20 - 01 - 2022

كيف نحافظ علي عادات غذائية صحية في فصل الشتاء؟

كيف نحافظ علي عادات غذائية صحية في فصل الشتاء؟

يرتبط نظام الجسم بالكرة الارضية وفصول العام والتغيرات مابين موسم الشتاء والصيف ودورة الليل والنهار، بسبب وجود نظام دقيق يسمي بالساعة البيولوجية الداخلية، والتي تنظم وتدير نظام الجسم كله من خلال تناسق إفراز هرمونات معينة، وعلي راسها هرمون يفرز من الجسم الصنوبري بالمخ يقوم بعمل تحكم مركزي في هرمونات الجسم المختلفة، ومن ضمنها هرمون الجرلين واللبتين والسريتونين الذي يتحكم في الاحساس بالجوع والشبع وايضا الحاله المزاجية، بحيث يحدث نوع من التناغم بين وظائف الجسم ومواعيد النوم والنشاط والليل والنهار .

هذا بالاضافة إلى أن هناك بعض الاشخاص لديهم قابلية أعلي لتخزين الدهون وانخفاض معدل الحرق مع انخفاض درجات الحراره في الشتاء، ويرجع ذلك إلي أسباب جينية، يعتقد بعض الباحثين أن الطقس البارد قد يؤدي إلى تفعيل بقايا بعض الجينات االقديمه التطورية بداخلنا للبقاء على قيد الحياة في الظروف البيئية القاسية، حيث ان هناك بعض الجينات في الانسان لديها بعض الأصول القديمة في حماية الانسان من البرد الشديد، بتكوين طبقة عازلة من الدهون لحمايته من البرد القارس، وهو شيء مشترك في كل الثدييات. هذا ينتج عنه تحدي اضافي أن الجسم يخزن الطاقة في صورة دهون، مما يزيد من فرص البدانة. نظرية أخرى هي أن تغيير الموسم قد يؤثر على توازن بعض الهرمونات التي تتحكم في الجوع والشهية.

- قد تلعب ساعات النهار الدور الأقل في الرغبة الشديدة بتناول الطعام، أيضًا ضوء الشمس هو أحد العوامل التي تحفز إفراز هرمون السيروتونين، وهو ناقل عصبي ثبت أنه يعزز المزاج بشكل كبير، حيث  تزيد الرغبة في  تناول الكربوهيدرات بفضل الأنسولين الذي يتم إطلاقه نتيجة لتناول الكربوهيدرات - حيث يساعد الأنسولين علي تكوين مزيد من  السيروتونين - وهذا هو السبب في أن الأبحاث السابقة تشير إلى أن الناس قد يشتهون الكربوهيدرات كوسيلة لتحسين الحالة المزاجية. يظهر هذا بشكل خاص في الأشخاص المصابين بالاكتئاب الموسمي، والذين قد تكون لديهم مستويات منخفضة من السيروتونين والمزاج بسبب انخفاض التعرض لأشعة الشمس.

وبالتالي مع انخفاض عدد ساعات النهار في  فصل الشتاء وقلة التعرض للشمس والضوء الطبيعي، ينتج تغير في نمط الحياة فتقل الحركة والنشاط، وبالتالي تتغير عادات الطعا م وتزيد ساعات الليل التي كثيرا ما يصاحبها بعض الشعور بالملل، واحيانا الجوع، واحيانا الرغبة في الاكل لتبديد الشعور بالملل، فتزيد الرغبة في الاكل مما ينتج عنه زيادة في الوزن والذي يؤدي  إلي الشعور بالخمول والضيق والاكتئاب.

أيضا بسبب قلة التعرض للشمس وانخفاض معدل تكوين فيتامين د. والذي يتاثر بصورة مباشرة بالوقت الذي نتعرض فيه لاشعه الشمس، تزيد معدلات الاصابه بالمزاج السيء واحيانا الاكتئاب.وأيضا تزيد معدلات الإصابة بالانفلونزا وأدوار البرد.

بالاضافة إلي أنه نتيجة قلة الماء والحركة، كثيرا ما يعاني الشخص من الإمساك وثبت أن الإمساك المزمن يزيد من درجات القلق والإحباط عند الأشخاص ، كما يزيد من القابلية لتخزين الدهون وذلك بسبب أن بعض الفضلات الضارة لا يتم التخلص منها بسرعه كافية، مما يزيد من احتمالات امتصاص بعض منها وبالتالي تؤثر علي الحالة المزاجية والالتهابية بالجسم .

السؤال هو: كيف يساعد الغذاء من حيث  المحتوي والنوعية والتوقيت والكمية في التعامل مع كل هذه التحديات وكيفية اتخاذ خيارات صحية هذا الموسم؟

- أولا: يجب عمل خطة واضحة وبتركيز واهتمام واقتناع، حيث أن كل ما يحدث في المخ يؤثر علي الجهاز الهضمي وكل ما يحدث في الجهاز الهضمي يؤثر علي المخ، وذلك من خلال وصلات قوية وعالية الكفاءه والسرعة تربط بين الاثنين. فالرغبة في الأكل والشعور بالجوع يتحكم فيها المخ، وأيضا الطعام عالي الدهون والإضافات الصناعيه تصيب الانسان بالتوتر والاكتئاب وقلة القدرة علي التركيز.

وهناك مبدأ او قانون مهم جدا في علم التغذية الطبية وهو: يجب أن يكون المخ مقتنعا وأيضا سعيدا بالنظام الغذائي الذي تلزم نفسك به، حتي تستطيع الاستمرار والنجاح فيه، بدون هذا الاقتناع والتهيؤ النفسي لن تستطيع الاستمرار.

ولذلك نوصي أولا بإقناع النفس بأهمية الالتزام بالطعام الصحي والنوم الجيد والحركة المستمرة، حتي لا يضيع منا فصل الشتاء في إجهاد ومزاج سيء وعدم انجاز، ونخرج منه ونحن بزيادة في الوزن مصاحب بالإحباط.

ولذلك هناك بعض التوصيات العملية لتحقيق ذلك:

- الاهتمام بشرب كثير من الماء والمشروبات الساخنة مثل الشاي و الشاي الاخضرو الكاكاو والينسون والنعناع والزعتر مع محاوله عدم إضافه السكر.

- الاهتمام بوجود طبق شوربة يوميا (مثل شوربة العدس وشوربة الخضار وشوربة الدجاج قليلة الدسم) لأنه يساعد علي الشعور بالامتلاء، وبه عناصر غذائية جيدة بدون سعرات حرارية مرتفعة.

- الاهتمام بتناول وجبة إفطار مشبعة - يمكن أن تحتوي علي بيض وفول وسلطة ومشروبات ساخنة - فقد ثبت أن وجبة إفطار مشبعة تساعد علي عدم الشعور بالجوع الحاد باقي اليوم، والذي في حال حدوثه خاصة في الشتاء يؤدي إلي تناول كميات كبيرة من الطعام إلي حد الإفراط والتخمة.

- تناول كثير من خضروات الشتاء مثل البروكلي والقرنبيط، فهي ترفع المناعة بسبب احتوائها علي كثير من العناصر الغذائية والفيتامينات والمعادن، التي تعضد المناعة وتقلل أدوار البرد.

- الإكثار من تناول الخضروات مثل الجزر والبطاطا والبقوليات والفراخ والزبادي وذره الفشار، فهي مشبعة وتساعد علي تكوين هرمون السريتونين الذي يساعد علي الشعور بحسن الحال وتحسين المزاج وتعديل الشهية.

- فاكهة الشتاء علي راسها البرتقال والجريب فروت والموز والفراوله تتميز بارتفاع محتواها من فيتامين ج والبوتاسيوم والألياف المفيدة جدا وتعزيز نمو البكتريا المفيدة في الجهاز الهضمي، والتي تساعد علي رفع المناعة وتحسين المزاج وإبقاء الوزن المثالي.

- تناول الزبادي الطبيعي ويا حبذا الذي يتم  عمله  في المنزل حيث يمد الجسم بكثير من البكتريا المفيدة السابق ذكرها، وخاصه اللاكتوباسلس، ويجب عدم تناول السكرمع الزبادي لأن السكر يقلل من فرصة نمو كل أنواع البكتريا المفيدة.

- من المهم جدا محاولة تناول معظم طعامنا قبل المغرب، أما بعد المغرب فهناك وجبة واحدة فقط هي وجبه العشاء والتي من الممكن أن تتكون من زبادي وموزة ومشروب دافيء خال من السكر والكافيين، مثل الينسون أو الزعتر أو الشمر، ويتم عمله بإضافة الماء المغلي لملعقة صغيرة من هذه الحبوب وتغطي لمده خمس دقائق.

- تناول حوالي خمس وجبات صغيرة وقليلة الدهون والسكر، تساعد علي عدم زيادة الوزن أثناء فصل الشتاء، وأيضا رفع المناعة التي تتاثر كثيرا بالحالة المزاجية، والتي بدورها تكون غير جيدة في حالة الافراط في الطعام وزياده الوزن، فقد ثبت علميا أن السمنة والإفراط في تناول الطعام من أهم أسباب الشعور بالمزاج السيء، وعدم انتظام النوم والذي بدوره يزيد الرغبة في تناول المزيد من الطعام  مما يؤدي إلي السمنة.

- يجب النوم باكرا والاستيقاظ  باكرا للاستفاده قدر الامكان من وجود أشعة الشمس الطبيعية، وكذلك يجب التعرض لأشعة الشمس المباشرة في الصباح الباكر لتكوين فيتامين د. الذي يرفع المناعة ويحسن الحالة المزاجية والصحية.

-الانشغال في أشياء إيجابية والاهتمام بالآخرين والقراءه وتعلم الجديد والحركة المستمرة من أهم العوامل التي تساعد الانسان أن يكون في حالة مزاجية وعقلية وذهنية جيدة. والتي بدورها تقلل حالة الافراط في تناول الطعام، خاصة في الشتاء بسبب الملل والشعور بالفراغ والذي يسمي بتناول الطعام التعويضي.. أي الاكل للترفيه وتعويض أو الهروب من الملل.

- هناك علم كامل لتعديل السلوك، حتي لا نسرف في تناول الطعام والتحكم في الشهية وتمرين المخ علي التركيز والانشغال فيما هو مفيد، ويعطي الإحساس بالرضا والسكينة. يجب أن نأكل فقط في حالة الجوع وليس في حالة الملل أو الغضب أو الاكتئاب، ويتحقق ذلك بالتمرين المستمر للذات والانتباه جيدا والوعي الكامل أثناء تناول الطعام واختيار الأصناف التي يتم تناولها أو شراؤها. فالأكل الروتيني حين يكون الإنسان غير مركز، يؤدي إلي تناول كميات كبيرة من الطعام بدون وعي ولا تحكم.

- الحرص علي شراء وتواجد الأصناف الصحية من الأطعمة مثل الخضروات والفاكهة والبقوليات مثل العدس والفول والحمص. وعدم شراء الأطعمة غير الصحية مثل الحلويات والبسكوتات والمقرمشات التي تحتوي علي الكثير من الدهون المهدرجة والسكر والمواد الحافظة، وكلها تصيب الجسم بالبدانة والاكتئاب وكثير من الأمراض الأخري.

- من المهم أن يكون هناك روتين يومي لمواعيد النوم والاستيقاظ ومواعيد تناول الطعام، فكل ذلك يساعد المخ وأجهزنه علي عمل نمط ونظام يومي يجعل إفراز الهرمونات أكثر انتظاما وفاعلية، مما يقلل احتمالات الإصابة بالسمنة والقلق، ويعطي شعورا أفضل للمخ بالهدوء والاطمئنان.

- المساء الباكر هو وقت ضعيف لكثير من الناس قد تكون إحدى طرق التأقلم هي اللجوء إلى الأطعمة المريحة، والتي تميل إلى أن تكون عالية السعرات الحرارية بها كثير من الدهون والكربوهيدرات، وتناول المزيد منها أكثر في حالات التوتر أو القلق أو الإجهاد البدني أو النفسي كوسيلة لرفع الحالة المزاجية. تشير دراسة حديثة إلى وجود صلة قوية بين الإجهاد والشراهة عند الأكل.

هذا بالإضافة إلي أنه من المهم أن نعي أن الكثير من الإفراط في تناول الطعام، وخاصة في فصل الشتاء قد يكون نتيجة ازدياد عدد ساعات التواجد بالمنزل مع جائحه كورونا والتي جعلت العمل والتعلم عن طريق الأونلاين أكثر شيوعا.

بالطبع ما ينطبق علينا كبالغين ينطبق بصورة أكثر وضوحا وتاثيرا علي الأطفال وطلبه المدارس، ولذلك يجب الانتباه لصغارنا في هذا الوقت من العام، مع التركيز علي أهمية وجبة الإفطار، وأخذ أكل صحي للمدرسة وتجنب الأكل الجاهز والوجبات السريعة والإكثار من تناو ل الخضروات والفاكهة والمشروبات قليلة السكر والنوم المبكر وعدم السهر أمام التليفزيون أو الكومبيوتر أو الموبايل أو ألعاب الفيديو. مع خالص التمنيات الطيبه بشتاء سعيد وأمن وصحي.
----------------------------

بقلم: د. يسر كاظم
أستاذ باحث التغذية الطبية بالمركز القومي للبحوث


مقالات اخرى للكاتب

الخارجية: هدم إسرائيل لمنازل بحي الشيخ جراح انتهاك لمقررات الشرعية الدولية
اعلان