04 - 12 - 2021

بين الخلاف والاختلاف

بين الخلاف والاختلاف

قد نجد فى حياتنا و أيضا في حياة المحيطين بنا أو من نعرفهم الكثير من الخلافات، وكذلك الأمر في السياسة، ولكن بصورة أكبر و أعم، سواء كان بين الدول بعضها البعص، أو الساسة داخل البلد الواحد، وفى أغلب الأحيان قد تؤدى تلك الأوضاع إلى نزاعات كبيرة إذا كان الخلاف يتعلق بأشخاص عاديين سواء كانوا أقارب أو أصدقاء وقد تكون زمالة في العمل وهكذا، و ربما تؤدي نتيجتها إلى القطيعة لبعض الوقت أو دائما، أما بالنسبة للساسة فقد تحدث أمور تصل إلى التخوين و التشكيك وما نراه على شاشات التلفزة في كل بلدان العالم لا يخفى على أحد، حيث هناك من يرى أنه لا سقف و لا مبادئ في هذا الميدان، و الأهم هو تحقيق المكاسب فقط، وذلك بالطبع غير صحيح أبدا.. فالأخلاق لابد أن تكون الثابت في جميع علاقات البشر مهما حدث، وعن الدول فقد يصل الأمر إلى إعلان الحرب ومن ثم قتل الآلاف وتشريد كثيرين جراء الخراب الذى يقع نتيجة لذلك.. وهنا لا أنكر فكرة الحروب في حد ذاتها، لأنها تكون ضرورة حتمية و حلا أخيرا في بعض الأحيان و هي واجبة ومشروعة في حال الدفاع عن النفس أو مصالح الدولة و الشعب حال تهديدها بشكل مباشر و لا يمكن السكوت عليه.. العجيب أن كل تلك الأمور قائمة منذ بدء الخليقة، خلافات تبدأ بسيطة ثم تنتهى بكوارث.

وعلى الرغم من أن الحل قد يكون غاية فى السهولة، إلا أنه يغيب عن أغلب الناس، إما عمدا بسبب الكبر، أو جهلا به.. وذلك لأن الخلاف يتبعه الغضب، ويتسبب هذا في التأثير على التفكير أو انعدامه من الأساس، وبالطبع لا يمكن إيجاد حل للمشكلة إلا بمعرفة السبب المؤدى إليها..

الخلاف لا يقع عادة إلا نتيجة لإصرار كل طرف على ما يريد، وعدم الرغبة فى التنازل عن جزء من مطالبه، وينسى أن الآخر له وجهة نظر أيضا ورؤية ربما تكون صحيحة.. ومن خلال التجارب الحياتية، والقراءات التاريخية، نجد أنه لم ينته صراع إلا باتفاق معين، وتنازلات من أحد الأطراف أو كلاهما، و أيضا ما حدث أن انتهت حروب بالإبادة الكاملة.. و لم نسمع عن ذلك إلا فى حالات نادرة جدا تاريخيا، وتكون ذات خصوصية معينة تتعلق بحركة الزمن و التغيرات الجذرية التي تطرأ من عصر لآخر، وتلك أمور  بعيدة كل البعد عن واقعنا الحالي.. إذن لابد من العمل على إيجاد منطقة وسط لتلاقي الخصوم، وأيضا يجب أن يكون هناك مرونة كافية من كل الأطراف، وعدم إصرار جانب على إخضاع  الآخر لكل ما يريد، وإلا فستكون النتيجة تعقيد الأمر أكثر مما هو عليه، وقد يتحول الخلاف إلى صدام نتائجه لا تحمد عقباها.

و جميع ما سبق قصدت به "الخلاف" وليس "الاختلاف "  لأن فارقا كبيرا بينهما في المعنى رغم التشابه الخارجي و الذي يجعل الأمر يلتبس على البعض فيخلطون بينهما.

الاختلافات في حقيقتها مفيدة للغاية بعكس الخلافات، وهي لن تزول من الدنيا أبدا، و لا يجب أن يحدث هذا،  بل هى سنةكونية، و إذا تعلقت بالآراء على سبيل المثال، تكون تنوعا يثرى الحياة بالأفكار، و يساعد على إيجاد أكثر من طريق لحل المشكلة الواحدة، و إذا كان الأمر يرتبط  بمصلحة الأوطان.. فما أجمل أن يتم النظر إلى كل الأفكار و تحليلها و اختيار الأمثل طالما أنها في إطار الرؤية الوطنية الشاملة و الساعية للبناء و النهوض .. إن التفكير بهذا الشكل يساعد على المزيد من التقدم والإبداع فى شتى المجالات.

وأيضا في العلاقات الإنسانية يجب أن يعي الجميع أن اختلاف بعضنا البعض أمر جيد و لابد من تقبله.. فلكل إنسان طبيعته الخاصة، و طريقته في التفكير و الحكم على الأشياء، كما أن رغباتي ربما لا يتقبلها غيري و العكس، و على كل منا احترام خصوصية الآخر، و لا أبالغ إذا قلت أن أغلب حالات الطلاق التي هي في تزايد مستمر تكون نتيجة عدم تفهم طرف أن الآخر مختلف، و له نظرة أخرى للأمور غير تلك التي قد يراها هو، و لو أن كلا الطرفين حاولا العمل على البحث عن نقاط اتفاف مشتركة تمكنهم من الوقوف على أرض واحدة بدلا من تلك الجزر المنعزلة، لما حدثت المشاكل التي تؤدي لنهاية العلاقة.. نفس الأمر يحدث في كافة الروابط الاجتماعية على اختلافاتها.. مما يسبب حالات من النزاع داخل الأسر، و تؤدي في حلات معينة إلى وقوع جرائم لم يكن يتخيلها أحد.. كل ذلك لعدم استيعاب فكرة أنه "ليس كل مختلف مخالف"

إذن وكما ذكرت آنفا.. البون ساسع بين اللفظين من حيث المعنى، و لابد من الانتباه حتى لا يتحول الحال إلى صراعات بلا جدوى.

علينا جميعا تعلم هذه الثقافة الغائبة بعض الشيء، و التي تصبح سببا أساسيا في الجمود أو الارتباك الذي يؤدي إلى مضيعة الوقت و بالتالي الفرص.

الرأي الموحد ضرورة، ولكنه يختلف عن الرأي الواحد. 

إنها الطريقة المثلى في التعامل و التي تقوم على "الإختلاف بلا خلاف"
-------------------------
بقلم: السعيد حمدي.

مقالات اخرى للكاتب

أبي أحمد و تيغراي والسد
اعلان