13 - 04 - 2021

ترامب طريد المؤسسة

ترامب طريد المؤسسة

محاكمة دونالد ترامب الثانية تبدأ بعد أسبوع ، مجلس الشيوخ الأمريكى يفتتح المداولات فى الثامن من فبراير المقبل ، بعد أن أدى أعضاؤه اليمين الدستورية كمحلفين ، وبعد أن جرى اختيار السيناتور باتريك ليهى لرئاسة جلسات المحاكمة بصفته الأكبر سنا ، وبعد أن أعد مجلس النواب لائحة اتهام ، تدور حول اتهام الرئيس السابق بالتمرد على الدستور ، وتحريضه على اقتحام الكونجرس فى غزوة 6 ينايرالجارى، وضبطه متلبسا بإجراء مكالمة تهديد لمسئول فى ولاية "جورجيا"، يطلب ترامب فيها إضافة أكثر من 11 ألف صوت لحسابه الخاسر ، وهو ما يستدعى حسب مجلس النواب ورئيسته الديمقراطية الشرسة نانسى بيلوسى ، أن يطبق على ترامب نص التعديل الرابع عشر فى الدستور ، وحرمانه من تولى أى منصب تشريعى أو تنفيذى فى قابل الأيام والسنين.

ومحاكمة ترامب تبدو لافتة، فهدف محاكمات الرؤساء عزلهم فى العادة، وقد ترك ترامب الرئاسة بالفعل مع تنصيب جو بايدن خلفا له، صحيح أن ترامب لم يحضر حفل التنصيب، وصحيح أنه قال أنه يترك البيت الأبيض لإدارة جديدة، ومن دون أن يذكر بايدن بالإسم ، ربما كتأكيد رمزى على اعتقاده بسرقة وتزوير الانتخابات، لكنه فى ذلك لم يخالف الدستور ، بل خالف أعرافا ، سبق أن خالفها رؤساء أمريكيون قبل مئة وخمسين سنة ، لكن اتهامات المحاكمة الجديدة تتعلق بالدستور ، وبالدعوة إلى تمرد عنيف ، وقد يستحق عنها الإدانة ، التى لن تحدث غالبا ، حتى مع تكييف قانونى يجيز محاكمته بعد مغادرة الرئاسة ، يستند إلى سابقة محاكمة الرئيس الديمقراطى ليندون جونسون فى نهاية ستينيات القرن العشرين ، التى استمرت بعد استقالته ، وقررت عزله بعد أن كان عزل نفسه ، وهو ما يتكرر مثيله مع ترامب هذه المرة ، وإن كانت فرصة الأخير أوفر فى النجاة من مصير عزل المعزول .

وقد حوكم ترامب قبل عام من محاكمته الثانية المنتظرة ، وانتهت القصة الأولى إلى تبرئته من تهمة الضغط على رئيس أوكرانيا ، بهدف دفعه إلى إدانة "هانتر" نجل جو بايدن ، ولم تكن المحاكمة محايدة ولا نزيهة فى الحالين ، فهى محاكمة سياسية لا قضائية بالمعنى المفهوم ، و"كيد نسا" من نانسى بيلوسى ضد غريمها ترامب فى حروب سلاطة اللسان ، ومكايدة سياسية بين حزب بايدن الديمقراطى وحزب ترامب الجمهورى ، وقد كان للحزب الجمهورى أغلبية مجلس الشيوخ زمن المحاكمة الأولى ، بينما للحزب الديمقراطى أغلبية حرجة مع المحاكمة الثانية المنتظرة ، فله خمسون عضوا مقابل خمسين آخرين للحزب الجمهورى ، وبصوت مرجح وحيد لنائبة بايدن "كامالا هاريس" ، التى يعطيها الدستور حق رئاسة مجلس الشيوخ وقتما حضرت ، لكن أغلبية النصف زائد واحد لا تكفى لإدانة ترامب ، وتلزم أغلبية الثلثين ، أى 67 عضوا فى مجلس الشيوخ ، أى أن ينتقل 17 عضوا جمهوريا إلى مقاعد إدانة ترامب ، وهو ما لا يبدو واردا بسهولة ، فنسبة المشرعين الجمهوريين المتمردين على ترامب ، قد لا تتجاوز الخمسة بالمئة ، على نحو ما جرى فى مجلس النواب ، وانضمام عشرة نواب جمهوريين إلى تأييد قرار اتهام ترامب ، وبالقياس ذاته ، قد لا يحصل قرار إدانة ترامب فى مجلس الشيوخ ، سوى على موافقة أقل من عدد أصابع اليد الواحدة بين الجمهوريين ، وهو ما قد يعنى حكما سقوط الإدانة ، وتبرئة ترامب حتى بعد رحيله عن الرئاسة ، وانقلاب السحر على السحرة الديمقراطيين ، وفوز ترامب بالبراءة للمرة الثانية ، فى سابقة هى الأولى من نوعها فى تاريخ الرؤساء الأمريكيين.

ولو جرت التبرئة ، وهى الأكثر احتمالا ، فلن تعنى أبدا نهاية قصة مطاردة ترامب ، فالمؤسسة الأمريكية بواجهاتها الأمامية فى نظام الحزبين الديمقراطى والجمهورى ، وبعمقها وامتدادها فى المجمع الصناعى العسكرى التكنولوجى ، تبدو عازمة على تصفية حالة ترامب ، فما إن جرى ما جرى يوم اقتحام الكونجرس ، ونهب محتوياته ، وتحويل قاعاته إلى ميادين لتبادل إطلاق الرصاص ، وهو ما كشف حقيقة الحلم الأمريكى المصنوع ، وأظهر طابعه الكابوسى ، الذى لا يريد من بيدهم الأمر فى أمريكا رؤيته ، أو التوقف طويلا عنده ، بل تحركت المؤسسة لطمسه ، وإزالة آثاره الظاهرة ، واعتباره مجرد جملة اعتراضية عابرة ، ووجدت فى مواجهة ترامب سبيلا أيسر من مواجهة الحقيقة ، وتصوير القصة كلها كأنها خروج طارئ عن النص ، وفى لحظة واحدة ، صدرت بيانات الجيش المهددة لترامب ، وأوقفت البنوك الرئيسية تعاملها معه ومع عائلته ، وطاردته شركات التكنولوجيا الكبرى ، وقطعت عنه كل سبل التواصل الاجتماعى عبر الشبكة العنكبوتية ، وأطفأت وسائل الإعلام عنه الأنوار ، وجعلته "كبش محرقة" ، ومال كهنة الحزب الجمهورى نفسه إلى عزله وتجاوزه ، على طريقة ميت رومنى وميتش ماكونيل ـ 87 سنة ـ زعيم الكتلة الجمهورية فى مجلس الشيوخ ، ثم يجدون أنفسهم اليوم فى ورطة ، ويطرح بعضهم بدائل من نوع توبيخ ترامب لا إدانته ، فليس بوسعهم الحفاظ على مصالحهم الانتخابية والتمثيلية ، إن هم شاركوا بنشاط فى مطاردة  كاملة لترامب ، فقد حصل الأخير على كتلة تصويت تقارب 75 مليونا ، وما من زعيم جمهورى آخر له هذه الشعبية ، ولا بعضها ، واستمراء مناوأتهم لترامب ، يهدد كيان الحزب الجمهورى ، وينذر بتوحش سيطرة الحزب الديمقراطى على المؤسسة ، وهو ما قد يدفعهم إلى مهادنة ترامب ، بدءا بالحيلولة دون إدانته فى محاكمة الكونجرس الجديدة ، وتوقى عواقب أخطر ، أشار إليها ترامب بنفسه ، من نوع عزمه على إنشاء حزب جديد باسم "الحزب الوطنى" ، يضم إليه شبكة هائلة من جماعات "تفوق العرق الأبيض" والإنجيليين الأصوليين ، وبما يخلخل القواعد الاجتماعية التقليدية للحزب الجمهورى تاريخيا ، ويجعل "الترامبية" ـ إن صح التعبير ـ بديلا أوقع فى مواجهة الحزب الديمقراطى ، فترامب كشخص يكاد لايؤمن بأى فكرة ، وهو ابن الصفقة لا ابن الفكرة ، وساقته الأقدار وذكاء السوق المفطور عليه ، إلى جعله رمزا لتيارات خطر جدى نامية فى التكوين الأمريكى ، تمثل أكثر من نصف الأمريكيين البيض ، والأخيرون ثلثا التكوين السكانى الأمريكى الراهن ، ويفزعهم تنامى حضور الأقليات الملونة واللاتينية والآسيوية وغيرها ، الذين يحظون تقليديا بأفضلية لدى بيض الحزب الديمقراطى ، والأخطر من الميول الشعبوية التى تعبر عنها ظاهرة ترامب ، تنامى جاذبية الاتجاه إلى العنف أو الإرهاب الأبيض ، فى دولة تسيغ دستوريا حمل السلاح الفردى لكافة سكانها ، وبما فاقم انتشار جماعات الإرهاب العرقى ، وشروخ الانقسام الداخلى وتفشى الكراهية ، وهو ما قد لا يفلح بايدن فى مواجهته ، برغم تعهداته المغلظة فى خطاب التنصيب الرئاسى ، خصوصا مع أزمات الاقتصاد الأمريكى ، وبشاعة ظواهر عدم المساواة الاقتصادية والاجتماعية ، واحتكار غالب الثروة بيد طبقة الواحد بالمئة ، وكل ذلك قد لا يفيد معه قسم رئاسى على نسخة عائلية موروثة من الكتاب المقدس ، ولا المناشدات بالتزام الهدوء ، ولا الترويج مجددا لحلم أمريكى بانت عوراته ، فقد كانت "غزوة الكونجرس" مجرد عينة بينة ، قد تتلوها جولات عنف دامية ، يبدو فيها ترامب رمزا رغم أنفه ، تريد المؤسسة أن تقطع عليه الطريق ، ربما بدفعه إلى محاكمات جنائية بعد الفشل المتوقع للمحاكمة السياسية الثانية ، وبما يعيد تصوير ترامب ، وكأنه الفائز سياسيا بعد الإخفاق الانتخابى ، ويغذى رغبته المعلنة فى إعادة الترشح للرئاسة مجددا عام 2024 ، وهو ما قد لا تجد المؤسسة حلا ميسورا له ، سوى بتغييبه سياسيا عبر محاكمات جنائية ، تتعلق بالتهرب الضريبى وغيره من الجرائم ، ودفعه لإقامة فى السجن ، لا فى منتجعه الفاخر بولاية "فلوريدا" .

وبالجملة ، تميل المؤسسة الأمريكية الحاكمة إلى حصر المشكلة فى شخص ترامب ، وفى شذوذ كلامه وسلوكه عن القواعد العامة المتفق والمتواطأ عليها ، وكأن استبعاد ترامب يحل المشكلة الأمريكية المحتدمة ، التى تنشر أجواء احتراب داخلى ، غير مسبوقة فى حجم خطرها منذ الحرب الأهلية فى ستينيات القرن التاسع عشر ، ولا يبدو من سبيل لتوقى المصائر المخيفة ، سوى بخلق أمريكا مختلفة تماما ، كانت بعيدة عن خيال الآباء المؤسسين ، ولا تبدو مستساغة عند المؤسسة الحاكمة اليوم ، ولا تخدم مصالح المجمع الصناعى العسكرى التكنولوجى المسيطر بنعومة ، ويفضل إعادة تدوير الوضع لا تغييره ، وانتدب للمهمة جو بايدن ابن المؤسسة وسليلها المحنك المنضبط تماما ، الذى فاز أساسا بأصوات كارهى ترامب وما يمثله ، وعاش حياته السياسية المديدة متدرجا فى الصعود خطوة خطوة إلى قمة المؤسسة ، ويريد أن يحفظ توازنه على السلم المهتز ، لا أن يصنع مصعدا آخرا ، ولا أن يغير أمريكا المشيدة على تلال من الدماء والمظالم .

--------------------------------

بقلم: د. عبد الحليم قنديل

[email protected]

مقالات اخرى للكاتب

ما وراء
اعلان