19 - 01 - 2021

شاهد على العصر (28) وأخذت أجري هاربا من منطقة لبائعات الهوى في اسطنبول

شاهد على العصر (28) وأخذت أجري هاربا من منطقة لبائعات الهوى في اسطنبول

يقولون فى السفر سبع فوائد.. بالتأكيد فوائد كثيرة فى السفر بشكل عام فما بالك عندما تكون هذه السفريات لمهام سياسية أو حضور مؤتمرات يتعرف المرء من خلالها على طبيعة الشعب ونظام الحكم، حينها يكون السفر جانبا هاما من التجربة السياسية. 

سافرت عدة مرات لدول عربية وأوروبية، حضرت في واحدة منها مؤتمر الشباب العالمى بالاتحاد السوفيتى عام 1985، ثم إلى السودان ثلاث مرات، مرة لحضور الانتخابات التى سلم فيها سوار الذهب الحكم للمدنيين. ومرتين لحضور مؤتمر الأديان العالمى، وشاهدت فيهما لأول مرة رؤساء  ماتسمى بالاديان الوضعية التي لم أكن على علم بها، وفى عام 1987كانت زيارة إلى ليبيا  تقابلنا وتحاورنا فيها مع العقيد القذافى. 

أما عام 1988 فكانت إلى الكويت، وهى الزيارة الوحيدة التى قمت بها على حسابى الخاص، حيث أن كل الزيارات الأخرى كانت بدعوة من الدول المزارة أو بدعوة وعلى نفقة منظمات سياسية عربية. 

زيارة الكويت كانت زيارة (كنسية)، كنت صديقا مقربا للبابا شنودة الثالث وكانت علاقتى به تفرض على بعض المهام التى يكلفنى بها البابا، مثل المشاكل مع وزارة الداخلية التى كنت أقوم بحلها بأعتبارى عضوا بمجلس الشعب، وكانت رسامة اسقف للقوصية بعد فصلها عن إيبارشية ديروط تتطلب تجهيز مقر وسكن للاسقف. فتم تكليفى بزيارة الكويت لمقابلة العاملين المسيحيين فيها من أبناء القوصية  لكى أجمع تبرعات لإقامة هذا المقر.

 ذهبت إلى الكويت ولم أكن مستريحا لزيارة بهذه الخصوصية خاصة أننى كنت نائبا عن الشعب (ولكن كانت النظرة الطائفية تسبق الوطنية!). وأنا فى الطائرة وقبل الهبوط قررت أن أحول الزيارة إلى زيارة سياسية، فى اليوم الأول كلفت بعض الشباب المسيحى تحديد بعض الشباب من كل قرية تابعة لمركز القوصية وجمع التبرعات منهم دون تدخل مباشر من جانبى. 

وفى ذات اليوم وكان يوم جمعة قمت بزيارة المصريين (وليس أبناء القوصية أو اسيوط) فى جميع مستشفيات الكويت بدون استثناء وبصفتى النيابية، كنت أثناء زيارة ليبيا عام  1987 قد تعرفت على رئيس تحرير جريدة الرأى الكويتية وهو فلسطينى الأصل (عبد الله الشيتى) فاستقبلنى وأقام على شرفى حفل استقبال دعا فيه النخبة الكويتية (وزراء وصحفيين وسياسيين..الخ). فأحدث هذا الحفل حالة من الانفتاح على مجتمع الصفوة الكويتية، تلك الصفوة التى تنبهر بالمواقع النيابية. قمت بزيارة السجون التى بها مصريون، تواصلت مع السفارة المصرية فى الكويت يوميا لحل مشاكل المصريين هناك. طلبت من السفير أن أعقد اجتماعا أسبوعيا للمصريين فى السفارة للتعرف على مشاكلهم واحتياجاتهم ولكنه اعتذر بحجج واهية، فكان البديل أن قام أحد ابناء القوصية (على سيد عوف الجزار) بتجهيز سطح العمارة التى كان يقطنها وكنا نعقد مؤتمرا كل ليلة خميس للمصريين ومن كل المحافظات لمناقشة كل القضايا، الأمر الذى جعل السفارة المصرية ترسل تقريرا فى هذا الشأن خاصة أننى محسوب على المعارضة حيث كنت نائبا عن حزب العمل الاشتراكى، وتمت مناقشتي فى هذا الأمر من د. رفعت المحجوب ووزير شئون مجلس الشعب، فكان ردي: نعم عقدت مؤتمرات وزرت المصريين فى السجون والمستشفيات وهذا حقى وعملى كنائب عن الشعب .فماذا فعل نواب حزبكم الوطنى؟ ضحك المحجوب وقال: والله صدقت! انفتحت على النخبة الكويتية وزرت البرلمان الكويتى وأجريت أحاديث صحفية لأغلب الصحف والمجلات الكويتية. وكنت أحضر كثيرا من الأمسيات فى الديوانيات التى تدور فيها الحوارات ويردد الحاضرون فيها دائما أن (المصريين شعب صاحب تاريخ وهذا مانفتقده نحن!). 

كانت لنا سهرة أسبوعية كل أربعاء مع ملحن ومطرب فلسطيني يحضرها وزير الداخلية ووزير البترول، وكذلك مدير مستشفى الولادة إضافة إلى رجل اعمال فلسطينى له محلات ملابس بحى السالمية، وكان يعد فساتين الحفلات لام كلثوم اعجابا بها. هذه السهرة كان يتخللها الغناء من الجميع فى إطار فنى راق ( ولازالت هذه التسجيلات موجودة) . 

استمرت الزيارة لمدة شهر وكان أن دعانى سفير العراق فى الكويت لزيارة بلاده  وتقديم التهنئة بعد انتهاء المعارك مع ايران، ولكن جاءت الدعوة قبل مغادرتى الكويت بيوم واحد فاعتذرت على أن أقوم بها من القاهرة.

في تلك الزيارة أقام أبناء قرية مير حفلا لى وتم اهدائى ساعة (رادو) بأعتبارى نائبهم، ولكن بعد اختلاف وجهات النظر مع البابا شنودة حول خلط السياسى بالدينى تمت معايرتى بهذه الساعة ونالنى منهم نصيبا كبيرا من الإهانات.

عدت الى القاهرة ومعى شيك بأربعين الف جنيه تم شراء سيارة للأسقف بها، بعد شهر من العودة أرسل لى وزير البترول الكويتي خطاب يدعونى فيه إلى زيارة الكويت لمشاركتهم فى رحلة سفاري فى الصحراء، وطبعا اعتذرت لعدم قدرتي المالية على تحمل تكاليف السفر مرة أخرى. 

اليونان واسطنبول 1989

قام صندوق خدمات الأعضاء بمجلس الشعب بتنظيم رحلة لليونان وتركيا لمدة أسبوعين نظير تكلفة 2000  جنيه للعضو، بالطبع لم يكن لدى هذا المبلغ فلم افكر في الرحلة، ولكن فوجئت بالدكتور رفعت المحجوب يصدر قرارا بسفري على حساب المجلس نظرا لتميز أدائي البرلماني، ذهبنا الى أثينا، تلك المدينة التى عندما تطأ قدماك أرضها لاتشعر بأى غربة، فأنت فى الإسكندرية بشوارعها ومبانيها ومرتفعاتها لدرجة التساؤل ما إن كنت فى أثينا أم فى الإسكندرية؟ 

زرنا المدينة بمتاحفها الإغريقية التى تسجل الحضارة اليونانية مبدعة الفلسفة ومفتاح الحضارة الأوربية بشكل عام، زرنا الجزر اليونانية وهى الجزر التى زارها بولس الرسول ( جزر كورنسيس وتسالونيكى..الخ) وجاءت فى شكل رسائل مدونة فى الإنجيل باسم هذه الجزر التى لاتستطيع أن تصفها إلا بالجنة على الأرض. 

من المشاهد الغريبة بالنسبة لي، أنه فى اليوم الأول لوصولنا شاهدنا ممارسات وتقاليد غير معتادين عليها مثل القبلات الساخنة بين رجل وامرأة فى الشارع أو أغلفة المجلات الجنسية التى تباع أمام الأكشاك أو السينمات التى تعرض افلام الجنس وبين كل سينما والآخرى سينما (ولا نعرف الآن مصير هذه الأشياء بعد وسائل التواصل الاجتماعى التى جعلتها فى متناول الجميع حتى الاطفال الصغار). 

كالعادة قام السفير المصرى فى اليونان باستقبال الرحلة وتناولنا طعام الغداء فى السفارة. 

ذهبنا الى اسطنبول زرنا متاحفها المتعددة التى تؤرخ لعصور عديدة، كما زرنا بعض الجزر الرائعة ومسجد السلطان احمد وهو تحفة فنية لابد لأى زائر أو سائح أن يزوره وبلا مقابل. بجوار المسجد كنيسة (أيا صوفيا) تلك الكنيسة التاريخية التى حولت إلى متحف بعد أن كانت مسجدا، ثم حولت أخيرا لمسجد مرة أخرى، فرأينا متحفا لكنيسة داخلها آثار لمسجد والدخول بعشرة دولارات. 

أعاد أردوغان المتحف إلى مسجد خلال العام الفائت مما أحدث ردود أفعال طائفية ، وفعلة أردوغان هذه لم نر شبيها لها فى مصر، غير أنه عند دخول المسيحية تم تحويل بعض المعابد المصرية القديمة إلى كنائس، ولكن لم تحول كنائس إلى مساجد (حسب علمى) حتى وإن كان هناك تضييق على بناء الكنائس فى مراحل تاريخية بذاتها. 

زرنا القنصلية المصرية فى اسطنبول وهى تطل على البسفور وهى مبنى قمة فى الفخامة يتجاوز كل حد، وهذه السفارة كانت قصرا لوالدة الخديوى اسماعيل . 

الرحلة كانت ترفيهية ولا علاقة لها بالسياسة، ذهبنا الى السينما والملاهى الليلية وكل جماعة تذهب بعيدا عن الجماعة الأخرى حتى لاتعرف ماتفعله، ولكننا بشر خطاءون.

مؤتمر في اسطنبول

تمثل القضية الفلسطينية بالنسبة للدول العربية والإسلامية القضية الأهم لما لها من أبعاد متعددة، كما أن قضية القدس تمثل أهمية خاصة، حيث أنها المدينة التى تجمع بين جنباتها كل الأماكن المقدسة المسيحية والإسلامية وأيضا اليهودية.

فى عام 2007 عقدت عدة مؤتمرات فى القاهرة عن قضية القدس، وكان بينها مؤتمر بنقابة الأطباء، كان الداعى له حينذاك الدكتور عبد المنعم ابو الفتوح حيث كان يشغل موقع الأمين العام لنقابة الأطباء وفى نفس الوقت كان قيادة مرموقة فى جماعة الإخوان مما جعل هناك تداخل بين نقابة الاطباء وكثير من الأنشطة والمهام التى تمارسها الجماعة مثل مساعدة الأفغان فى محاربة الاتحاد السوفيتى فى سبعينات القرن الماضي، وكانت العلاقات متداخلة أيضا حينذاك بين الدولة والجماعة، تمت دعوتى لحضور هذه الندوة وطرحت وجهة نظرى التى تتناقض كل التناقض مع الطرح الاستعمارى والصهيونى لقضية القدس موضحا خطأ الاستدلال بنصوص العهد القديم اليهودية. تم استحسان هذا الطرح من الحاضرين حيث كان أغلبهم من جماعة الإخوان ومن تيار الإسلام السياسى بشكل عام. 

خلال نوفمبر من نفس العام تم عقد مؤتمر عالمى عن قضية القدس في اسطنبول يحضره مدعوون من كل أنحاء العالم من تيارات وجماعات إسلامية وسياسية تتوافق فى قضية القدس سواء على أرضية دينية أو أرضية سياسية، فوجئت بدعوتى لحضور هذا المؤتمر ضمن المدعوين من نقابة الأطباء المصرية وعلى حسابها (حيث أن كل التنظيمات السياسية والدينية تكفلت بتحمل أعباء ومصاريف السفر والإقامة وكان على الدولة التركية الإعاشة أثناء المؤتمر فقط. 

ذهبنا إلى مطار القاهرة وتجمعنا، التقيت بالفنانة إفراج الحصرى ( ياسمين الخيام) وهى ابنة الشيخ محمود خليل الحصرى أحد أشهر المقرئين للقران. كانت قد اعتزلت الغناء وانخرطت فى العمل الخيرى فى جمعية الحصرى بمدينة 6 اكتوبر، في أول لقاء بيننا اقتربنا ومعنا المرحوم فخرى لبيب من أشهر كوادر اليسار المصري، نزلنا فى فندق واحد ومعنا د. احمد الكحلاوى خبير الآثار (ابن الفنان والمطرب محمد الكحلاوى). كنا نحضر جلسات المؤتمر وفى أخر اليوم تكون لنا جولات خاصة لزيارة معالم المدينة، خاصة أننا كنا نقيم بجوار ميدان (تقسيم) أشهر ميادين اسطنبول وهى منطقة راقية. 

دارت جلسات المؤتمر حول قضية القدس، وكان لى شرف أن شاركت ورأست إحدى هذه الجلسات وكان عنوانها ( القدس قضية إنسانية). كان عدد الحاضرين يفوق الألفين من كل أنحاء العالم ولم تكن الاستضافة على المستوى المطلوب، حيث كان طعام الغذاء عبارة عن طبق من الأرز وقطعة لحمة وعلبة زبادى (الزبادى يشارك كل الوجبات بدون استثناء) ولذا كان الافطار فى الفندق والعشاء على حسابنا فى أي مكان. 

كنا نتجول بعد العشاء فى ميدان تقسيم (مماثل لميدان التحرير فى القاهرة) وكان هناك أحد المتسولين يجلس فى ركن من الميدان ومعه عود يعزف ويغنى على انغامه أغان تركية، حتى يقوم المحسنون بإعطائه مبلغا من النقود. وقفنا أمامه نستمع للاغانى التى يغنيها، استشعر أننا مصريون وأخذ يغنى أغان مصرية (انت عمرى ...واغانى لفريد الاطرش)، فوجئنا وسررنا وأخذنا نغنى معه ونحن فى حالة من النشوة والسعادة. كانت معنا ياسمين الخيام (المطربة ذات الصوت القوى) أحسست أن الموهبة الكامنة بداخلها تتحرك، ولكنها فى حالة خجل أمامنا حيث أنها طوال اليوم وفى المؤتمر يقوم الجميع ومن كل أنحاء العالم بالسلام عليها وهناك من كان يقبل يديها احتراما (تصورا أنها داعية خاصة أن ملابسها البيضاء تعطيها حالة من الجلال). 

تشجعت وطلبت منها مشاركتنا فى الغناء، غنت واندمجت وابدعت حتى أننا ظللنا نغنى بعد مغادرتنا مكان المطرب (حيث أنى امتلك موهبة الأداء اللحنى وهذا غير الطربى ). ونحن فى هذه الحالة وجدنا أحد الأشخاص الذى عرف أننا نتحدث العربية اقترب الينا وقال لنا (إحنا تحت امركم كما تريدون، بالليلة ولا بالساعة ؟). لم أفهم فى البداية ولكن أحد من معنا أدرك المقصود فقال له: هل تعرض هذا العرض ونحن معنا سيدة؟ لم يرد وأخذ يكرر العرض مضيفا: يمكن أن تشاهدوا الفتيات والسيدات وتختاروا ماتريدون؟ استغربت العرض والطريقة التى لم نعرفها من قبل. تحمس أحدنا وقال نذهب لنرى ما نسمع عنه فى تركيا . ذهبنا بهدف الرؤية بالطبع! وسار بنا ودخل حارة. 

انتابتنى حالة سابقة حدثت لى وأنا طالب فى ديروط ونفس الموقف حدث فى موسكو، فأخذت فى التراجع بل فى الجرى والجميع يجرى ورائى!.

كان معنا مندوب مرافق من نقابة الأطباء ليقوم بالصرف على الوفد، رتب لنا رحلة لإحدى الجزر وكانت رحلة أكثر من رائعة شاهدنا فيها الكوبرى المعلق الذى يربط جناحى تركيا الجناح الاسيوى والجناح الاوربى أى أنك وأنت سائر على الكوبرى تنتقل بين قارتى اسيا وأوروبا فى ذات اللحظة، هناك فى اسطنبول جزر رائعة أهمها جزيرة الأمراء وجزيرة الاميرات وهما الجزيرتان اللتان قمنا بزيارتهما، إضافة إلى زيارة كنيسة أيا صوفيا ومسجد السلطان أحمد، إضافة لزيارة بعض المتاحف حيث تضم اسطنبول سبعة عشر متحفا أهمها متحف الاثار والمتحف الاسلامى ومتحف الشمع ومتحف كنيسة خورا. 

وفى اخر يوم للزيارة كان هناك وفد من جماعة الاخوان برئاسة البلتاجى، دعانا إلى غداء فى أشهر مطاعم اسطنبول (بالمطعم مئات الصور لمشاهير العالم من سياسيين وفنانين..الخ ). ولكن من الواضح أن الدعوة لم تكن لوجه الله ولكن كانت لغرض اخر، حيث تم فتح الحوار معى على كيفية الوصول إلى الكنائس؟!! . استغربت وقلت: ماذا يعنى الوصول إلى الكنائس؟ قال ومن معه: يعنى كيف يمكن أن نزور الكنائس لكى تكون هناك علاقة بين الجماعة والشباب المسيحى؟ هنا أدركت المقصود ولأول مرة اعتبر أن هذه الدعوة لاتليق بى كما انى أدركت أن الجماعة قد وصلت للمباشرة فى التحرك لتحقيق أغراضها. وتساءلت: هل هذه الدعوة لحضور المؤتمر فى اسطنبول كانت نوعا من الاستمالة أم نوعا من محاولة التجنيد؟ طبعا لا مكان لهذا أو لذاك .
--------------------------------
بقلم: جمال أسعد عبدالملاك*
* سياسي وبرلماني مصري سابق


مقالات اخرى للكاتب

شاهد على العصر(29) من مواجهة طرح حماس إلى الانبهار بـ
اعلان