21 - 10 - 2020

مقامة القلعة

مقامة القلعة

قرر السادات ان يغلق الجامعة  لاسبوعين من الايام، حتى يستطيع ان ينام ، ويقبض على الطلاب قبض الحمام ...فقد تعب من المظاهرات الطلابية .. والتى تطالب بالحرب الشعبية  وبالديمقراطية .. و هنا قررنا نحن الزعماء من الطلا ب ان نختفى تلك الايام ، فى مكان  .. فبدأنا فى جمع التبرعات من الزملا ء، حتى قاربت الايام على الانتهاء .. وفى اليوم الاخير كان على الخروج فى زى التخفى من باب الجامعة الخلفى  . حتى لايرانى (المخبرون)..الذين كانوا يطاردوننى  كلما خرجت من الجامعة، لكنهم كل مرة كانوا يخسرون الجولة ..فقد كنت خفيفا كعصفور يتقن الفرار بين الحارات و القفز فوق السور.

دعانى زميلى لركوب التاكسى بدلا من الاتوبيس وكانت هذه الغلطة الكبرى التى بسببها قبض علينا البوليس . والتى لاينفع الان معها اسفى ..وقد خلعت معطفى الجلدى للتخفى  . وما ان نظرت خلفى.. الا وسيارة تتابعنا وقد اكتظت بخمسة ركاب.. الواحد منهم فى مقاس الباب …....فعرفت اننى مطارد من عصابة الكلاب .. وجهزت نفسى للفرار وللقفز من باب السيارة ناحية اليمين…. لكنهم اقتربوا من اليسار وانحرفوا  فجاة امامنا  وامروا السائق  بالوقوف فارتعد من الخوف ،  وتوقف فى الحال..وهنا فتحت الباب وانطلقت كأننى الخيال ، لكننى وجدت نفسى ممسوكا  بالكمال والتمام ، من اليمين والشمال ، ولم اكن ادرك انه الكمين الذى اعد لنا بثلاث سيارات من الضباط والمخبرين .

وضعت قدمى امام واحد منهم  حتى اوشك على الانهيار.. فهددنى الاخر بضربى بالنار، اذا لم اتوقف عن محاولة الفرار ..قلت لهم :

- انتوا مين  ؟

-  انت عارف احنا مين ..

-  معاكوا امر نيابة؟

* معانا .معانا ..

وهنا ادركت اننا قد وقعنا فى كمين عندما شاهدت ثلاث سيارت، تحاصرنا  من كل الجهات .. وقد اركبونى سيارة الجيب بعد ان زنقونى بضابط تخين  فاصبحت  كاننى سمكة فى علبة السردين  ..

- 2-

كان عنفوان الشباب يجعلنى افكر فى  الهرب عند كل منحنى  فى الطريق ، متخيلا اننى استطيع دفع احدهم مع الباب ، لكن الوقت كان قصيرا وبالكاد يسمح بتحقيق المراد ، وهكذا وجدت نفسى فى شارع ابن حيان .. حيث مقر امن الدولة، فعرفت بانتهاء الجولة ..

لقد فتشونى بدقة شديدة حتى لم يتركوا معى ورقة او حديدة ، وجاء اللواء المدير يطمئننى باننى بخير.....!فقلت له هل انا فى مصر ام فى اسرائيل، حتى تخطفونى بذلك الاسلوب الحقير .. وهنا ثار الضباط الصغار فنظرت لهم باحتقار ..فانا الان اسير لايهمنى كبير او صغير.

وكنت حتى هذه اللحظة مازلت افكر ايضا  فى الفرار فطلبت الدخول للحمام .. ناويا القفز من الشباك ثم امتطاء سور مدينة الطلاب ..لكن ضابطا دخل معى الحمام ولم يغلق الباب طالبا مني الانتهاء.. فعرفت انه لامجال للفرار من ايدى هؤلاء الاشرار   ..

بعدها ركبنا سيارة سوداء اخذتنا الى القلعة الشهباء ، ففتح العساكر  الابواب  الضخمة الحديدية ..  و تم تسليمى الى مدير  سجن القلعة  الايوبية،  فقام بتفتيشى ، وانتزع حزامى ورباط حذائى وعلبة الكبريت.. اما ما جمعناه من تبرعات،  فقد ذهبت كلها  للامانات، دون ان تنقص مليما  فلم ندفع  حتى اجرة  السائق المسكين الذى تعرض بسببنا  لاسوأ كمين .

فى الطريق الى الزنزانة كان رذاذ المطر يتساقط  عند دخول المساء ، مبللا ممرات القلعة بالاسى والماء ، حتى ادخلنى السجان الى كهف صخرى ..مغلقا على الباب الحديدى ..وخلفه باب  آخر من القضبان ... كاننى سجين من العصر المملوكى .. او عفريت من الجان ، تاملت المكان  فاصابنى بالجنان ..وظللت الف وادور كاننى احد النمور ..حتى حل بى الياس المبين، وكان ذلك فى الخامس والعشرين ، من يناير  عام خمس وسبعين .

كان الوقت يمر  ببطء شديد .. ثقيل له وطأة الحديد ، ورطوبة الزنزانه تشعرك كانك فى   عصر من عصور الجليد ،  ويا للعذاب... اصبحت دنياى  هى ثقب فى  ذلك الباب.. ينظر على منها السجانة..  كاننى فى مقبرة او جبانه!..وماسورة فى السقف مفتوحة .. تاتيك بالريح.. وياتى جندى جبان يسمونه  الديدبان.. ليرمقك ايها السجين، بنظرة  تثير فى نفسك الجنان .

سمعت صوت الاذان فقلت هاهنا اذن  بشر وربما سكان، فطرقت الباب مناديا السجان .

_انت مين  ؟

-انا.....

-انت تسعة وعشرين !.

، قلت له اريد الوضوء ..فنظر الى استغراب ، واوصلنى الى دورة المياه وظل فى انتظار حتى سالته عن المسجد فنظر الى فى استنكار وادخلنى الزنزانة  واغلق الباب باستهانه .

و اكتشفت بعدها مصدر الاذان.. فقد كان ياتى من زنزانه الجار، الذى كان يصلى بصوت جهار،، وكان واحدا من الجماعات الاسلامية الذين هجموا على الفنية العسكرية ..من اتباع صالح سرية.

-3-

كان السجان قد اطلق على لقب ( ابن الباشا) فقد كنت ارتدى سترة جلديه واعامله بكبرياء كاننى واحد من النبلاء.

وفى صباح بارد ..فتح  السجان على الباب وكان برفقته كائن عجيب يشبه الصعاليك ، كأنه اتى  به من عصر سحيق ..ربما من  المماليك ..يحمل حقيبة جرباء  وقد حفر الزمن فى وجهه علامات غائرة للفقر و الداء .. سائلا اياى ان كنت ارغب فى الحلاقه.. لكننى رفضت على الفور .. فمنظر الرجل كان يخلو من الشياكه .. لكننى كنت  للكلام  مشتاق مع اى كائن او انسان فقبلت . لكن الحلاق على غير العادة .. طول جلسة الحلاقة...لم ينطق بكلمه واحده حسب الاوامر المعتادة.

وفى احد الايام  سمعت صوتا ياتى من بعيد ، يشبه الهتافات ..خيل لى انها المظاهرات ..فعاد لى الامل عندما سمعت تلك الاصوات ..لكنها عندما اصبحت قريبة شعرت بالخيبة ..فقد كانت تهتف للكره وللاعيبن.!

اصابنى ياس غير عادى ،   من ذلك السجن الانفرادى ..والوقت الممتد الى ما لا نهاية

وكآبة الزمان والمكان ..كأنه الموت او النهايه ... حيث لا عمل لك سوى التفكير  او شرب الدخان والتعفير ..ولا بشر تراهم سوى ذلك السجان الحقير.

..سمعت فجاة لحنا جميلا ...ياتى من زنزانة مجاورة

(قوم يامصرى مصر دايما بتناديك .).

كان الصفير يعلو كالهدير وياتى مع الريح  ،

انه المناضل احمد فتيح ..الذى كسر الصمت بصوته القوى المليح...

صعدت الى الشباك

وغنينا معا ذلك اللحن المجيد ...

كانت السجائر هى الصديق الجائر.. فى ذلك المكان الموحش النادر

لكنها لا تكفي لقتل هذا الوقت. .فكرت فى كتابة أسمى واسم من احب على تلك الجدران الكالحة الصفراء. .وها انا اضم أسمى لقائمة الطيبين طيبة الأنبياء.. فقطعت قطعة من حديد السرير، ويدات فى قتل ذلك الزمن المرير.حتى سمعت الصرير.. عندما فتح الباب فقد حان وقت الترحيل من ذلك السجن . وهنا شاهدت زميلى المعتقل لم أكن اعرف حتى ذلك الحين ،انه معى سجين... وجاؤا لنا بالأصفاد بمجرد خروجنا من الباب، ، كنا لم نر الشمس من ذلك الحين ...حتى السماء أصبح لدينا لها شوق و حنين..

،، وإلى أي سجن سنكون ذاهبين ..فقد سرنا بين الناس..مصفدين.. كأننا مجرمون،،

-4-

فى سجن الزقازيق

وصلنا الى سجن الزقازيق .وهو سجن عمومى له مبنيان يضم كافة انواع المجرمين من هجامين ونشالين ،وقتله ومهربين ، وتجار مخدرات .. وكنا نحن السياسيين فى عنبر خاص .. وقد استقبلنا الزملاء بالهتاف والغناء كأننا الابطال..وكانت الفرحة عارمة.. فقد ودعنا  زنازين السجن الانفرادى المعتمه .. لنجد انفسنا فى غرفة واحدة مع عشرين ، من الزملاء المساجين.

قصصنا قصة القبض الدرامية ..وكيف قضينا الايام فى زنازين القلعة الانفرادية..حتى شعرنا بقدومنا لهذا السجن اننا قد خرجنا للحرية !فقد ركبنا القطار وتناولنا فى الشارع الافطار ..وفى يدينا كانت القيود الحديدية... تصيب من رآنا بالحزن وبالمرار فقد كنا طلبه صغار ..

انتقلنا الى مجتمع جديد ..سجن جماعى فريد .ليس به سرير او طعام نظيف ...فقد كنا ننام على الابراش ونخالط  خشارة الناس,والمجرمين الاوباش ..لكنه كان يعطينا قدرا من الحريه فى الفسحة اليوميه ..حيث نقضى النهار فى الفناء فى لعب الكرة و التدخين و سماع القصص من الاشقياء وعتاة المجرمين .وقد شكلنا لجنة للحياة العامة تتولى تقسيم الطعام والدخان ..وكان نصيبى اليومى خمس من سجائر البلمونت ..  كانت  البديل للنقود داخل السجن ..بالسيجارة يمكنك شرب الشاى فى البوفيه  اوشراء الخضار من العنبر المجاور او رشوة العسكرى السجان ..وبالسيجارة يمكن ان تكترى سجينا غلبان ..

كنت انزل الى الفناء فى الصباح فادخن نصيبى من السجائر واحدة تلو اخرى .. وانا فى طريقى لخلوتى الظليله.. لمحت احد السجناء يتبعنى بخطوات مريبه كليله ،حتى جلست اسفل الشجرة على المصطبه، فجلس بجوارى دون كلمه او مرحبا ..حتى اصابنى القلق من شر ماخلق ..ولما  انتهيت من السيجارة والقيت عقبها

ارتمى عليه كالمجنون! فاصابتنى الدهشه من سلوكه العجيب فقال لى :

معلش انت الوحيد  فى هؤلاء الناس الذى يرمى الاعقاب بها بقيه من الانفاس..

فاعطيته سيجارة وقص لى قصته بمرارة ،فقد كان متخلفا عن التجنيد ،وجاء للسجن دون ان يعرف الاهل  ومرت الايام وقد اعتبرناه واحدا من الزملا ء فصرفنا له عددا من السجائر حتى يستطيع تحمل حظه الجائر، ومرت الايام حتى عرف اهله المكان و جاءت له زيارة فعاد الينا محملا بكراتين السجائر الاجنبيه والفراخ المشويه. 

-5 -

جاءت على ايام .كنت فى  قمة الخرمان ..من قلة الدخان .. فطلب منى زميلى الشاعر الفنان  ان يقرا لى بعضا من اشعاره  الحداثيه، فاتحفنى بقصيدة حجريه، لم افهم منها كلمه واحده  ... وقال لى مارايك ايها  الناقد ..قلت له انها من اعظم ما سمعت من  القصائد..انبسطت اساريره ودعانى الى الكانتين .. وطلب لى علبة كامله من البلمونت المتين ..وزجاجة سيكو عتقها الصدأ .. وهنا ايقنت ان الاشتراكيه صعب تطبيقها حتى لو كنا فى زنزانه منسيه ..

وكان زميلنا المسئول... عن الحياة العامه والدخان والعسل والفول ...يدخن على طول! ...وننظر اليه فى دهشة وذهول ..

وقد انبرى زميلنا الكادح ... فى تاليف القصص والاشعار ...ومع نهاية النهار ياتى الى بالكشكول وقد اكتظ بالقصائد والقصص الطوال ...

وفى المساء كان يحكى لنا فى حلقات ...سيرته الذاتيه ..عندما كان فى المقاومه الشعبيه .. واسقطوا طائرة مصريه فقبضت عليهم المخابرات الحربيه واوسعتهم ضربا بالشلاليت والبونيه .. ثم عندما افرغوا رصاص الرشاشات فى العدو الذى جاء فى الظلام ولم يكن قادرا على الكلام.... حتى يذكر لهم كلمة سر الليل ..ليكتشفوا فى مع طلوع النهار ان ذلك العدو الغادر لم يكن سوى حمار  ..تحول الى اشلاء من شدة ضرب النار.

وقد شاركته  التفكير فى الهروب ... فاقترحت عليه ان نهرب فى سيارة الزباله... لكننا تراجعنا عندما راينا  ذلك الصول... يدك فيها الاسياخ بالعرض والطول .. فاقترح ان نأتى بزى العسكرى ونرتديه كأننا الجنود القادمين لتسليم الهاربين من المجندين.... وقد رايناهم دون تفتيش او تدقيق داخلين وخارجين..

اما الزميل المقاول الذى  هام  فى عشق الفلاح والعامل ... حتى انه كان يرفض الاستحمام ..لان ذلك لا يغير شيئا فى الواقع المصرى ...ولا يدفعنا خطوة الى الامام اويحقق الاحلام فى المساواة بين الانام .....هاهو الان يحصد الاموال من استعباد العمال .ومازال مغرما بالجمل الثوريه و لا يكف عن الكلام.فليس اجمل من ان تكون مليونيرا وتؤمن بالشيوعية !

وف احد الليالى الشتويه .. فتح الشاويش باب زنزانتنا  الحديديه... لياتى لنا بنزيل جديد ، اصابه الذهول عندما راى جمعنا السعيد ..فهم بالاياب ...لكن الشاويش دفعه للداخل واغلق خلفه الباب .. فتعرف عليه احد الزملاء فارتمى فى حضنه كانه قارب النجاة ..

.. كانت تهمته ان اسمه يشبه اسم زميل هارب .. فاصبح السجن قدرا احمقا له وتجربة التجارب ..وكان اعتقاله دورة تدريبيه  .. سياسيه .. وتثقيفيه  لم تكن ع البال او حتى فى الخيال ..

كان صوت القطار ياتى فى الليالى كانه النحيب ... يشعل اشواقى وينعى حظى الغريب..ونحن نتسلى ونحاول ان نغيب .. بلعب الشطرنج والجدل السياسى الرهيب ..حتى جاء ميعاد جلسة القضيه ... فحصلنا على اخلاء السبيل ... بدفاع القديس الهلالى النبيل  ... هانحن قد عدنا للحريه .... ولم يكن ذلك نهاية المطاف فقد انتظرنا خمسة عشرة يوما حتى يصدق على الحكم رئيس الجمهوريه ... باعتباره رئيس السلطة القضائيه .. قضيناها فى قمة القلق خوفا من  البقاء فى تلك العبوديه ...حتى جاءت الاشارة واتت لنا البشارة فخرجنا اخيرا من تلك المغارة  ..وقد عرفت فى ذلك السجن قيمة الحريه.
-------------------
كتبها: حميد مجاهد


مقالات اخرى للكاتب

مقامة القلعة
اعلان