21 - 10 - 2020

التطبيع ليس حلا للحد من خطر إيران

التطبيع ليس حلا للحد من خطر إيران

التطبيع الذي تقوم به بعض دول الخليج في الوقت الراهن لن يفلح على الإطلاق في إنهاء التهديد الإيراني لدول المنطقة. إيران وقبل أن تصبح "الجمهورية الإسلامية" أثر الثورة التي قامت  بها منذ أربعة عقود ونيف، كانت تلقب بشرطي المنطقة، وكان الشاه المتحالف مع الغرب وإسرائيل في ذلك الوقت مصدر تهديد لتلك  البلدان. بعبارة أخرى، إن التهديد لن يأتي من الجمهورية الإسلامية قدر أنه يأتي من إيران كدولة سواء إسلامية أو فارسية أو صفوية. من هنا فإن الحديث عن ترويض إيران وتطويعها، وتسكين عدائها التاريخي للبلدان العربية هو السبيل الوحيد للقضاء على مصدر تهديدها لبلدان المنطقة.

التعاون الاقتصادي وغيره من مصادر القوة الناعمة، هو أحد وسائل القضاء على هذا التهديد أو الحد منه إلى أبعد الحدود.

على العكس من ذلك تعتبر اسرائيل والصهيونية هي مصدر التهديد الدائم الذي لا يمكن تطويعه أو ترويضه مهما كانت السياسات المتخذة تجاهه. إسرائيل كيان أسس على الاحتلال والهيمنة والسيطرة على أراضي وممتلكات الغير، إسرائيل كيان سرطاني متواجد بغية التوغل في البلدان المجاورة، وإثارة القلاقل، التي تمكنها من البقاء والوجود. وهي في سبيل ذلك تسعى لاستغلال الإنقسامات الأولية القائمة في البلدان المجاورة، عسى أن يضمن لها ذلك السيادة على الأخرين. بث روح التفرقة بين الأديان المختلفة، والطوائف المتباينة، والإثنيات، والأعراق، والثقافات والنحل هو ما تقوم به إسرائيل لضمان الريادة والإنفراد بين بلدان المنطقة.

على العكس من ذلك، فإن إيران وهي دولة تقع على بعد عدة كيلو مترات من بلدان عربية مقارنة بألاف الكيلومترات بين تلك البلدان وإسرائيل، هي دولة باقية وغير مهدد وجودها، ومن ثم فالاعتماد على الزائل أو على الأقل المهدد وجوده في مواجهه الباقي والمستمر هو رهان محفوف بالمخاطر.

إيران دولة عاشت ولا زالت في أحلك الظروف، بسبب العقوبات التي لم يعرف لها مثيل في التاريخ، والأرجح أنها تكيفت مع تلك العقوبات، كما أنها مع التحدي الذي تشكله لها الولايات المتحدة يبدو أنها ستستطيع خلال الأشهر القادمة إنتاج سلاح نووي. الحماقة الترامبية مكنت إيران من استغلال إلغاء الاتفاق النووي لصالحها، وتعاونت مع تركيا والصين وبلدان أخرى بغية الحد من العقوبات، وحتى تصبح بحق شوكه في حلق الإدارة الأمريكية الحالية. وحتى لو سقط النظام الإيراني، فإن إيران بدون ترويض ستعود مصدرا للتهديد لدول المنطقة بالتعاون مع إسرائيل كما كان في السابق.

من هنا يصبح التعاون الإيراني العربي هو الكفيل للتصدي للتوسع الإسرائيلي وليس العكس. يتصور الكثيرون -وهم محقون في ذلك- أن إيران تقبل بشروط دول الإقليم العربي للتعاون معها، يتصور هؤلاء أنه من السهولة بمكان أن تقبل إيران إبدال التطبيع مع إسرائيل بإنهاء التهديد الإيراني للمنطقة العربية، وهو تهديد يستغل الأطراف الشيعية العربية في دعم القلاقل داخل البلدان العربية وبينها، على النحو القائم في سياستها تجاه السعودية والبحرين والإمارات ولبنان واليمن والعراق وسوريا على وجه التحديد.

إشارة بعض البلدان المطبعة حديثا (أو التي في الطريق) مع إسرائيل، واختزال سياستها تجاه الكيان الصهيوني، بوجود علاقات مع هذا الكيان ومصر، هو تسطيح للأمور لأبعد الحدود. فمصر أولا دولة كان لها أراض محتلة، وخرجت من حروب عديدة مع إسرائيل، ومن ثم كان لها أن تسعى لإزالة أثار العدوان والاستعمار. ومصر ثانيًا، دولة طبعت علاقاتها مع إسرائيل بعد الاتفاقات وليس قبلها، والقاصي قبل الداني يعلم أنه ولا زال تطبيعا على الورق، وانه رغم عدم رضاء السلطة التي سطرت الاتفاقات وقتئذ على مستوى التطبيع، إلا أنها أضطرت ولا زالت تضطر للقبول بالرغبات الشعبية لضرب كل اتفاقات التطبيع في مقتل.

دول الجوار الجغرافي المهددة للبلدان العربية ليست سواء، فإثيوبيا ليست تركيا والأخيرة ليست إيران، وكلهم بالتأكيد ليسو كإسرائيل. فالأخيرة عكس الباقين لا حل لها ولا مجال لتطويعها أو ترويضها، ولن تنقذ طرفا ما حتى لو كان الخصم مشتركا.
---------------------
بقلم: د. عمرو هاشم ربيع

مقالات اخرى للكاتب

التطبيع ليس حلا للحد من خطر إيران
اعلان