20 - 01 - 2021

هل ينجح مجلس فقهاء فرنسا فيما فشل فيه فقهاء العالم الاسلامي؟

هل ينجح مجلس فقهاء فرنسا فيما فشل فيه فقهاء العالم الاسلامي؟

"بيدى لا بيد ماكرون" ذلك ما كنت أتمناه عندما اطلعت على تقرير حول أن الرئيس الفرنسى ماكرون يسير قدما لإيجاد حل يتناسب مع دستور بلاده التى تحوي غالبية مسيحية ويهودية وغير متدينة، وأنه قام  بالاجتماع مع قادة المجلس الإسلامى فى فرنسا والذى يضم 9 اتحادات من أجل تأسيس مجلس أئمة تكون مهمته تعيين وعزل رجال الدين المسلمين، والتخلص من 300 إمام قادمين من المغرب والجزائر، ووضع ميثاق يحترم مبادئ الجمهورية الفرنسية ويقر بأن الاسلام دين وليس حركة سياسية، وعلى الجميع فى فرنسا الالتزام به، مما يحول دون وجود تجمعات دينية سكانية خارج سلطة الدولة والتى نعتها الرئيس الفرنسى بالانفصالية. كما قام بضبط نشاط بعض الجمعيات الاسلامية التى يزيد عددها عن 4000 جمعية.

حدث ذلك فى الوقت الذى ملأنا فيه الدنيا صراخا وتمزيقا لصورالرئيس الفرنسى وقذفها بالاحذية وقطع رأس دمية على هيئته، وذلك دفاعا عن ديننا، وكأننا لا نعانى من مشكلات فقهية وتحديات أصابتنا بردة حضارية، ودون أى اعتبار لوجود نحو ستة ملايين مسلم استقبلتهم فرنسا ويعيشون على أرضها، ودون الاعتراف بأن لدينا أفكارا عفى عليها الزمن، منبعها كتب الفقه والتراث وتعد مصدرا للارهاب بتفسيرها تفسيرات خاطئة، وأن مسلمي فرنسا لديهم مشكلات أيضا فى أساليب العيش مع أغلبية مسيحية ويهودية وملحدة، حتى خشى الغرب من تكوين تكتلات وتجمعات انفصالية بعيدة عن بلادهم، وبناء عليه قدم الرئيس ماكرون خطابه، وقام بتشكيل مجلس من فقهاء فرنسا، والسؤال: هل ينجح مجلس فقهاء فرنسا فيما فشل فيه فقهاء السنة فى العالم العربى والاسلامي، بتبنى خطاب إسلامى جديد مختلف، ينقح التراث من الروايات والأحاديث الكاذبة التى تدعو للعنف؟ خطاب دينى جديد يدعو لاحترام الآخر ومحاربة التطرف والارهاب وتحقيق المساواه، وهل يقدم هذا المجلس خطابا دينيا مختلفا عما سبق أن تناوله فقهاءنا العرب بأيد مرتعشة، وهم يطبقون إعمال النص بعيدا عن إعمال العقل والأخذ بالمقاصد، متجاهلين ما طالب به الإمام محمد عبده وكذلك المفكر محمد عابد الجابرى وغيرهم من المفكرين بما يحقق المصلحة العامة.

لقد أثار مقالي "القذى فى أعيننا  قبل من أساءوا لخاتم المرسلين" ردود افعال عديدة، أغلبها جاءت مؤيدة لما ذكرته، واعتبرت المقال بمثابة مكاشفة للذات بلا أى أقنعة زائفة، منهم الدكتور عمار على حسن الذى ذكر لى أن مقالى ينطوى على قدر كبير من الصراحة والمكاشفة والصدق مع النفس، أيضا الكاتب الصجفى الأستاذ خالد محمود كتب لى أنه لا يناقش أحد بإنصاف منطق الـ6 ملايين مسلم الذين استقبلتهم فرنسا، ويريدون إقامة ثقافة بديلة على أرضها، ولو تخيلنا مثلا 6 ملايين هندوسى، مثلا جاءوا الى مصر بنفس المنطق، ماذا سيكون الموقف؟ ثانيا: أن فرنسا دولة علمانية ونسخة العلمانية التى تتبناها هذا نسيجها، فشارل ابدو لم تترك مقدسا فى العالم إلا وانتهكته بما في ذلك الكاثوليكية، وبالتالى فالأمر ليس حربا على الاسلام كما يزعمون".

من هنا أرى أنه علينا الاعتراف أنه بالفعل هناك أزمة حقيقية  فى فرنسا، فالمسلمون الذين هاجروا إلى فرنسا هاجروا بنفس أفكارهم وخطابهم التقليدى الذي توارثوه، والذي لازال محلك سر ولم يتطور، فكلما اقترب أحد من ملف تجديد الخطاب الدينى ترتعش يداه من كثرة الرافضين له، ويعتبرون ان تراثنا جميل وفى أحسن صورة ولاتشوبه شائبة، ومن ينكره فهو مارق عن الدين، ويساندنى الرأى الاستاذ محمود سلطان رئيس تحرير موقع المصريون بأن المسلمين فى الغرب يحتاجون الى فتاوى جديدة تحل لهم معضلة التعايش مع مجتمع أغلبيته مسيحية ويهودية وملحدة بدون أن تمس ايمانهم.

وسؤالى: ترى ماذا سيفعل مجلس الفقهاء الفرنسى لحل مشكلات المسلمين فى فرنسا فيما يتعلق بالانفصالية الاسلامية وعدم اندماجهم فى المجتمع الفرنسي، وماهى صيغة الفتاوى الدينية التى سيصدرها هذا المجلس، وهل ستقع تحت طائلة تجديد الفكر الدينى الاسلامي فيما يتعلق بعلاقة المسلمين بغيرهم وبما لايتعارض مع عقيدتهم، وبما يتفق مع علمانية الدولة ولا يتعارض مع دستورها؟.

إن ملف تجديد الخطاب الدينى سيظل مفتوحا، طالما أن هناك ازمة فى الخطاب الدينى الاسلامى بوجه عام، سواء بالنسبة للذين هاجروا خارج أوطانهم الاسلامية أو داخلها، هل يعقل أن مؤسسة عريقة كالازهر وغيرها من المؤسسات والهيئات الاسلامية لا تعتبرحتى الآن أن داعش جماعة ارهابية؟ هل يعقل ألا تدين وتستنكر مؤسسة مثل الأزهر ما حدث للايزيديات من سبى واغتصاب باعتبارهن جواري، اذ لم يقف أحد من علماء المسلمين ليقول أن قتل الابرياء حرام والسبى والاغتصاب حرام، سواء كانت الضحية على دين الإسلام أم لا، على حد قول الباحث الأردنى "حسن سميك". والسبب فى رأيي يرجع الى تفسيرات نصية أبعد ما تكون عن الأخذ بالمقاصد، فالاسلام حرم الرق فى مقصده، بل جعله لتحرير الرقاب من العبودية فى مجمل آياته، ويشهد تاريخنا الاسلامى كيف ساهم الخليفة ابو بكرالصديق فى عتق كثير من الرقيق. هل يعقل أن أحد الباحثين الإخوان رفض رأى أستاذه بتحريم الاسلام للرق وسبى النساء، وأن ما حدث طوال التاريخ الاسلامى من جلب الجوارى والعبيد لايعد جريمة، طالما لاتوجد آيات صريحة بذلك التحريم.

هل يعقل أن يظل فقه المرأة المتخلف هو السائد فى الوطن العربي، والذى يسيطر على عقول المسلمين فيما يتعلق بالولاية وشهادتها نصف شهادة الرجل وترويج احاديث لم يكن يقصد ها الرسول الكريم مثل لعن الله قوما ولوا أمرهم امراة.

ألم تتكون لدينا جماعات إرهابية أو ما عرف بجماعات الإسلام السياسي كالقاعدة وداعش والجهادية السلفية وغيرها؟ ألم تتعدد الحوادث الارهابية فى كافة أنحاء العالم منة جراء تلك الجماعات،  ولعل هجمات نيس وفيينا ليست ببعيد والذى تسبب فى رعب فى جميع أنحاء العالم، وهو مادفع مستشار النمسا "سيباستيان كورتس" ليشير إلى أن أوروبا مدعوة لمحاربة الإسلام السياسي، لأن تياراته تهدد الحرية فى أوروبا، ولأنه يشكل أيديولوجية تمثل خطرا على نموذج العيش فيها. وعلى حد قول الاستاذ خالد محمود فى تعليق له على الفيس بوك ردا على تقرير نشرته news BBc عربي: "هل للعلمانية فى فرنسا وجه كاثوليكى " أن هناك فى نسخة الإسلام السياسي (الإخوان والسلفيين) المقدمة للإسلام، فإذا كنا هنا فى الشرق الإسلامى الذى لم يجد قطيعة معرفية مع الماضي، مهددون بأن تحكمنا الداعشية فما بالنا بفرنسا؟ ففرنسا بنسختها العلمانية رغم ما بها من تأثيرات كاثوليكية فغير منصف من يغفل مابها من ديمقراطيات وتلك الديمقراطيات لم تخلق لكى يستغلها أحد فيقلبها خلافة.

وقد تحركت أقلام مفكرين عدة آنذاك ردا على هذا الحادث الإرهابي، منهم البروفسير مهند خورشيد عالم اجتماع وعالم دين نمساوى من أصل فلسطينى لكتابة مقال له، أشار فيه إلى أن الإسلام فى حاجة إلى إصلاح عاجل وشامل، كما حذر من الإسلام السياسى الذى يريد الإطاحة بالمجتمعات الليبرالية فى جميع أنحاء العالم، ودعا إلى فهم سور القرآن وأحكامه فى سياقها التاريخى واعتبر أن هناك سورا قرآنية بشأن استعمال العنف تتعلق بمواقف حرب فى القرن السابع فى شبه الجزيرة العربية، وهى غير ملزمة لمسلمي اليوم، ولا مبرر لاستخدام العنف والإرهاب. كما يشير إلى أنه للأسف وبعد وقت قصير من وفاه الرسول أصبح الإسلام أداة سلطة فى أيدي من يقاتلون من أجل الخلافة.

إن كان هذا الوضع بالنسبة للمسلمين فى فرنسا وأوروبا بوجه عام، فماذا بالنسبة للمسلمين فى كافة أنحاء العالم؟ إن علينا ان نعترف بوجود أزمة فى الخطاب الدينى الذى يصدره المسلمون بوجه عام فى كافة أنحاء العالم. فالأمر لايختلف فى العالم الاسلامى كثيرا عن الوضع فى أوروبا، حيث يعانى ذلك الخطاب من الركود أيضا ويحتاج إلى فتاوى جديدة تحمل كثير من المراجعة والنقد الذاتي، خاصة فى ظل التقدم الهائل لوسائل التواصل الاجتماعي، وتحضرنى مقالة للباحث الاردنى حسن سميك يؤكد فيها أن انغلاق كثير من الدعوات المعتمدة على الأساليب التقليدية، كانت سببا في إعراض كثير من الشباب عن الخطاب الدينى واتجاههم للإلحاد. كما أن عدم إصلاح الخطاب الدينى يجعل البشرية تفقد معركتها لصالح دعوات وشعارات التطرف والتزمت.

وأخيرا تمنيت لو كانت محاولات تجديد الخطاب الدينى ومحاولات البحث عن حل لمشكلات المسلمين عموما، سواء داخل أوطانهم أو خارجها بما يحقق المصلحة العامة ويحارب التطرف ويسعى لتحقيق المساواة، من صنيعنا نحن وليس صنيعة آخرين فى الغرب، فأهل مكة أدرى بشعابها.
---------------------
بقلم: هدى مكاوي


مقالات اخرى للكاتب

اعلان