04 - 12 - 2021

أبي أحمد و تيغراي والسد

أبي أحمد و تيغراي والسد

تسود حالة من الارتياح لدى البعض، تظهر واضحة على السوشيال ميديا، كلما حققت جبهة تحرير شعب تيغراي تقدما على قوات الجيش الأثيوبي النظامي، و يعود ذلك إلى الظن بأن هزيمة أبي أحمد أو بقاء هذا الصراع مفتوحا يصب في صالح مصر حيال قضية سد النهضة، ولا أعلم حقيقة على أي أساس تم بناء  ذلك التوقع.. و هل يعرف من يفرح لانتصار جبهة تحرير تيغراي من هم؟ أم أن ذلك على اعتبار عدو عدوي صديقي؟ فهناك جهل تام بهذه الجبهة التي يظنها كثيرون مجرد مجموعة بربرية أو مرتزقة مأجورة، و الوضع ليس هكذا نهائيا.

جبهة تحرير شعب تيغراي تأسست عام ١٩٧٥ و كانت حزبا سياسيايشارك في الحكم،  وتم اتهامه بأنه منظمة إرهابية في عهد "أبي أحمد" ومن ثم إقصاءه. 

الجبهة تحولت في غضون ١٦ عاما من 1975 - 1991 إلى حركة مسلحة قوية، وحاربت الحكومة العسكرية حتى تمت هزيمتها و إزاحتها من الحكم، و عادت إلى الواجهة مرة أخرى، شريكا في الحكم ظاهريا و إن كانت هي الحاكم الفعلي آنذاك، ورغم حالة النمو الاقتصادي التي تحققت إلا أن مظاهرات خرجت ضد الجبهة تقودها عرقيتي الأمهرة والأورومو بسبب حالات الفساد التي استشرت في البلاد، وأجبرت الاحتجاجات "هايلي مريام ديسالين" على الاستقالة في فبراير ٢٠١٨. 

وقتها اختارت الجبهة الديمقراطية الثورية الشعبية أبي أحمد خلفا لديسالين ، وهو من عرقية الأورومو، و يبدو أن الرجل لديه طموحات كبيرة للغاية،  تتعدى فكرة الحكم الديمقراطي لفترات معينة ثم الرحيل بهدوء، و هو هنا يتسق مع أغلب الحالات في القارة السمراء التي يبدو أن هذا قدرها.. ذلك الطموح الطائش جعل أبي يحاول إقصاء جبهة تحرير تيغراي نهائيا، و التخلص من رجالها في أجهزة الدولة من شرطة ومخابرات وجيش حيث أنهم يتوغلون فيها، فقام بإبعاد البعض و ملاحقة آخرين بتهم الفساد.

هنا أدركت الجبهة عدم صفاء نوايا أبي أحمد، فانزوت في مناطقها الأصلية لتنظم صفوفها، و تقيم تحالفاتها حتى تطيح بأبي أحمد من السلطة، و هي تملك قوة عسكرية ليست بالقليلة قوامها ٢٥٠ ألف جندي، و أسلحة كثيرة استولت عليها من الجيش الأثيوبي في منطقة تيجراي، و هي بالمناسبة منظمة تنظيما شديدا في كافة الاتجاهات.

و بالعودة إلى ما يخصنا في هذا الملف و هو موضوع سد النهضة، يتضح أن الأمر مقلق وليس مطمئنا كما يرى البعض، وذلك لأن هذا السد الآن أمر واقع و ليس مجرد فكرة يمكن طيها أو العدول عنها، و هناك ملء قد تم بالفعل و أصبح بمثابة قنبلة مياه موقوتة، و ذلك يجعل حدوث فوضى هناك شيئ مقلق، إذ أن الأمر يجب أن يسير وفق أسس واتفاقات ملزمة صادرة من جهات يمكن محاسبتها دوليا، و حتى في حالة سيطرة الجبهة على الحكم لا نعلم كيف سيكون تصرفها، ومن يعتقد أنها قد تساوم في الأمر لمصالحها الشخصية على حساب الدولة يستند إلى تقديرات ليست صحيحة نهائيا، وتصل إلى حد الخيال، لأن الحركة و طنية مخلصة لوطنها و شعبها، و ليست مجرد مجموعة من المتمردين المرتزقة كما ذكرت آنفا.. وما يجب علينا فعله هو مراقبة الأمر عن كثب، و السير في الطريق التفاوضي مع النظام القائم، وذلك دون النظر لما يجري بالداخل الأثيوبي أو البناء عليه، و إنما تكون لنا حساباتنا و تقديرتنا الخاصة، و التي نتعامل مع الملف من خلالها بخطوات محددة و مرتبة، وهذا ما تفعله حكومتنا، وهو أمر جيد للغاية.

علينا أن نطمئن بأن الأمور لن تخرج عن السيطرة و أنه لن يسمح بالعبث في مياهنا أبدا، ولكن وفق أسس صحيحة وليس من خلال تصورات لا علاقة لها بالواقع وهي أقرب للأوهام، وبغض النظر عن بقاء أبي أحمد أو مجيئ جبهة تيغراي. وهذا ما تعمل به الدولة المصرية في ثبات تام وتحسب لكافة الخيارات.
--------------------
بقلم: السعيد حمدي

مقالات اخرى للكاتب

أبي أحمد و تيغراي والسد
اعلان