقل الجمعي المسيحي الذي اصابه العطب – حاله مثل حال العقل الجمعي العام-  ففور حدوث أي مشكلة تخرج علينا الأصوات مرددة (شفت المسلمين – هما كده - بيكرهونا) إلى آخر هذا الكلام المغلوط؛ لأن حقيقة الأمر من يقوم بمثل هذه الأفعال ليسوا عموم المسلمين؛ بل مجموعة صغيرة موتورة مملوءة بالغل؛ فالمسلمون أمامك وبجوارك تجدهم في كل شارع وحارة مصرية أصيلة، وكما تتعرض عزيزي المسيحي للمضايقات هم أيضا يتعرضون مثلك؛ فمن ينسى فتاة الفستان بجامعة طنطا؟!، ومن ينسى فتاة المترو؟! من ينسى فرد الأمن البسيط الذي صُفع عدة صفعات؟!؛ من منا لم يشاهد الهجوم البربري الذي يتم من حين لآخر على صفحة دار الافتاء بعد كل فتوى تصدر؟!.

أتريد ان تعرف من هم المسلمون – وأنا اعرف انك تعرف لكن الغضب يجعلك تتناسى- اقرأ تصريحات الشيخ الجليل الإمام الأكبر د. أحمد الطيب في جريدة الأزهر، وهو يقول على الكاهن الذي قتُل (شهيد الوطن) وهو يصرح بان تهنئة الأقباط واجبة؛ فهي من صميم الإسلام الحنيف. ألم أقل لك تمهل عزيزي القارىء؛ فما قمت به أنا من تصنيف المجتمع إلى  مسيحي ومسلم قمت به عن عمد لضرورة الوصف والتوصيف، ولأوضح لك ما يقوم به أغلبنا ولكن دون أن يدري؛ فهو ناتج لما زرعوه داخلنا، وكأن شق الصف هدفهم، وجعلنا فريقين غايتهم، وكلها أفكار جاءت إلينا مع القادمين من دول الخليج يحملون المروحة وشريط الكاسيت المحمل بالأفكار الدخيلة علينا؛ فحّرم السبوع وشم النسيم، وبات النحت أصناما، وعيد الأم بدعة والحضارة الفرعونية كفر، وصوت أم كلثوم عورة وانزلقنا في نفق مظلم ومن دولة جمال حمدان ومشرفة وسميرة موسى ونجيب محفوظ وطه حسين وبليغ حمدي والعقاد وزكي نجيب محمود والريحاني وغيرهم لدولة تناقش توافه الأمور؛ من دولة عاش على أرضها العديد من الجنسيات بمختلف المعتقدات لدولة أحادية الفكر والطرح. 

هل ستصدقني عزيزي القارىء لو قلت لك أنا تربيت في بيت شيخ أزهري، ولم اشهد إسلاما وسيطا ولا متطرفا أنا شاهدت إسلاما حقيقيا فيه رحمة ومحبة ومودة.  

وتبقى كلمة اتمنى إعادة النظر في كل ما يخص الأقليات الحقيقية؛ فمازال البهائيون مهمشين تهميشا حقيقيا، ومازالت هناك فئات في المجتمع لا تستطيع ممارسة معتقداتها بحرية. هل يستطيع أي فرد من شهود يهوه إعلان هويته؟ كلا ، لأن الكنيسة ستقيم الدنيا ولن تقعدها؛ مع أنهم مصريون له كامل الحقوق والواجبات. ياسادة نحن في عصر لا ينفع فيه التكميم والتعتيم؛ نحن في عصر أسهل ما فيه فتح كاميرا الموبايل وتصوير ما يحدث وبثه مباشرة على موقع التواصل الاجتماعي لنرى حقيقتنا؛ لنرى مطالب ثورة يناير باقية وشاهدة علينا وعليهم؛ لنرى صفعة الفتاة صفعة على وجه المجتمع كله.
--------------------
بقلم : مينا ناصف 

 







مقالات اخرى للكاتب

الكرة والصلاة والأحزاب وريتشارد قلب الأسد وتصريحات موسيماني
اعلان