27 - 11 - 2020

شاهد على العصر (13): اعترضت على وصف القذافي لمبارك فقال لي: أنت مسلم!

شاهد على العصر (13): اعترضت على وصف القذافي لمبارك فقال لي: أنت مسلم!

- صورة من قريب لرفعت المحجوب أذكى سياسي عرفه الحزب الوطني: مدافع شرس عن منجزات تتبدد
- سمير رجب حاول تشويهي وحين فاتحت مبارك أمام مجلس الشعب قال: خلاص يا جمال
- قصة تمويل الأحزاب والمنظمات قصة مخزية لكنها واقع للأسف كنت شاهدا عليه ذات مرة

 بعد الاستفتاء على رئاسة مبارك في 1987 حلت ذكرى ثورة يوليو ١٩٥٢، جاءت دعوة إلى حزب العمل والأحزاب الأخرى لزيارة ليبيا لحضور الاحتفال بذكرى الثورة المصرية، تكون وفد حزب العمل من أحمد مجاهد نائب رئيس الحزب (وصحبتنا فى الرحلة زوجته) وجمال أسعد، كانت العلاقات مع ليبيا في أسوأ حالاتها، العلاقات مقطوعة وكذلك الاتصالات ولا يوجد طيران مباشر (القاهرة - أثينا ثم أثينا - طرابلس والعودة كذلك).

كانت هناك وقائع اختطاف الطائرات التى أقدمت عليها ليبيا كنوع من الاستفزاز لمصر بعد زيارة السادات لإسرائيل التى أدت لإبرام معاهدة السلام. 

الحرب الإعلامية كانت قد أخذت مداها، خاصة الحملة الكاريكاتورية التى كان يقودها أحمد رجب ومصطفى حسين والتى كانت تصور القذافى كطفل وفى يده "قصرية". 

فى هذه الظروف غادرنا إلى ليبيا، ونحن على متن الطائرة وجدنا الجرائد القومية الثلاث (الأهرام والأخبار والجمهورية) بها خبر فى الصفحات الاولى يقول: (يغادر اليوم أحمد مجاهد وجمال أسعد الى ليبيا لحضور الاحتفال بعيد ثورة ٢٣ يوليو)، أدركت أن الخبر أمني وليس صحفيا، حيث لماذا ذكرنا نحن فقط، وهناك وفود من أحزاب أخرى؟ 

وصلنا طرابلس، أقمنا فى أفخم فنادقها، كان لكل عضو وفد سويت (جناح خاص) ومعه سيارة خاصة بالرئاسة ومرافق، في اليوم الثانى للزيارة تم استضافتى في ندوة على الهواء بعد نشرة التاسعة مساء بالتلفزيون الليبى بعنوان (ثورة يوليو ١٩٥٢ الحدث والأثر)، كان معى المرحوم عبد العظيم المغربي وهو قيادة ناصرية، تحدثت عن أن الأثر الباقى ليوليو هو جمال أسعد، فلولا يوليو ماكنت تعلمت ولا كنت أستطيع أن أمارس العمل السياسى الذى وصلت من خلاله أن اكون عضوا بمجلس الشعب المصرى. 

وفى يوم آخر زرنا باب العزيزية، وهو معسكر كان يقيم فيه القذافي، كان قد تم ضرب المعسكر وفيه منزل القذافى بالقنابل عن طريق طائرات أمريكية تحركت من قواعد أوربية، وذلك لاغتيال القذافى حيث كان قد فجر طائرة واغتيل من فيها (حادثة لوكيربى)، نجا القذافي من الغارة بأعجوبة، حيث كان قد غادر المكان قبل نصف ساعة من وقوعها، وأسفر الاعتداء عن وفاة ابنته بالتبنى، ولذلك أصبح هذا الموقع ذا قيمة، تنظم زيارة الوفود الزائرة له، وفى يوم تمت دعوتنا للعشاء مع وزير الإعلام الليبي، حضر معنا العشاء أحمد قذاف الدم ابن عم القذافى ومستشاره السياسى. فى العشاء أبلغنا قذاف الدم أن مبارك القى كلمة فى عيد ثورة يوليو و سأله أحد الصحفيين عن وفد المعارضة الذى غادر إلى ليبيا فى الوقت الذى فيه العلاقة مقطوعة وسيئة، فقال مبارك أن المعارضة المصرية معارضة وطنية تعمل لصالح الوطن. 

عرفنا الخبر من قذاف الدم حيث لم تكن هناك فضائيات أو أى وسائل إعلام نعرف منها ما يحدث فى مصر، هنا حملنا قذاف الدم رسالة إلى القذافى بما قاله مبارك، آملين أن تحقق زيارة وفد المعارضة المصرى نتائج مهمة ومطلوبة للبلدين. ظللنا فى ليبيا أكثر من عشرة أيام ولم نلتق بالعقيد القذافى رغم أن زمن الزيارة المقرر كان ثلاثة أيام نلتقي فيها بالقذافي، واخيرا كان لقاء القذافى فى سرت، ذهبنا في طائرة حربية من طرابلس في رحلة شاقة جدا لسرت، لاتتوافق مع الإقامة المرفهة فى الفندق أو التى نتعامل بها. نزلنا في معسكر كبير به كل لوازم الترفيه (وكل أنواع الرياضة ...بلياردو..مكتبة ..سينما...الخ) قضينا الوقت بين حوارات وملل انتظارا للمقابلة، تناولنا طعام الغداء (من وجبة ليبية تمتاز بالشطة والدهون)، بعد الغداء جاء موعد اللقاء، أدخلونا خيمة كبيرة فخيمة بها مقاعد ويتصدرها مقعد القذافى وبجوار المقعد تليفونات متعددة، وأمام الخيمة توجد ناقة (أنثى الجمل)، ظللنا فى الخيمة وقتا طويلا ومملا ولكن ما باليد حيلة. بعد انتظار ساعة ونصف حضر القذافى وهو يرتدى بدلة حريرية تشبه البيجامة وفى يده انسيال ذهبى يخطف بريقه الأنظار. جلس وقال: لا تؤاخذونى يا إخوة كنت ألعب ماتش كرة. قام أحد الحرس وحلب شوب لبن من الناقة وأعطاه للقذافى الذي شربه دفعة واحدة. بدأ القذافى الكلام مستعرضا كامب ديفيد ومعاهدة السلام وقطع الدول العربية (دول الصمود والتصدى) العلاقات مع مصر. ثم تحول الحديث إلى مبارك، فقال القذافى واصفا مبارك بأنه مبارك (البارك)، استفزتني الكلمة وفهمتها على نحو آخر غير الخاضع أو الذليل، بل أخذت الكلمة على مفهوم آخر (جنسى)، انتظرت أن يتكلم أحد الحاضرين وكانوا أساتذه لى وأغلبهم من التجمع واليسار بكل تصنيفاته، لم يعلق أحد. كنت عضوا جديدا بمجلس الشعب وكان موقفى مع مبارك فى موضوع ترشيحه لم يمر عليه أكثر من شهر، وبنفس الدافع طلبت الكلمة، وقلت: الأخ العقيد (هكذا كان يخاطب) إسمى جمال أسعد عبد الملاك، أنا ناصرى وضد كامب ديفيد واعتقلت لرفضى لها، ولا أحد يزايد على عروبتى وقوميتي، وأنا معارض لحسنى مبارك وأنتقده ونظامه فى مصر، ولكن خارج مصر هذا لا نقبله، كما أننى ومنذ ثلاثة شهور كنت فى الدعاية الانتخابية لا أستطيع التحدث عن العروبة والقومية العربية مع الجماهير، وذلك بسبب المقاطعة العربية التى تحاصرون بها مصر، حتى أن أمريكا هى الآن التى تمدنا بالقمح، لى أسبوعان فى ليبيا لم أستطع الاتصال باسرتى التى تتخوف علي الآن لعدم إمكاني الاتصال، فى الوقت الذى نتصل فيه بأى دولة فى العالم غير مصر. وتطرقت لعملية اختطاف الطائرات ووصفتها بأنها ممارسات لن يستفيد منها غير العدو الصهيونى. وتساءلت: لماذا لا تعود الطائرات المصرية إلى مصر ونكون قد فتحنا صفحة جديدة نحن فى أشد الحاجة إليها. رد القذافى سائلا: أنت مسيحى قلت نعم. قال: لا أنت مسلم. استغربت وقلت فى غضب: أنا مسيحي، قال لى كلنا مسلمون، اليهودي مسلم يسلم وجهه إلى الله ويعبده فى المعبد والمسيحى يسلم وجهه إلى الله ويعبده فى الكنيسة وكذلك المسلم يسلم وجهه إلى الله ويعبده فى المسجد. كنت أسمع هذا الاجتهاد للمرة الأولى ولقي بداخلى قبولا. بعدها تطرق إلى زيارة البابا شنودة إلى ليبيا، وكيف استقبله القذافي ورحب به، بل منحه مركز شرطة تم تحويله إلى كنيسة ( فى لقاء مع البابا شنودة ذكر لى هذا الكلام حرفيا كما ذكره القذافي)، تطرق أعضاء الوفد لمشاكل الطائرات وألححنا بالقول على القذافى لحل هذه المشكلة، فوجئنا بالقذافى ونحن معه يطلب الرئيس اليمنى على عبد الله صالح لكى يتوسط لحل هذه المشكلة، هنا أدركنا أن الزيارة لها مردودها السياسي والوطني تأكيدا لكلام مبارك عن المعارضة الوطنية. عدنا إلى طرابلس وكلنا أمل فى المغادرة، ولكن هناك يمكن أن يتم نسيان الضيف، يقولون مستعجل ليه؟ احنا هنا مع بعض. لم يحدث هذا مع الجميع فقد غادر الوفد المصرى وظللت أنا وأحمد مجاهد وزوجته. نزلنا أثينا وظللنا ثلاثة أيام فى رحلة خاصة تخللتها زيارة أحمد مجاهد إلى السفارة الليبية فى اليونان بمفرده، حيث كانت هناك علاقات خاصة لأحمد مجاهد مع ليبيا ومع القذافى شخصيا. لم أدرك كنه هذه العلاقات الخاصة مع الأنظمة التى كان يطلق عليها أنظمة ثورية مع بعض من يدعون الوطنية والثورية والقومية! 

عدنا إلى مصر ووجدنا سمير رجب يكتب مقالا على صفحة كاملة فى الجمهورية، يقول فيه إن المعارضة ذهبت الى ليبيا مع زوجاتهم وقد أخذوا مبالغ من القذافي، وأن هذه المعلومات استقاها من مبارك شخصيا! 

(صورة مع القذافى وفى الوسط أحمد مجاهد)

رفعنا دعوى ضد رجب وضد جريدة الجمهورية وطلبنا تعويض مليون جنيه، لم أتابع القضية، فقد كان المحامى ضمن الفريق الآخر بعد الانشقاق عن حزب العمل، ولكن عندما عادت العلاقات المصرية الليبية بعد لقاء مبارك مع القذافى فى المغرب، جاء مبارك للمجلس فى جلسة خاصة وأعلن ان القذافى قال له أن المعارضة المصرية التى جاءت الى ليبيا لم تتعرض لمصر بأى كلمة وأنها معارضة وطنية (هنا علقت على مبارك من مقعدى بالمجلس قائلا: (سمير رجب والقضية والاتهام ياريس) رفع مبارك يده مبتسما وقال: خلاص ياجمال . 

بكل صراحة لا نستطيع إغفال هذه القضية وهى قضية ما يسمى بالتمويل، لا شك أنه فى الواقع العملى لا نملك غير السؤال من أين تمول الأحزاب خاصة الأحزاب الأيدولوجية؟ من اشتراكات وتبرعات الأعضاء فقط؟ آسف هذا كلام نظرى لا علاقة له بأى واقع مالي، فهناك تمويلات من الخارج لهذه الأحزاب والمنظمات، فمثلا فى فترة الثمانينيات وبعد تبنى حزب العمل للاتجاه الإسلامى، قام حزب التجمع ممثلا فى د. رفعت السعيد بالدفاع عن الأقباط في مواجهة تحالف العمل مع الإخوان. كنت قد عدت إلى التجمع لظروف سوف تذكر لاحقا، واعترضت على ممارسات السعيد وقلت إن ممارسات العمل طائفية وممارسات السعيد طائفية، فالحل لن يكون طائفية في مواجهة طائفية لأن معناه أننا سنغرق فى هذه الطائفية ولن ننجو منها. كان مقابل ممارسة السعيد هذه إرسال شيكات دولارية من أقباط المهجر فى أمريكا تحت بند التبرع لحزب التجمع. ودليل ذلك أن الأنبا توماس أسقف القوصية كان فى أحد زياراته لأمريكا وجاء بشيك بمبلغ عشرة آلاف دولار كتبرع للتجمع (وهذا كلامه لي شخصيا وواجهت السعيد به ولم ينكر). 

على الجانب الآخر لفت نظرى أن حزب العمل ينفق مصروفات لاعلاقة لها بأى إيرادات تخصه، خاصة أننى عندما كنت الأمين العام المساعد كنت اطلع على الميزانية، فلم أر أي مصروفات، بل أرقام شكلية لتمرير الميزانية في الجهاز المركزى للمحاسبات، بعدها علمت من عادل حسين بطريقة غير مباشرة ومباشرة أحيانا، أن هناك تمويلات للحزب من إيران. 

هذه نماذج للأحزاب، وهنا يصح القياس على التنظيمات الدينية والحقوقية والأهلية ناهيك عن الأفراد الذين يسوقون أدوارهم على اعتبار أنهم زعماء يملكون تحريك الشارع والجماهير إلى ما يريدون والى ما يتوافق مع الممول. 

وكانت هناك أنظمة عربية تقوم بهذا الدور مثل ليبيا والعراق للتوجهات اليسارية، وايران والسعودية وغيرهما للتوجهات الدينية الإسلامية، وأقباط المهجر لمن يتصورون أنه يسير فى ركابهم، ولذا لا نستغرب أن نرى ما حدث بعد ذلك من ثراء مفاجيء وغير مبرر للبعض الذين نعلم ويعلم الجميع أحوالهم المادية ونسبهم الطبقي.

والقضية المشهورة بعد يناير ٢٠١١، والتى لازالت مفتوحة حتى الآن، تلخص المشهد وخطورته، حيث أن هناك وقائع تحدث عنها الإعلام تصيب شخصيات عامة نخبوية، وللأسف تحدثنا واستطردنا فى هذه القضية لأنها قضية قديمة متجددة، ولكن دائما تحكمها التوازنات التى لا تحسم شيئا لصالح القيم والشفافية والوطن. 

خلال الدورة الأولى لمجلس الشعب كنت متخوفا، علي اعتبار أننى لم يسبق لى العضوية، ولكن اكتشفت ومن خلال دراساتى النظرية فى منظمة الشباب والعملية فى المستويات التنظيمية للمنظمة، إضافة إلى الخبرة المكتسبة من عضويتى لحزب التجمع والاستفادة من كوادره السياسية، كل تلك الخبرات جعلت نجمى يسطع فى الممارسة البرلمانية تحت القبة، فالبرلمان هو السلطة التشريعية والشعبية الأعلى، هو قمة العمل والموقع السياسى لأى سياسى فى العالم، ولذا فهو الذى يشرع للسلطة القضائية لتحكم بما يشرع، ويراقب ويحاسب السلطة التنفيذية بل يمكن أن يسحب الثقة منها أي أنه أعلى منها، كل هذه الأشياء أعرفها وتراودنى طوال الوقت، دخلت المجلس وتسبقنى فكرة أن د. رفعت المحجوب ناظر مدرسة اشتهر بمصطلح (موافقون ..موافقة) وأن الأعضاء هم التلاميذ، مما جعلنى وأنا فى مرحلة الشباب المتحمس أتعامل مع المحجوب منذ البداية بطريقة غير معتادة، طلبت الكلمة أكثر من مرة ولم يعطنى الكلمة فتصورت أنه يهتم بالأغلبية ولا يهتم بالمعارضة وأعلنت انسحابي من الجلسة اعتراضا على إدارتها. لم اكن ادرى أن هذا تقليل من قدرة المحجوب على إدارة الجلسة، تقابلنا وأفهمنى فحوى الانسحاب الذى لم أدرك نتائجه، حين اقتربت منه أدركت قدراته غير العادية حتى أننى كنت ألازمه صباحا فى مكتبه وأدخل معه الجلسة، وبعد انتهاء الجلسة كنت أرافقه إلى المكتب حتى يغادره، وطوال هذه الفترة وأثناء الجلسات كنت أغترف من بحر علمه ومعلوماته وخبراته الوفيرة والغزيرة. جمعتنا علاقة الأستاذ بالتلميذ، وجمعتنا رؤية سياسية واحدة وهى الناصرية حتى لو لم يكن ناصريا بالمعنى المباشر ولكن كان محافظا على مكتسبات يوليو بقدر ما يستطيع من قدرة ومهارة، وقد تجلى هذا عند مناقشة مشروع قانون الجامعات الأهلية، حين غادر المنصة وجلس مع الاعضاء حتى يدلى برأيه بعيدا عن المنصة تنفيذا للائحة والتزاماً بها. 

أخذ الكلمة وصال وجال وأنذر بأن ما سيتم سيلحق الضرر بالتعليم وسيقضى على المجانية تماما، متحسرا على زمن كان يقال فيه إن العلم حق كالماء والهواء، ثم نأتي لنسقط هذا الحق تحت ادعاءات لاعلاقة لها بالجماهير. (وكانت تلك نبوءة لأستاذ بعيد النظر). 

المرة الأخرى التى نزل فيها إلى القاعة عند مناقشة مشروع قانون الاستثمار الذى كان فاتحة الخراب ببيع القطاع العام والخصخصة، دافع عن دور القطاع العام وما قام به فى حرب أكتوبر، لكنه انتقد نقدا حادا خسائر هذا القطاع مبينا أنها يمكن أن تكون مقصودة بهدف التمهيد لتطبيق هذا القانون. قبل جلسة مسائية لمناقشة هذا المشروع كنت معه فى مكتبه وكان يريد أن يقول لى أطلب الكلمة للتحدث فى بعض المواد التى كان يعرف رأيى فيها. قبل تحديد المادة دخل علينا عاطف صدقى رئيس الوزراء وكمال الشاذلى، ثم خرجنا تباعا لبدء الجلسة والتفت وراءه وأشار لى برقم المادة التى يريدنى التحدث فيها دون أن يلاحظ عاطف صدقى والشاذلى هذا. 

كان مشروع القانون هذا يمثل له موقفا مبدئيا وتاريخيا، حتى أنه قال أثناء المناقشة أن هذا القانون لن يمر إلا على جثته. واحتدمت المناقشة بينه بين كمال الشاذلى بشكل غير مسبوق حتى أنه اجلس الشاذلى منهيا المناقشة. كان يعطينى الكلمة دون أن اطلبها بل كنت اتكلم أكثر من مرة فى الجلسة الواحدة، حتى أن العضو صلاح الطاروطى وقف صارخا قائلا للمحجوب: (هو المجلس مافيهوش غير جمال أسعد حتى يتكلم كل جلسة؟). شعرت بخجل حيث تصورت أن هذا إحراج للمحجوب، وكأنه يفضل المعارض على عضو الوطنى. هنا صرخ المحجوب بصوت عال: أيوه انا بأعطى جمال اسعد الكلمة لانه يمثل رأيا سياسيا مغايرا لابد من سماعه. 

أما الموقف التاريخى فقد كان بين المحجوب ومأمون الهضيبى ناىب مرشد الجماعة، أثناء مناقشة الموازنة العامة – والتي يتم الحديث فيها من على المنصة - يأخذ رئيس الهيئة البرلمانية نصف ساعة للحديث والعضو عشر دقائق، كان إبراهيم شكرى رئيس الهيئة البرلمانية فأخذ حديثه نصف ساعة، جاء موعد الكلمة العصيبة للهضيبي، بدأ الكلام ومرت عشر دقائق ولم يلتزم بالوقت، مضت نصف ساعة وينبه المحجوب: (الوقت يا أستاذ هضيبى). أخذ الهضيبى أكثر من ساعة، قال فى كلامه أنه يمثل الهيئة البرلمانية للإخوان وأنه رئيسها، وأنه سيعلن إنشاء حزب لجماعة الإخوان ولن يستطيع أحد أن يرفض، "فهذا حق قانونى لنا" ..الخ. 

كان كلام الهضيبى مفاجأة بكل المقاييس بل يمثل تحديا معلنا للسلطة وللقانون، نزل الهضيبى من على المنصة، وبدأ المحجوب التعليق على كلمته، تكلم المحجوب ثلاث دقائق فى مقابل أكثر من ساعة للهضيبي، قال المحجوب: أنت لست رئيسا لمجموعة برلمانية بل عضو فى البرلمان ضمن الهيئة البرلمانية لحزب العمل الاشتراكي؛ ومن ثم أنت لا تمثل الإخوان المسلمين؛ لانه لايوجد حزب سياسى رسمى يحمل اسم الاخوان سواء داخل المجلس أو خارجه.. وأنت كرجل قانون، يقصد الهضيبي، تعلم هذا جيدا، ومن الناحية القانونية كل ما قلته يخالف القانون ورغم ذلك أعطيتك هذه المدة التى امتدت لأكثر من ساعة، لا لشئ سوى تقدير لشخصك وبصفتك عضوا فى هذا المجلس؛ أردت أن أعطيك فرصة للتعبير عن آرائك السياسية، هنا كان يجلس بجوارى محفوظ حلمى عضو الجماعة، فقال وهو ينظر لي: ليتك ماتكلمت يا أستاذ هضيبى!. وعلى ذكر هذه الواقعة كنت قد تقابلت مع مأمون الهضيبي فى مؤتمر الديمقراطية والحريات الذى أقامته أحزاب المعارضة المصرية بعد أن أصبح مرشدا عاما للجماعة عام ١٩٩٧، وكان ذلك يوم الاربعاء ١٠/١٢/١٩٩٧، وتطرق الكلام إلى مجلس ١٩٨٧ فقال لي الهضيبي: (أن رفعت المحجوب كان أذكى سياسى عرفه الحزب الوطنى ولم يأت أحد بعده، فقد كان يدير مجلس الشعب بحزم ويعطى كل ذي حق حقه). 

لو قدر الله للمحجوب أن يعيش، فهل كان يتمسك بكل مبادئه أم ماذا؟ وهل لهذا السؤال علاقة بعملية اغتياله ؟ الله أعلم.
----------------------
بقلم: جمال أسعد عبد الملاك

مقالات اخرى للكاتب

شاهد على العصر (21) لقاء عاصف في السفارة الأمريكية
اعلان