19 - 01 - 2021

إعلام الدولة أم دولة الإعلام؟

إعلام الدولة أم دولة الإعلام؟

أعتقد أن اتفاق العلا لم يضع الإعلام المصري في حيرة فحسب، بل إنه أربك حسابات الإعلام العربي كله وغيّر وبدّل من أجنداته وبرامجه اليومية على أقل تقدير.. في صباح ذات الْيَوْمَ اجتمع ولي العهد السعودي بحاكم قطر وأذاعت قناة العربية ونقلت عنها الجزيرة مراسم الاستقبال، ودون الخوض في وضع القاهرة كحاضر وموقّع على الاتفاق، وكذلك غياب الإمارات عن العلا، كل ذلك رسم خريطة ضبابية للمشهد، فبينما يتبارى معدو التقارير ومحررو الأخبار ويتنافس كل منهم لينطق بدُرة ولؤلؤة من طيب الكلام وأفصحه وليستحضر المذيع أحباله الصوتية ليطربنا بصوته الرخيم المخملي.

أما الإمارات فاتخذت قنواتها وأدواتها الإعلامية نفس مسلكها، الحاضر الغائب، حضرت اتفاق العلا بتمثيل دبلوماسي دون المستوى، وهكذا تعاملت منابرها الإعلامية بذات الأسلوب، عرضت الحدث دون تسليط الضوء عليه، أو تفاصيل خطواته التمهيدية وتفاصيل ما تم التوصل إليه من اتفاق مبدئي.

وأعترف أني لا اجيد السياسة ولا أودّ، ولكن موقف قطر- وأعني هنا الجزيرة - كان مخيبًا لآمالي وظنوني، فقد تصورت أن الجزيرة ستهلل فرحًا وسعادةً بإنهاء أزماتها مع ثلاثي دول الحصار الخليجية، هذا من جانب، والجانب الآخر إنهاء أزماتها مع مصر (أم الدنيا) وهو الجانب المهم والاستراتيجي.. إلا أن الجزيرة واصلت نفس نهجها المعادي ونبرتها المستفزة في نفس يوم العلا، حتى أذيع حوار وزير خارجيتهم والذي قال بكل صراحة ((إن خلافنا مع دول (الأزمة) متعدد الأسباب، ولذلك فإن أسباب خلافنا مع مصر يختلف عن أسباب خلافنا مع المملكة العربية السعودية أو مع الإمارات.. أما بالنسبة لقناة الجزيرة فهي مؤسسة إعلامية تفخر بها قطر)). 

شبكة الجزيرة يعمل بها نحو ٤ آلاف موظف من جنسيات عديدة جلهم ليسوا من القطريين، تعتبرها الدولة سلاحها الناعم، بل تعتبرها سلاحًا فتاكًا، وأحيانًا تعتبرها سلاح ردع لكل من تسول له نفسه المساس بمصالحهم، ولذا أعدت الدوحة للجزيرة ما استطاعت من قوة ومن ركاب الخيل لتحارب بها أعداءها وقد نجحت.

أما في مصر فالوضع غاية في التعقيد والتقعر.. إعلام منهك، يخسر معركة تلو الأخرى، أفقده أنصاف الرجال قوته وصلابته حتى بات مسنًا مريضًا كالرجل المحتضر، يتصدر المشهد مسوخ طغوا فأكثروا فيها الفساد، فعزف المواطن عن متابعته، وبذلك تكون الدولة فقدت عنصرًا مهمًا من أدواتها الناعمة، وهو المتلقي أو المستقبل.

ولا اشك ان بفقدان هذا العنصر وهو  المتلقي يصبح الإعلام غير  ذي فائدة، نمسي كدار عجائز  يسكنها صم بكم يعلو فيها اصوات المذياع وتملؤها شاشات التلفاز ، فأي نفع لأولئك أو هؤلاء؟

تمتلك مصر كوادر بشرية تدير مؤسسات عابرة للقارات، يتسامر على مقاهيها  أضعاف من يعملون بشبكة الجزيرة، قادرون علي النهوض بأي مؤسسة إعلامية وتحويلها من ركام إلى صرح ومنبر إعلامي له أهدافه وقت السلم، وله مخالبه وقت الحرب، ولن يتم ذلك الا إذا أعدنا رسم المشهد الإعلامي من جديد واعددنا الخطط والدراسات التي نسير عليها بشكل مستقيم لا نرى فيه عوجًا ولا (أمتًا).

البنية التحتية لإعداد كتائب الإعلام المصري - المؤهلة لاجتثاث الشائعات ودحر الإرهاب ومحاربة الفساد والتصدي للجريمة ونشر المثل والمبادئ - متوافرة، فلمَ لا نحسن استغلالها ، لتساعد وقت الرخاء وتدرأ وقت الشدة.. إن المتابع لما تحيكه الجزيرة لبلادنا يعي تمامًا أن الدوحة أهدت الجزيرة لقب (دولة) تيمنًا بجملة (دولة رئيس الوزراء) لتصبح إعلام الدولة.. وهذا ما نرجوه أن نصبح من جديد جنودًا فاعلين في كل صولات الدولة وجولاتها، ان تدعمنا الدولة بالإمكانات وتكف ايديها عنا؛ من منطلق ان اهل مكة أدرى بشعابها، لنظهر على الساحة من جديد لنا جمهور نؤازره ونعاضده، لنا جمهور نمثله ونعاونه.
----------------------------
بقلم: حسام الكاشف *
* صحفي بمؤسسة أخبار اليوم

مقالات اخرى للكاتب

إعلام الدولة أم دولة الإعلام؟
اعلان