25 - 05 - 2022

عبد الرحمن مخلوف المخطط العمراني الغائب عن الوطن

عبد الرحمن مخلوف المخطط العمراني الغائب عن الوطن

غيب الموت واحدا من أعظم المخططين العمرانيين في مصر في القرن العشرين، أول مصري وعربي تستعين به الأمم المتحدة في مجال التخطيط العمراني، رجل قل أن خالف ضميره ودائما ما كان يبدي رأيه بصراحة حتي أنه عندما طلب الشيخ زايد من المؤسسات الدولية ترشيح مخطط لمدينة أبوظبي اختارته ، فكان اللقاء بينهما مثيرا حتي أخذت المناقشات التي كان مقررا لها وقتا محدودا سنوات بينهما، فصار الدكتور عبد الرحمن مخلوف محل ثقة الشيخ زايد أل نهيان. 

ولد عبد الرحمن محمد حسنين مخلوف في 14 ديسمبر 1924 م ووالده هو فضيلة الشيخ محمد حسنين مخلوف شيخ الأزهر فهو ولد في بيت علم ، وله أخ هو السفير عبد الهادي مخلوف وشقيقة تزوجت من السيد فوزي عبد الحافظ السكرتير الخاص للرئيس محمد أنور السادات، كان الدكتور عبد الرحمن مخلوف نابغة ومتفوقا منذ صغره، أحب العمارة كفن فالتحق بقسم العمارة في جامعة القاهرة وتخرج منه سنة 1950 م ، ثم حصل علي درجة الدكتوراة من جامعة لودفيغ ما كسيمليان بموينخ سنة 1957 م ، ليعين مدرسا في جامعة القاهرة، في رسالته للدكتوراة كان اختار تخصص تخطيط المدن وهو لم يكن تخصصا معروفا في مصر حينئذ، بل كان فرعا يدرس في الجامعة دون إدراك أثره في التطوير وانعكاسه علي العمارة ، لتفوقه انتدب للعمل في الأمم المتحدة كخبير في تخطيط المدن عام 1959 م ومنها إلي المملكة العربية السعودية ليؤسس التخطيط العمراني لمدن الرياض وجدة والمدينة المنورة ومكة المكرمة وغيرها فوضع أسس هيئات تطوير هذه المدن وفق الامتداد الأفقي الذي كان يفضله علي الامتداد الرأسي، وهذه النقطة ناقشته فيها مطولا فكن رأيه أن الامتداد الراسي غير مناسب للأجواء الحارة والصحراوية وأن التجربة التاريخية أدت إلي بناء المنازل عبر التاريخ بما لايتجاوز 5 طوابق وان الامتداد الأفقي إذا أحسن تخطيطه مع حركة الهواء في المدن فان هذا ما يقلل استخدام الطاقة في التبريد، لذا كان منتقدا لظاهرة الأبراج المرتفعة في منطقة الخليج.

عاد الدكتور عبد الرحمن مخلوف لمصر سنة 1964 م ليضع أفكارا لانقاذ القاهرة من التكدس العمراني، فيقترح مخططا للقاهرة سماه مخطط القاهرة الكبري ويطرحه للنقاش، كان من أسس هذا المخطط إنشء الطريق الدائري واقامة عدد من المدن علي أطراف صحراء القاهرة وتركز تفكيره علي عدد من المدن علي طريق السويس وطريق الفيوم الصحراوي، لينتدب في عام 1966 م لإنشاء جهاز القاهرة الكبري، ولتنفيذ هذه المدن التي كان أولها مدينة نصر التي خططت لكي تنقل لها الوزارات والمصالح الحكومية، وبالتالي يخفض الضغط علي وسط القاهرة مع مدينة رياضية وأرض دولية للمعارض ترتبط بطريق سريع لمطار القاهرة وهو ما يضيف ميزات اقتصادية لمدينة القاهرة كعاصمة للمعارض، ثم كانت مدينة القطامية كامتداد مستقبلي، في عام 1968 رشحته الأمم المتحدة للشيخ زايد أل نهيان رئس دولة الإمارات العربية المتحدة ليخطط مدينة أبوظبي وحينما سافر تناقش مع الشيخ زايد ثم أرسى أسسا لهذه المدينة فجعل الامتداد الرأسي أساسا لها، وجعل طرقها واسعة بصورة وجه له البعض حينها نقدا له ، لكن حين جرت مناقشته كان رأيه أن المدينة بدأت الأن فقط لكن لابد من دراسة كثافة استخدام السيارات ووسائل النقل لمدة لا تقل عن مائة عام قادم، وهذا الآن مكلف نسبيا لكن علي المدى البعيد يوفر مبالغ طائلة تتجنب خلالها المدينة الإزالات والتعويضات الباهظة فكانت رؤيته سببا في نمو أبوظبي نموا انعكس علي تخطيطها علي المدي البعيد، كما أسند له الشيخ زايد رحمه الله تخطيط مدينة العين ، بعدها يؤسس في أبوظبي مكتبا هندسيا في عام 1975 م ، وكتب الراحل مذكراته عن فترة معايشته لتجربة تخطيط أبوظبي وكنت قد قرأتها معه كنص وصور ومخططات لكنها للأسف الشديد لم تنشر.

لم تنقطع علاقة الدكتور عبد الرحمن مخلوف بمصر فوضع في السبيعينيات مخططا للمنطقة الحرة في بور سعيد مع أحد المكاتب الدولية، كان كفيلا بتحويل بورسعيد لواحد من أهم الموانيء والمدن في العالم، لكن للأسف الشديد رفض عثمان احمد عثمان تنفيذ هذا المخطط وأخذ منه بعضه الذي شكل صورة يقدمها للرأي العام دون المخطط الذي بذل فيه الكثير، فكانت النتيجة أن خرجت بور سعيد الحالية مشوهة، كما شارك في بدايات تخطيط مدينة العبور لكنه لم يكمل عمله في فريق تخطيطها لأسباب علمية جعلته يتحفظ علي تخطيطها، وفي مناقشة لي معه اتفقنا في وجهات النظر أن القاهرة الجديدة هي أكبر مدينة عشوائية في مصر ، وتفتقد العديد من الخدمات الأساسية .

بوفاة الدكتور عبد الرحمن مخلوف في ديسمبر 2021 فقد العرب أبو التخطيط العمراني العلمي في الوطن العربي، هذا العظيم الذي لم نستفد منه كما يجب، وهو ما يطرح تساؤلات عن التخطيط العمراني للمدن في الوطن العربي .
---------------------
بقلم: د. خالد عزب 
من المشهد الأسبوعي

مقالات اخرى للكاتب

جدلية المعرفة والتكنولوجيا والمتغيرات والمستقبل
اعلان