28 - 11 - 2020

ترنيمة عِشق| "حبيبُ الصايغ" كما عَرفته

ترنيمة عِشق|

هل أسميها دعوةً ماكرةً أم عفويةً أم مُنحازةً تلك التي نتلقاها لنحتفي بحبيب الصايغ في ذكرى رحيله الأولى والمتحدثون دومًا مِن الشُّعراء؟!ويكأنه كان شاعرًا وحسْب، فهل يعتقد البعض أنّ الشُّعراءَ هم وحدَهم القادرونَ على سَبر أغوارِ الرّجُل والاحتفاء به وإعطائِه حقَه؟! الحقيقة أنه ظُلم حين أُطلق عليه لقبَ "أيقونةُ الأدبِ والشِّعرِ"فقط!

قد كان الصايغ أديبًا أريبًا، ومثقفًا، وصحفيًّا وكاتبًا - قبل أن يتمَ العشرين مِن عُمره الغض- بقلمه اللافت كان مِن أوائلِ مَن عملوا بالصحافة الإماراتية، فساعة يعشق الكلمة؛ يعانقُها ويرقُّ لمبدعِها شِعرًا؛ ونثرًا؛ وعلى هيئة روايةٍ؛ أو مقالٍ؛ أو حتى خاطرة، كان يهتم غاية الاهتمام بالمواهب الشابة، ويشجعُ الصغيرَ قبل الكبيرِ ويُهديه مسامِعَه ونظرات عينيه المهتمة؛ وفي حضرتِهِ يشعرُ الصغيرُ والمُبتدئ أنه كبيرٌ.. وهكذا دأْبُ الكبار.

حال اقترابِ عُمرِه مِن السبعين أوقعنا الصايغُ في خُدعة؛ فقد حاول إيهامَنا بأن مرحلةَ السبعين تعني النهاية والهدوء والسّأَم والتعب، فإذ بالنهايةِ ابتداءٌ، وبالنضوجِ نضارةٌ لحَرفِه، وإذ بالسّأمِ يتحولُ لألقٍ، والتعبُ يُصبِحُ همةً وحماسًا، واسألوا عن ذلك نشاطَه باتحاد كُتاب وأدباء العرب، واتحاد كُتّاب وأدباء الإمارات، واستنطقوا مقالاتِه، وأنصتوا لجِنّي الشِّعرِ وهو يهاتفُه الصايغ: خُذني إليكَ ولوقسْرًا"، فكان حرفه كما كانت مجهوداتُه وقناعاته تحمي الرُّوحَ والوطنَ مِن الانكسار.. ودواوينه وإبداعه الشعري الغزير خير شاهد.

لن أتحدثَ عن حروفِه التي اكتستْ بنظرتِه الفلسفيةِ للكَونِ تأثرًا بدراسته للفلسفة، ولن أقتربَ مِن تألقِ أشعارِه حتى تُرجمتْ لسِتِ لغاتٍ عالَمية؛ فهذا يكفينا فيه الشُّعراءُ حديثًا ودليلا، لكنّي كما بدأتُ مقالي أنحازُ له ككاتبٍ وصحفيٍّ ومثقفٍ بالمقامِ الأول؛ حتى التصق به لقبُ"الأول"، فهو أولُ مَن قضى بالصحافة خمسةً وثلاثين عامًا -هي عُمْر الصحافة الإماراتية مذ نشأتها - وأولُ إماراتيّ ينالُ جائزةَ "سلطان العويس" لشخصيةِ العام الثقافية، وأولُ إماراتيّ يشغلُ منصبَ الأمين العام للاتحاد العام للكُتاب والأدباء العرب، وأولُ خليجيّ يتم ترشيحُه لجائزةِ نوبل العالمية، وأولُ شاعرٍ يحصُدُ جائزةَ الدولةِ التقديريةِ في الأدب.

لن أكتمَكم سرًا؛ فقُبيل وفاتِه قررتُ أن اُجري معه حوارًا صحفيًّا، وقبل أن يوافقَ قلتُ له شرطي الوحيد: "أنّي لن أُرسلَ لك الأسئلة، وسوف يكونُ الحوار مباشرًا، عبارة عن كشْفَ حسابٍ عما قدمتَه طوال فترة ولايتِكَ منصب الأمين العام لاتحاد الكُتاب والأدباء العرب"، وأصدقتُه القولَ حين جمعتُ من الصحف اقتراحاتِه كافة؛ تلك التي وعد أن ينفذها حال فوزِه بالمنصب، وأسررتُ له أنّي: "لا أهادنُ ولا أجاملُ، وسوف اُحاسبكَ على كلِّ وعدٍ لم تنفذَه".. فتبسّمَ في حنوٍ أبويٍّ بالغ، والتمعَ الإصرارُ في عينيه بالموافقة على شَرطي.

بَيْدَ انّي لظرفٍ ما سافرتُ من أبوظبي إلى القاهرة في إجازة قصيرة قبل إجراء الحوار، وما هي إلا أيامٌ قلائل حتى تلقيتُ خبرًا يزعم أن الحبيبَ مات! فهل مات حقًّا؟! كيف..والشُّعراءُ لا يرحلونَ، والقصائدُ لا تموتُ، ومشاعل الإفاقة التي يحملها المثقفون التنويريون لا تخبو ولا تغيض؛ بل كلماتُهم وأقلامُهم هي التي تُحيي وتُميت؟

.. وما زلتُ أحتفظ بأسئلة الحوار الذي لم يتم مذ عامٍ ونصف العام.
-----------------------
بقلم: حورية عبيدة

مقالات اخرى للكاتب

ترنيمة عِشْق| إسماعيل ياسين وسيدة المترو
اعلان