27 - 11 - 2020

الحقيقة بدون ورقة التوت

الحقيقة بدون ورقة التوت


فى جريمة جز عنق المدرس الفرنسى على خلفية عرض الرسوم المسيئة للرسول الكريم سيدنا محمد، كدليل على حرية التعبير المقدسة فى فرنسا دروس وعبر وكشف للمستور؟ كيف؟

هناك ثقافتان خلعتا ورقة التوت فى تلك الحادثة أو المواجهة كما يقولون بين التطرف الدينى والحرية المدنية التي لا يغلبها غلاب، فهى حرية لا حدود لها.. تستطيع أن تسب الله سبحانه وتعالى -حاشا لله- وتسب رسله وتسخر من قيمه، ولكن فى نفس الوقت تحاكم لو شككت فى المحرقة اليهودية بأيدى النازيين! 

فى ظل الحرية الفرنسية تستطيع أن تمارس كل أنواع الشذوذ وترضى أن يعرض عليك طفلك تلك الممارسة، على أنها اختيار حر لطفل، فى سن التساؤل والدهشة ولا تستطيع أن تطالب بحقك كمسلم في حماية طفلك من تلك الأفكار المنكرة لمبادىء دينه بدعوى أنها تطاول على الحرية الشخصية. 

نفس المجتمع المنافق الذى فتح ذراعيه لإرهابيين ومتطرفين وغلاة أوسعونا تكفيرا وتضليلا، لاستخدامهم كأدوات سياسية يلجاؤن إليها وقت الحاجة، ولمصالح معلنة وخفية أو أجندات قد لا تخطر على بال البشر العاديين الذين لا يعرفون شيئا عن مجلس قيادة العالم الخفية أو ما يدعونه بالماسونيةالعالمية والتى أتصور أن أغلبنا لا يعرف معناها الحقيقي.. نفس المجتمع يتهم الإسلام اليوم أنه فى محنة ومواجهة مع العالم ونسوا أنهم ربائبهم الذين خلقوهم ووظفوهم فى غرفهم المغلقة، ويتم كشف المستور عنهم فى الأحداث اليومية والمتفرقة فى العالم، لنكتشف أنا كنا ضحايا تلك المؤامرات الخفية أكثر منا مجرمين ومتطرفين!

هنا لا أبرر جريمة شنعاء، على خلفية دينية أو كما تصورها من علموا هذا المراهق، ذو الثمانية عشر عاما، الكراهية والغل والانتقام مما يخالف رؤيتهم الشخصية للدين والشرع.. إضافة للظلم الذى لحق بالمسلمين على يد هؤلاء المستعمرين وآخرين حتى اليوم، فلم نر منهم من ينادى بحرية المعتقد، بينما مسلمو الروهينجا وغيرهم يبادون فعليا، ولم نجد أحدا فى بلد الحرية يدافع عن حقهم فى الإيمان وليس حتى فى حرية التعبير.  

هذا المراهق القاتل، ضحية ثقافة الغلو والتطرف.. ثقافة تم توظيفها منذ عقود   لأسباب سياسية وللوصول إلى السلطة، ولكن ككل تجارب التاريخ انقلب السحر على الساحر.

...

منذ أن استدرج الأمريكان، السذج من المسلمين في حربهم ضد الاحتلال السوفيتى لأفغانستان، ثم انقلبوا عليهم ومعهم من دعمهم من الحكام المحابين، فى لعبة سياسية قذرة كشفت أوراقها فى السنوات الماضية باعتراف أميرعربى قال: إن نشر الوهابية كان بطلب من الحلفاء لمحاربة النفوذ الروسى!

اللعب بالنار ينتهى إلى الجرائم البشعة وفى نفس الوقت نتساءل: لماذا الإصرار على الاساءة لرسول كريم يتبعه ملياران من المؤمنين به وبدينه؟  

السؤال هنا وهو ليس تبريرا، إنما محاولة للتفسير والفهم، لماذا الإصرار من أيام رواية آيات شيطانية حتى الرسوم المسيئة فى مجلة شارلي إبدو والتي أدت إلى جريمة سابقة، لم يمر عليها وقت طويل، فلماذا وضع الزيت بجانب الكبريت؟ 

لماذا لم نفكر أنه ربما كان المدرس هو أيضا عنصرى؟ لماذا كانت الرسوم المسيئة هى وسيلته الوحيدة ومثاله الأوحد الدال على حرية التعبير فى بلد، وثقافته تعلمنا   منها – في مدارسنا الفرنسية - أن حريتك تقف عندما تنال من حرية الآخرين وتتعدى عليهم؟ أم أن الموضوع، كما يقول بعض الخبثاء، إجراءات يريدون فرضها.. وكان ينقصها الظروف التى تتوافق معها؟

هى جريمة لا يبررها أحد، حتى لا يحرف المتطرفون من كلا الطرفين كلامى، لكن كما قالت إحدى أساتذة السوربون في مداخلة على قناة فرانس 24، فإن حل تلك الجريمة لا يكون بإجراءات أمنية ولا بقوانين، إنما بالفكر والتعليم والتطبيق العملى للمساواة بين الثقافات والتعايش وقبول أفكار الآخر، وليس محاولة محو هويته!

لقد تركت فرنسا بعضا أو كثيرا من الجمعيات الدينية تبث أفكارها المسمومة تحت سمع و بصر الجمهورية، تحت شعار حرية التعبير المطلقة أو لأهداف سياسية أو مشاريع ومصالح اقتصادية حتى توحشت وتم السماح لشيوخ التطرف المبعوثون  من تركيا والخليج يسممون أفكار الجيل الثانى والثالث من المهاجرين، كما حدث فى الحقبة الوهابية والتى لم نكن استثناء من هيمناتها الشيطانية على حياتنا وأفكار أولادنا. 

هانحن جميعا ندفع ثمن توظيف المقدس فى اللا مقدس، وخلط الدين بألاعيب السياسة والمصالح الاستراتيجية وغيرها، فتكون النتيجة أن يأتى جيل على مشارف المراهقة متشبعا بفكر التطرف، مؤمنا أن المعارض لدينك ولقيمه لايجوز التعامل معه إلا بالقتل جزا للرقبة أو طعنا أو تفجيرا!   

ربما يكون السبب أنه وآباءه وأجداده قد تربوا فى بلادهم الأصلية  ورأوا أن ذلك يحدث سياسيا دون عقاب أو مواجهة، فالمعارضون يموتون سحلا أو تعذيبا أو سجنا أو اختفاء قسريا لمجرد اختلاف بشرى حول أمور مدنية!، فكيف يكون رد فعله  عندما يهان ربه ورسوله؟
------------------------
بقلم: وفاء الشيشيني

 

مقالات اخرى للكاتب

عاصفة بوح| حزام عفة للعقل
اعلان