25 - 10 - 2020

وجهة نظري| تعاطفا مع المتسولين

وجهة نظري| تعاطفا مع المتسولين

كثير منا لا يتعاطف مع المتسولين.. ليس لجمود المشاعر أو غلظة فى القلب أو تبلدا يحول دون التعاطف مع آلام الآخرين وهمومهم، لكن ليقين أن التسول هو أقرب لمهنة يتكسب بها صاحبها دون أى عناء، أو إن شئنا الدقة هي تحولت إلى ذلك بمهارة وحيل من يمارسها، لا يدخر وسعا فى التفكير والتفنن وإبتكار كل الوسائل التى يبتدعها ويطورها باستمرار ليحظى بأكبر قدر من الإقناع ومن ثم الشفقة والتعاطف، فتمتد الأيادى الحنونة بسرعة لتجود بما تقدر عليه علها تخفف قدرا من المعاناة عن ذلك البائس الذى ضاقت عليه كل سبل الحياة، فمد يده من غير إستحياء للآخرين مستعينا بهم لفك كربه.

إلا أن تلك الحيل لا تنطلي على البعض منا، فيظل على موقفه رافضا مد يد العون للمتسول إما صمتا أو تجاهلا أو تأنيبا، آمرا له بالبحث عن العمل.. موقنا أن لا جدوى فى إعطاء المحتاج سمكة، وإنما الافضل إعطائه شبكة ليسعى على رزقه بنفسه، كما يحثنا المثل الصينى.

ومن المؤكد أن الافلام السينمائية ساهمت فى تلك الحالة من الرفض التى يتعامل بها البعض مع المتسولين.. ومشاهدها المحرضة والكاشفة عن إمبراطورية المتسولين محفورة فى عقول الجميع، الشباب منا والشيوخ، كبار السن مازالوا يتذكرون فيلم "جعلونى مجرما".. تفزعهم نظرات "دواهى" المرعبة القاسية المفتقدة لأى قدر من الرحمة.. وشبابنا مازالوا يتغنون "عودى يابلية" مشفقين عليها من "الكتعة" المماثلة "لدواهى" الخمسينيات.

حالة النفور من كل متسول، جعلت الكثير منا ينظر إليه بلا شفقة، ليس فقط لأنه يهدر ماء وجهه من غير استحياء ويرسم مذلة مفتعلة، لكن لإحساسنا بأنه يتكسب من وراء تلك الحيل الكثير، حتى صارت كما قلت اقرب لمهنة .

الغريب أننا وسط ذلك النفور والرفض والامتعاض، نجد أنفسنا الآن متلبسين بقدر من التعاطف.. شيئ ما جعلنا نشفق بسبب تلك المآسى التى يرويها المتسولون.. ربما لأنها مست قدرا من مآسينا بعدما ضاقت بنا الحال وأصبحنا نعانى كثيرا من تدبير أمورنا كما تعودنا، بل واقل بكثير مما تعودنا.

نحذف شهرا وراء شهر بل يوما وراء يوم واحدا من قائمة أولوياتنا، أملا فى تدبير متطلبات أكثر إحتياجا.. ومع ذلك تظل حسبة برما المرهقة عصية على الحل.

نلهث مجهدين وراء ارتفاع جنونى فى الأسعار لايرحم دخولنا المحدودة.. فواتير الكهرباء والغاز والماء.. تجديد رخصة السيارة.. دفع أقساط المدرسة.. تدبير مصاريف الجامعة وإدخار مايلزم خشية رسوب الابناء بعدما شرعت الحكومة فى فرض رسوم خيالية على الراسبين.

والأمر من ذلك تدبير مصاريف العلاج من كشف الأطباء وثمن الأدوية وتكاليف المستشفيات، وكلها تحتاج بدورها لأرقام فلكية تجعل من المكتوين بنارها يقعون بقسوة بين شقى رحى وجع الأجساد وخواء الجيوب، وكلاهما يدهس بلا رحمة فيصيب الأرواح فى مقتل.

تحاصرنا الهموم، فتجعلنا أكثر تعاطفا مع كل من يردد صداها حتى وإن كان مدعيا أو زائفا.. نتعاطف رغما عنا بأوجاعه حتى وإن بدت غير صادقة، شيء ما يجعلنا نشفق عليه، ربما لأنه يسرد بإقتدار جزءا من مآسينا، يمس أوتار أوجاعنا، يترجم حكاية أشبه بحكايتنا.. حتى وإن بدت أحوالنا مختلفة وظروفنا وحياتنا أكثر يسرا، لكن يقينا أن وراء ذلك اليسر سترا من الله وبركة من دعوات والدينا الراحلين هى فقط من تنجينا من شر تلك الايام القاسية.

لكن هل يدرى ولاة أمورنا بتلك الحال، وهم لا يتورعون عن مفاجأتنا مابين يوم وآخر بقذيفة من نار تزيد الاسعار إشتعالا.

لا أعتقد أنهم يدركون ما وصلنا إليه من ضنك الحال، ويبدو أنهم ينتظرون أن يخرج الجميع مرددا: "عشانا عليك يارب".
---------------------------
بقلم: هالة فؤاد

مقالات اخرى للكاتب

وجهة نظري| زوجات الشهداء فى انتخابات النواب
اعلان