29 - 05 - 2022

أُحدّثكم عن "شيخ الأزهر".. الطيب يواجه العواصف المذهبية والمؤامرات السياسية بحنكة وذكاء ورباطة جأش

أُحدّثكم عن

- غادر مكتبه لتأخر وزير الخارجية البريطاني ربع ساعة عن موعده، فاضطرَّ الوزير لزيارة الإمام في بيته!
- غضب وألغى السفر للسعودية، لاستلام جائزة الملِك فيصل احتجاجاً على الحجز له بالدرجة الأولى، والحجز للوفد  المرافق له في درجة عادية

ارتبط "الأزهـر" عبر تاريخه الذي تجاوز الألف عام، بالعديد مِن الأسماء والرموز التي قامت على أكتافهم رسالة الجامع السِّياسية والعلمية والدعوية والفكرية، أمثال: الشَّيخ "عبد اللهِ الشرقاوي" الذي ساند المشروع الإصلاحي لعلي بِك الكبير في أواخر القرن الثَّامن عشر. والشَّيخ "حسن العطَّار" الذي قاد الثورات ضد الفرنسيين. والشَّيخ "المراغي" الذي ردَّ للأزهر اعتباره. والشَّيْخ "محمود شلتوت"، والدُّكتور "عبد الحليم محمود" و"جاد الحقّ". وها هو الشيخ (أحمد الطَّيْب) الإمام الثَّامن والأربعين للجامع الأزهر؛ الذي واجه العواصف المذهبية، والمؤامرات السياسية بحنكة وذكاء، ورباطة جأش ... حسْبهُ أنَّ الجماهير الغفيرة خرجت تؤازره عندما شعروا أنَّه يتعرض لضغوط شيطانية، ومكائد إبليسيّة!!

لقد نشأ الشيخ "أحمد الطيِّب" في بيتٍ شامخٍ من بيوت المعرفة والصلاح، وسليل أسرةٍ عريقة طاهرة؛ فأبوه العالِم الجليل الذي طلَّق الدنيا وما فيها، وَغَلَبَ عليه الورعُ إلى الحد الذي يَعجزُ القلمُ عن التعبير عنه ... ولطالما استمتعنا بمواعظه في ساحة آل الطيّب" بالبر الغربي بالأقصُر!

 من عادة (آل الطيِّب) ألاَّ يفعل أحد منهم شيئاً، ولا يقضي أمراً حتى يستأذِن مِمَّن هو أكبر منه! مِن ذلك؛ أنّ الدكتور "أحمد الطيب" عندما قرر السفر إلى "السوربون" لإنجاز رسالة الدكتوراه، استأذن والده، فقال له: أمهلني حتى الصباح، فرأى له رؤيا منامية، فسمح له بعدها بالسفر!

وعندما اختيرَ (مُفتياً) للديار المصرية؛ أسرع، واستشار والده، فقال له: لقد رأيتُ ذلك ليلة أول أمس، فاقبلها يا ولدي ولنْ تمكُث فيها طويلاً، وقد حدث بالفعل! 

وبعد وفاة والده؛ صار "الإمامُ" يذهب إلى أخيه الأكبر الشيخ "محمد بن محمد الطيّب" يُقبِّل يده، ويستشيره في كل أمرٍ يَجدّ له. مِن ذلك، أنه عندما اختيرَ "رئيساً لجامعة الأزهر" انطلق إلى الصعيد الجواني، ليأخذ موافقة أخيه، فصلّى، ونادى عليه .. وأذِنَ له بقبول ذلك المنصب! 

***

لقد ربطتني علاقة وثيقة بالشيخ "أحمد الطيِّب" ... وكثيراً ما أغتنمُ فرصة وجودي معه في طرح الأسئلة العقديّة والفلسفية على فضيلته ... وقد سألته –ذات مرة- عن مكانة مصر بين الشعوب والأمم، فقال: "مصـر هي المؤهلة لجمع كلمة المسلمين، وقيادة الأمة، وذلك بحكم وجود الأزهر بها؛ فهو المعهد الوحيد الباقي للحفاظ على القرآن الكريم وعلومه، والسنة النبوية وتراثها. وعلى الرغم من وجود الأزهر جغرافياً على أرض مصر؛ إلاَّ أنه موجود في كل شبرٍ من بلدان العالم؛ لأنه يمثل المنارة التي تهفوا إليها أفئدة المسلمين من كل أرجاء الدنيا، ومازال هو المدرسة الحقيقية التي يلجأ إليها المسلمون في الداخل والخارج، سيّما أن وحدة الأمة باتت الهدف والغاية، ولنا الأسوة الحسنة في الرسول الأكرم الذي أسَّسَ دولته على المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار"!

وعن رسالة الأزهر الحضارية، يقول الطيِّب: "سيبقى "الأزهر" أشعريّ المذهب، وسطيّ المنهج، محافظاً على فقه الأئمة الأربعة، وتصوّف الإمام الجنيْد، ومدافعاً عن الفكر المعتدل الصحيح الذي سار عليه لأكثر من ألف عام، والذي انتمَى إليه سائر شيوخ الأزهر على مدى تاريخه، ولوْ أنَّ الأزهر تخندق في مذهبٍ واحد؛ لجفَّتْ منابعه، ومات موتاً أبديا، لكنه ظلَّ باقياً مُغدِقاً؛ لأنه حافظ على التعدّدية، بطبيعة تكوينه ومنهجه الوسطي الذي يجمع كل المذاهب الإسلامية في رحابه دون إقصاء لمذهبٍ منها.

**   *

هذا؛ ويبدو الجانب الانفتاحي لدى "الطيِّب" في تفاعله مع العالَم الخارجيِّ فيما يخصّ مختلف قضايا الإسلام والمسلمين، وهو ما بدا مِن قَبل تولِّيه مشيخة الأزهر، فمُنذُ أنْ كان رئيساً للجامعة، وقَّع العديد مِن الاتفاقيَّات للانفتاح على العالم الإسلاميِّ. كما اندمج في الكثير مِن القضايا الخارجيَّة، وأدلى فيها بدلوه، ومن أهمِّ ما أعاد التَّأكيد فيه على نظرةِ المُؤسَّسة الدِّينيَّة الأكبر والأقدم والأهم في العالَم؛ هو قضيَّة العلاقة ما بين الإسلام والغرب، ودور الصُّهيونيَّة العالميَّة في تكدير هذه العلاقات، ورؤيتهِ حول ضرورة تطوير آليات العمل الدَّعوي والفكري والسِّياسي الإسلامي في العالم، وكذلك الرَّدُّ على العديد مِن الافتراءات التي تُقال عن الإسلام والمسلمين. 

كما استحدثَ "الإمام" مجموعةً من الهيئات الجديدة التي تُعين الأزهر على أداء مهمته، ومن أهم هذه الهيئات: "الرَّابطة العالميَّة لخرِّيجي الأزهر"، و"مركز الأزهر العالمي للرصد والفتوى الإليكترونية والترجمة"، كما أشرف على مشروع إنشاء بيت مستقل للزكاة، كما أنشأ "لجنة للمصالحات" بالأزهر، بحيث يكون نشاطُها داخلَ مصرَ وخارجَها. وساهم في تأسيسِ "مجلس حكماء المسلمين" لتعزيز السلم في المجتمعات المسلمة، وترسيخ قِيَم الحوار والتسامح واحترام الآخَر. وقام بعمل انفتاح بين جامعة الأزهر والجامعات الأوربية، وقام بإرسال بعثات علمية لتلك الجامعات من خريجي الأزهر في مختلف التخصصات. كما قام بزيارات للعالم الخارجي، فزار ألمانيا، وفرنسا، وانجلترا، والفاتيكان، وغيرها.

هذا؛ ويظهر الطَّابع المُنفَتِح للدكتور "الطَّيِّب" في كثير من فتاواه -أيْ خلال فترة تولِّيه مسئولية الإفتاء- فقد أَصْدر حوالي 2835 فتوى، تتسم بمرونة الفقه الإسلامي، وإعمال العقل، والأخذ بمبدأ التيسير، ورفع الحرج، وفقْه الواقع، وفقْه الأولويات، إلى غير ذلك ممّا تصبو إليه الشريعة السمحة ... من ذلك أنه عالج رخصة تعدد الزوجات في الإسلام، وبيَّن شروطها، وضوابطها، وفي هذه الفتوى إنصاف ليس للمرأة فحسب، بلْ للإسلام ذاته، إزاء ما لحق به من تشويه وسوء فهم للنصوص المقدَّسة.

بينما يبدو الطَّابع المُحافِظ في قراراته ومواقفه المُتعلِّقة بقضيَّتَيْن أساسيَّتَيْن، هما: قضيَّة فلسطين، وحوار الأديان. فقد ظهرت حنكته السياسية حينما جمَّد الحوار مع الفاتيكان إلى أجل غير مُسمَّى؛ رداً على تهجُّم (بابا الفاتيكان السابق/ بنديكت السادس عشر) على الإسلام، ورفض "الشيخ" إعادة العلاقات مع الفاتيكان إلاَّ بعد اعتذار صريح من البابا.

أيضاً: كان للشيخ "الطيّب" موقف قوي في ظل التوجّهات التي تدّعي أنه يمكن أن يكون هناك دين واحد يُسمّى بـ(الإبراهيمية) أوْ (الدين الإبراهيمي)، وما تطمح إليه هذه الدعوى من مزج اليهودية والمسيحية والإسلام في دين واحد يجتمع عليه الناس، فقد اعترضَ –فضيلته- على تلك الأوهام، وقال: هذه الدعوى، مثلها مثل: دعوى العولمة، ونهاية التاريخ، والأخلاق العالمية، وغيرها، وإنْ كانت تبدو في ظاهر أمرها كأنها دعوى إلى الاجتماع الإنساني والقضاء على أسباب صراعاته، إلاَّ أنها، هي نفسها، دعوة إلى مصادرة أغلى ما يمتلكه بنو الإنسان وهو: حرية الاعتقاد وحرية الإيمان، وحرية الاختيار؛ وهو ما أكّدت عليه رسالات السماء في نصوص صريحة، ثمَّ هي دعوة فيها أضغاث الأحلام أضعاف أضعاف ما فيها من الإدراك الصحيح لحقائق الأمور وطبائعها.

**   *

ذات مرة؛ سألتُ الدكتور/ الطيِّب: مَن الشيخ الذي تعتبره قدوتك في هذا المقام؟

سكتَ مَليًّا، ثم قال: القدوة تُلتمَس من كل العلماء الأجلاَّء، فعلى سبيل المثال؛ لا أستطيعُ مفارقة كُتب الشيخ الغزالي، ومنذ قرأتُ مؤلفات عباس العقاد، ومحمد عبد الله دراز؛ لا أخشى أيّ مناظرة علمية في الشرق أوْ في الغرب، ولا أكتم إعجابي بالإمام "محمود شلتوت" ذلك الفقيه الذي مكَّنته مَلَكة الاجتهاد التي اكتسبها من مدرسة الإمام/ محمد عبده، والشيخ/ المراغي- من الدفاع عن الإسلام في الداخل والخارج، وبخاصة في المؤتمرات العالمية الكبرى. 

 وبالرغم من إعجاب "الطيب" بمنزلة الشيخ شلتوت الفقهية؛ إلاَّ أنه يسير على خطى الإمام "المراغي"، وله في ذلك مواقف جليلة، ومآثر عديدة ... حسبه أنه مِن أوائل المنادين بجعل منصب "شيخ الأزهر" بالانتخاب، وليس بالتعيين، بلْ اقترح أن يكون العمل في "مشيخة الأزهر" تطوعاً، واحتساباً لوجه الله تعالى. وبذلك فقد سَنَّ "الإمام" سُنَّةً حسنة!

**   *

يرى كثير من المُراقبين في السياسة والإعلام والأوساط الدعوية: أنه أكثر شيوخ الأزهر حِنكةً، وأنه سياسي من طرازٍ فريد، وأنَّ التاريخ سوف يذكره ضمن الشخصيات التي أعادت للمُؤسَّسة والجامعة دورها الريادي بعد سنواتٍ التراجُع، إذْ تتشابه تجربة "الطيِّب" وخلفيَّاته العلميَّة مع الكثير من تجارب رموز التنوير الفكري والديني، أمثال: الإمام مُحَمَّد عبده، ومصطفى عبد الرازق، ومحمد عبد الله دراز، وغيرهم ممَّن مزجوا ما بين خلفياتهم الأزهريَّة، وبين تعليمهم في الجامعات الأوروبيِّة، فاستطاعوا خلْق مرونة فكرية وِفْق ثوابت الشرع، ومقتضيات العصر! 

هذا؛ وعندما زار الرئيس الإيراني السابق "أحمدي نجاد" مشيخة الأزهر؛ كان أول مطالب "الإمام" منه: أنْ يُصدِر مرسوماً في بلده؛ يحظر التطاول على مقام صحابة النبيّ الكِرام، وألاَّ تتدخل "إيران" في شئون البلدان العربية من قريبٍ أوْ بعيد.

ولا نعجب من مغادرة "الإمام" مكتبه، وعدم انتظاره لوزير الخارجية البريطاني؛ بسبب تأخُّر الوزير ربع ساعة عن موعده، فاضطرَّ الوزير لزيارة الإمام في بيته!

ولا نعجب –كذلك- مِن غضب "الإمام" وإلغاء السفر للسعودية، لاستلام جائزة الملِك فيصل التي مُنِحتْ للأزهر الشريف؛ احتجاجاً منه على الحجز له بالدرجة الأولى، بينما تمَّ الحجز للوفد  المرافق له في درجة عادية، قائلاً: إنَّ هذا لا يليق بمكانة العلماء الأدبية والعلمية. فاعتذرت المملكة في اليوم التالي على الفور!

وعندما انطلقتْ حملة مسعوردة من بعض نواب البرلمان لإصدار قانون يقضي بإلغاء هيئة كبار العلماء، وتحجيم اختصاصات شيخ الأزهر؛ ظلّ "الشيخ "الطيّب" كالطوْد الشامخ، لمْ يستكِن، ولمْ يهتزّ لذاك الصياح، حتى انطفأت نيرانُ المُرتدّين، وانكسرت شوكتهم، وارتدُّوا خائبين مدحورين! 

وهكذا؛ سيظلّ "الأزهـــر" عزيز الجانب، موفور الكرامة، شامخ المكانة؛ بشموخ علمائه، ووقوفهم في وجه الاستبداد والطغيان!

الحقَّ أقول: إن قوة الإمام "أحمد الطيِّب" مستمدة من ثقته بالله، واعتزازه بمرجعيّته الأزهرية، فلا يُقابِل خصومه بأفعالهم ولا بأقوالهم، ولكن بموضوعيته وتسامحه؛ ليقدِّم لهم الأُسوة الحسنة! 

هذا؛ ولا تزال الآمالُ معلّقةً على "شيخ الأزهر" الذي يراه الناسُ قدوةً صالحة، كما يرونَ منصب "المشيخة" أرفع مكانةً وأجلّ قدراً من أيّ منصبٍ آخَر!

فالدِّينُ وُجِدَ قبل وجود الأوطان، والأنبياء قبل الزعماء، والعلماء فوق الساسة .. والأزهر سيظلُّ حتى بعد هلاك الحكَّام ... وأبصِر فسوف يُبصِرون!
------------------------

بقلم: محمَّــــد عبد الشَّــافي القُوصِــي

من المشهد الأسبوعي



اعلان