15 - 01 - 2021

ترنيمة عِشْق| إسماعيل ياسين وسيدة المترو

ترنيمة عِشْق| إسماعيل ياسين وسيدة المترو

في طريقي لاتحاد الكُتّاب بالزمالك/القاهرة لفتَ انتباهي "فيلا" مُعلقٌ على سور حديقتها لافتة نُحاسية مُعتنَى بها، مكتوبٌ عليها: "إسماعيل ياسين كان يسكن هُنا"، وقفتُ دقائق أُنعِم النظر في البناية وأبتسم، يُخال إليّ وكأنّي ألمَح طيف الفنان "الشعبي" يهبط درجات السُلم مرحبًا بي بابتسامته المعهودة وبساطته التي جعلته يعترِش قلوب محبيه.

بذات اليوم؛ دلفتُ إلى محطة المترو، وما إن استويتُ على مقعدي حتى هالني حوار خلفي يدور بين سيدتين لكل منهما ابنة تعاني من مرض لا شفاء منه يُرجى، ويشكوان هَميهما وما تعانيان من مشقة وتعب وضيق ذات اليد في خدمتيهما وعلاجيهما اللذَين يمتدان حتى نهاية العمر، وفجأة أجهشتْ إحداهن بالبكاء هامسة لصاحبتها: ابنتي بلغت السابعة والعشرين من العمر وتمتلك عقل طفلة، وإخوتها مشغولون بحياتهم الزوجية، وصحتي لم تعد تحتمل مشاق الخدمة،  وزوجي يضيق ذرْعًا بتصرفاتها،  وأخشى ما أخشاه أن يتوفني الله ولا تجد ابنتي غير الشارع مأوىً لها! سيّما وأن المرضى النفسانيين قد تم إخراجهم من المشافي بعد ثورة يناير2011.. وارتفع نحيب الأم المكلومة يُقطّع نياط قلبي. 

انداح جدول الأحزان في أعماقي وأنا أتذكر حادث السرقة الذي تعرضتُ له من أسبوعين، وتواترت الأنباء -حينذاك- بأن السارق من نزلاء إحدى دور رعاية الأيتام، ولَمّا قررتُ زيارة الدار اكتشفتُ أنها دار بلا مشرفين ولا إمكانات! بل مجرد مبانٍ متهالكة يتخذها الأيتام وأطفال الشوارع مَسكنًا لهم، يتعلمون الإجرام والإدمان من بعضهم البعض دون رقيب أو حسيب، وينتقمون بطريقتهم من مجتمع لم يحنُ عليهم بل تركهم فريسة لظلامهم الطويل، فنسجوا لأنفسهم حياة خرِبة بين الشقوق والجحور وداخل مكبات النفايات.. (أَذكر أنّي كتبتُ عنهم ذات مقالٍ سابق بعنوان: زهور ربيعٍ منسيّة).

قد تتساءلون عن الرابط بين إسماعيل ياسين ووجع سيدة المترو ودار الأيتام الخرِبة، الجواب بقدر بساطته بقدر ألمه وصعوبة الحل ولا أعلم لمَ؟! فالفنان إسماعيل ياسين اشتُهر عنه أنه كان سبّاقًا في تحمّل مسؤوليته الاجتماعية مُتبرعًا ومُساهمًا في الملمات الوطنية وتسليح الجيش إبّان حرب 1956، وغيرها من الأزمات الإنسانية التي مرت بالوطن،  ومثله فعلتْ أم كلثوم وليلى مراد وشادية وأنور وجدي ومريم فخر الدين وعز الدين ذو الفقار وتحية كاريوكا وغيرهم. 

الديانات السماوية كافّة رهبّتْ من كنْز المال وشُح الأنفس،  ودعتْ للإنسانية والمرحمة والحث على التكافل، فللمعوز حق في مال الغني؛ كي تتعافى المجتمعات من أمراضها النفسية والاجتماعية، وكي لا تشتعل نفس المحتاج حقدًا وألمًا وحسدًا، وفي الحديث القدسي عن رب العزة: "الأغنياء وكلائي والفقراء عيالي، وإذا بخل وكلائي على عيالي أدخلتهم النار ولا أبالي"، وفي المسيحية: "لا تكنزوا لكم كنوزًا على الأرض،  بل كنزوا كنوزًا في السماء".

التبرع سواء من منطلق ديني أو إنساني، هو دليل نضج المجتمعات منعًا لغرس بذور الكراهية والتفرقة بين الطبقات وشيوع الجريمة، وهنا أُغبط الغرب الذي ترسّخت لديه قيمة "العمل الخيري" في مناهجه الدراسية، لدرجة أن الالتحاق بالجامعات يشترط على الطالب تقديم ما يثبِت أنه قد عمل عددًا معينًا من الساعات على سبيل التطوع، دليل أنه يشعر بمسؤوليته تجاه بلده، ولا يهم إن كان حاصلا على الدرجات النهائية أم لا في مواده الدراسية!

أغبطهم -ولا أقول أحسدهم- ساعة أرى وأسمع عن الملايين من الدولارات يتم التبرع بها لتطوير التعليم، والرعاية الصحية، ومحاربة الفقر المدقع، وتطوير الصرف الصحي، وخلْق فرص عمل للعاطلين، وحملات التوقف عن التدخين، وحقوق الإنسان والحيوان، وتطوير تكنولوجيا الاتصال، وتخطّت التبرعات حدود بلادهم لتصل لبلدان إفريقيا وآسيا.

أَنظر لطبقة في مجتمعنا يتسع ثراؤها يومًا بعد يوم،ٍ وأتساءل عن الفعل الحقيقي والأثر الملموس الذي يحدثونه بعيدًا عن "البروباجندا" و"الشو" الإعلامي، فلا أجد طحينًا بل جعجعة فارغة، رجال أعمال وفنانون وإعلاميون ودُعاة ولاعبو كُرة قدَمٍ تعدّتْ ثرواتهم الملايين، ومنحهم الجمهور حُبًّا وتشجيعًا ومكانًا بالقلوب، أين هم من المشاريع الخيرية الحقيقية التي تعود على اليتيم والمعوز وطالب العلم والمرضى والمدمنين الذين ناءتْ كواهل الأُسر من حملها؟! الناس فقدتْ الثقة في المشاهير -وبعض المسؤولين- الذين يعلنون ليل نهار عن تبرعهم في وسائل الإعلام، ولحظة "الدفع" الحقيقي يتراجعون أو يُقتّرون ويمنحون الفتات.

هؤلاء الذين جنوا ثرواتهم من الشعب، ومن تسهيلات قُدّمت إليهم فتوالت نجاحاتهم عليهم مسؤولية اجتماعية تستوجب تحقيق مشاريع حقيقية على أرض الواقع، فلماذا -مثلًا- لا يًُفرض على فلان مبلغ محدد لتطوير الصرف الصحي في منطقة ما مُتحمّلًا تكاليفها تمامًا،  وفلانة تبني مدرسة مجهزة لقرية ما، وآخر يقيم دارًا للأيتام بكامل احتياجاتها، ورابع وخامس يوفران أجهزة طبية دقيقة لأحد المشافي، وغيرهم يطورون مكانًا لعلاج الإدمان أو لأصحاب الأمراض المزمنة كالجُزام والأمراض النفسية.

هكذا تتوثق عُرى المجتمع بطبقاته المختلفة للرقي بالوطن، ولكي لا يرتبط بالأذهان أن التبرعات مرتبطة بمناسبات دينية أو وطنية فقط، وفي عَين الوقت مُحَتّمٌ على الإعلام ومناهج التعليم ترسيخ قيمة العمل الخيري، ليُخلق جيلٌ شديد الانتماء للوطن حريصٌ على رفعته ليكون قامةً سامقةً باسقةً كما ننشده دومًا.
------------------
بقلم: حورية عبيدة


مقالات اخرى للكاتب

ترنيمة عشق| إحياء العربية بصِدْقِ النَّوايا
اعلان