02 - 03 - 2021

ماذا يعني قول المسلم "لا إله إلا الله"؟

ماذا يعني قول المسلم

أولا: لا إله إلا الله.

يظن الناس خطأ أن الشهادة تعنى مجرد قول، فإذا ما لفظ الإنسان الشهادة فهو مسلم. ومع أن هذا التفسير هو الذى أخذه المرجئة من الفرق الكلامية، وأبو حنيفة من الفقهاء إلا أنه يجعل اعلان الشهادة اعلانا مجانيا بلا ثمن، وقولا فارغا بلا مضمون. فما أسهل أن ينطق الإنسان بالشهادة باللسان دون أن يعنيها بالفكر أو يشهد بها بالوجدان أو أن يصدقها بالعمل. وهذا هو حالنا جميعا عندما نسمعها قبل كل صلاة فى الآذان، وعندما نرفع ابهامنا ناطقين بها ونحن راكعون فى التشهد فى آخر الصلاة، وعندما نرى جنازة فى الطريق العام، وعندما نرى مصيبة وقد حلت بفرد أو جماعة، وعندما نميز أمتنا عن غيرها من الملل.

فإذا كنا أكثر جرأة، وأكثر التزاما، وأكثر استنارة، فإن القول قد يصحبه فكر، فنعنى بعد النطق بالشهادة بأن الله موجود، وبأنه واحد، ولكن هذا الفكر المسطح الذى يجعل من الألوهية قضية اثبات أو نفى أو مجرد قضية عددية تشير إلى أن الله عدده واحد لا تزيد عن القول المجرد، فهى فكرة مجردة أيضا لا مضمون لها، فكلنا نعلم أن الله واحد، ولكن ما هى متطلبات هذه المعرفة، وماذا تعنى هذه المعرفة بالنسبة للشعور وكيان الفرد؟ وماذا عن أثرها فى العالم الخارجى؟ لا شئ، فهى معرفة جرداء عرجاء، ولو كنا نعلم جميعا أن الله واحد لما أشركنا به شيئا، ولا يعنى الشرك اثبات أن الله عدده اثنان أو أكثر بل يعنى الاشراك فى الدوافع والغايات، وكثير منا تحركه دوافع الهجرة إلى الخارج أو الكسب غير المشروع فى الداخل، أو البحث عن الجاه والسلطان، أو الجرى وراء الجنس المكبوت. فمعرفة أن الله واحد هى معرفة العجائز أن لم تتحقق متطلباتها.

فإذا كنا أكثر إلتزاما، وأبعد نظرا، وأعمق شعورا، أصبح للشهادة معنى يحياه الإنسان، ويشعر به، ومن ثم تكون المعرفة بأن الله موجود وواحد أكثر التصاقا بحياة الإنسان ووجدانه، يشعر بمعنى العبارة، ويحس بمضمونها، ويدرك أثرها فى النفس، فإذا قال الشهادة فإنه يعنيها ويشعر بها. ولكن يظل أيضا هذا الفهم على مستوى العجائز لأنه لا يحقق مطلبا فى الخارج، ولا يتجاوز عالم الإنسان الداخلى. يظل الله كدافع شعورى مطويا، مكنونا، مخزونا، حبيسا فى النفس، لا يدفع ولا يحرك، لا يبعث ولا ينشط، وكثيرا ما تزجه الدوافع الحسية الأكثر التصاقا بحياة الناس المباشرة، فيتحرك الإنسان بدافع الكسب أو الشهرة أو الجنس أو الخوف أكثر مما يتحرك بدافع الألوهية، وكثيرا ما تزاحمه هموم الحياة اليومية فيتحرك سعيا وراء الرزق والمواد الغذائية المدعمة من الدولة أكثر مما يتحرك بالألوهية الدفينة.

فإذا كان التزامنا واضحا، وكنا نبغى دفع الثمن الذى يتطلبه قول ((لا إله إلا الله))، وكنا أكثر التصاقا بالواقع، وأكثر التحاما بمشاكل الجماهير، وأكثر استعدادا للتضحية، وأشد جرأة، وأقل خوفا، وأكثر نقاء وطهارة، وأقل انغماسا فى الوظائف والروتين، تتحول الشهادة من الداخل إلى الخارج، فلا تكون قولا فحسب، ولا معنى فقط، ولا شعورا وكفى، بل تكون عملا يتحقق به هذا القول بالفعل، ويحيل معناه إلى واقع، ويتحول الشعور من رضى واستكانة إلى حركة ونشاط، وتنطلق الدوافع الحبيسة والطاقات المعطلة وتنصرف فى الواقع تجرف ما يصدها، وتعيد البناء، وتتحول الجماهير إلى حركة فى التاريخ. وهذا ما عنى به الفقهاء والمصلحون الاجتماعيون عندما فرقوا بين توحيد النظر وتوحيد العمل، وأن الثانى هو حق الأول ومضمونه، وأن انهيار المسلمين يحدث إذا ما أخذوا توحيد النظر وتركوا توحيد العمل، وأن صلاحهم وتقدمهم وفلاحهم انما يأتى بدفع ثمن التوحيد ألا وهو العمل.

فالشهادة اذن لا تعنى فقط القول أو التشهد بل تعنى أن يكون الإنسان حاضرا فى جماعة ويشهد على عصره، ويقول هذا مرض أقضى عليه، وهذا فقر فى مجتمع الأغنياء، وهذا احتلال لأراضى المسلمين، وهذا تخلف لدى خير أمة أخرجت للناس. فالشهادة من ((شهد)) أى الاعلان، والدحض، والفضح، والاثبات، والنفى، وأخذ الموقف، والانتصار للحق. تعنى الشهادة رؤية أحوال العصر والحكم عليها بأحكام الله. فإذا شهد الإنسان على عصره بالقول وبالعمل وفضح الانفصام بين الفكر والواقع، وأظهر المسافة بين كلام الله والأوضاع الإجتماعية، ومات دون غايته فإنه يصبح شهيدا، فالشاهد على عصره هو الشهيد فى عصره، والشهيد عند قوم هو الشاهد على أحوالهم. وبلا مساومة أو اعلان لإنصاف المفردات. الشهادة إذن هى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فى كل مكان حل فيه الإنسان، وفى كل جماعة يحط عليها، أن يغير الإنسان المنكر باليد أى بالفعل، وبالقول أى بالجهر بالحق، وبالقلب حتى يظل شعوره طاهرا نقيا، وحتى لا تفسد الضمائر والذمم أمام الرشاوى والاغراءات أو التهديدات والتلويح بالعقوبات.

ماذا تعنى: لا إله إلا الله؟

من الناحية اللغوية الصرفية وتركيب الجملة، العبارة منفية بلا ومستثناة بإلا، وإذا أردنا معرفة معناها كما يقول علماء اللغة وينصحون، وكما تعلمنا فى المدارس نسقط النفى ونسقط الاستثناء. فإذا فعلنا ذلك مع عبارة ((لا إله إلا الله)) وأسقطنا لا ثم أسقطنا إلا كان لدينا ((إله الله)) وهذا يسمى فى لغة المنطق تحصيل حاصل، إذ أنا نجعل الموضوع محمولا، والمحمول موضوعا أو أن نكرر الموضوع مرتين أو المحمول مرتين. وفى كل الحالات لا تفيد العبارة شيئا على مستوى النظر أو المعنى.

ولكن العبارة تدل على موقف عملى، وبتعبير أدق تدل العبارة على فعلين من أفعال الشعور يقوم بها المؤمن، فأفعال الإيمان كلها أفعال شعورية. الأول فعل الفرض فى قول الإنسان ((لا إله))، أن يرفض الإنسان كل آلهة العصر المزيفة، وأن ينفيها، ويفضحها، ويدمغها، ويقضى عليها باليد واللسان والقلب، فتلك شهادته عليها. وكل عصر له آلهته، وآلهة عصرنا هى المال، والسلطة، والجاه، والجنس، وغيرها، وهى آلهة لأنها تمثل أقوى الدوافع فينا. فالكل يبحث عن المال، ويجرى وراءه لاهثا، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار، ولا يراعى الإنسان فى ذلك قانونا، ولا يرعى حرمة، لا تهمه إلا العمولات، والسمسرة، والمضاربة، والتحايل على القانون، والتهرب من الضرائب، والسعى لدى الولاة من أجل تراخيص الاستيراد والتصدير، والإتجار فى السوق السوداء. وقد يبحث آخرون عن السلطة، حبا فى السيطرة، ورغبة فى التحكم فى رقاب الناس، فيتزلفون إلى الحكام سعيا وراء المناصب، ويبررون قراراتهم اسراعا منهم فى التأييد، ويباركون خطواتهم، ويثنون على أشخاصهم، ويجعلون أنفسهم مداحين ومنشدين، انتظارا للمن والسلوى، وكثيرا ما تطول قوائم الانتظار. وقد يبحث فريق ثالث عن الشهرة، ويتوق إلى أخذ المراكز الأولى، وإلى تصدر المجالس حتى تتحقق ذاتيته المنسية، ويكثر الحديث عنه فى أجهزة الإعلام، ويضحى بالمصلحة العامة من أجل تأكيد أدوارهم المدعاة، ويقضون على الوحدة الوطنية من أجل قيادة تبحث عن دور. وقد يبحث فريق رابع عن تحقيق رغبة جنسية مكبوتة، ويعبر عن ذلك فى الاشارات المستمرة إلى الجنس فى أحجاديثنا، وفى نكاتنا الشعبية، وفى ذكر شارع الهرم بملاهيه ولياليه، وفى الاكثار من الحفلات الراقصة، وإثارة المشكلات القانونية حول القبلات العلنية أو فى فرض الرقابة عليها فى الاعلانات الدعائية، أو عدها فى الأفلام حرصا على الرواج، أو المبالغة فى التعفف والتأنف والاشمئزاز، والتشدق بالطهارة والاعلان عن التمسك بالدين، وفرض الحجاب، وعدم لمس المحارم حتى لا ينتقض الوضوء، وعدم مجالستهم حتى لا يحضر الشيطان!

فإذا ما استطاع الإنسان بفعل الرفض هذا القضاء على آلهة العصر، ويا ليته يعيش حتى يقضى على واحد منها فقط، قام الشعور بالفعل الثانى ((إلا الله)) وأثبت حقيقة إيجابية وهى أنه يوجد إله حق هو الله، مبدأ عام شام يتساوى الجميع أمامه، وبالتالى لا يمكن لأحد أن يفسر الله لحسابه الخاص، فالمبدأ العام الشامل يعم الأفراد جميعا، ولا يمكن لأحد أن يجعل الله يعمل لحسابه الخاص، فالمبدأ الشامل لا تحيز فيه ولا موالاة لأحد على حساب آخر. فإذا ما اعتبر أحد أن الله يعمل لحسابه الخاص فتكبر وسيطر على رقاب الناس فإنه يصبح آلها من آلهة العصر وجب القضاء عليه، وإنزاله من على عرشه المزيف، فكيف يجعل الإنسان نفسه إلها؟

فعلى المسلم الذى يقول ((لا إله إلا الله)) بدل المرة عشرات المرات كل يوم أن يرفض ثم يقبل، يرفض آلهة العصر المزيفة، وبلغة العصر أن يكون ثائرا رافضا للأوضاع القائمة التى يدعى فيها الأفراد الألوهية باستحواذهم على السلطة وتركيزهم الأموال فى أيديهم، ثم يقبل الإنتساب إلى مبدأ يتساوى الجميع أمامه أى يكون بانيا لمجتمع جديد لا طبقية فيه ولا سيطكرة ولا تحكم فيه. فلا يوجد هدم بلا بناء، ولا يوجد بناء بلا هدم، ولا يوجد سلب بلا ايجاب، ولا ايجاب بلا سلب. مهمتنا اذن فى النقد الإجتماعى وبيان عورات العصر ومآسيه ثم إعادة بناء الأمة طبقا لمبادئ الحرية والعدل والمساواة.

وهذا هو معنى التوحيد الذى تشير إليه شهادة أن لا إله إلا الله. يعنى التوحيد التحرر الوجدانى من كل قيود قاهرة للإنسان حتى يصبح الإنسان حرا فى قراراته وسلوكه وأفعاله. كما يعنى أيضا المساواة الإجتماعية، فالكل بشر متساو أمام مبدأ واحد، لا فرق بين أبيض وأسود، حاكم أو محكوم، كبير أم صغير، قوى أم ضعيف. ويعنى ثالثا التكافل الإجتماعى اذ لو حدث وظهرت فروق بين الطبقات فإن واجب الأمة إعادة البناء الإجتماعى من جديد حتى يبقى المجتمع اللاطبقى هو الدليل الوحيد على أن الناس سواسية كأسنان المشط، والثورة المستمرة على إقامة مجتمع العدل والمساواة.
------------------------
بقلم: د. حسن حنفي *
* نقلا عن صفحة الكاتب على موقع فيس بوك

مقالات اخرى للكاتب

ماذا يعني قول المسلم
اعلان