10 - 08 - 2020

حقُّك ألَّا تكون واحداً من "القطيع"!

حقُّك ألَّا تكون واحداً من

إنَّ كلَّ ما تستمتع به الآن ليس من هذا العصر، فأنت تصغي إلى أغاني القرن العشرين من خمسيناته إلى تسعيناته، وتشاهد أفلام القرن العشرين (والسنوات الأولى من هذا القرن على أحسن فرض) وتستمتع بلوحات وتماثيل العصور الغابرة، وتجاوزًا بالمدارس العجيبة لفنِّ القرن العشرين، وتقرأ روايات القرون الماضية، وتعشق روايات القرن العشرين..

هلْ تدري لماذا؟

لأنَّ كلَّ تلك الأعمال الماضية خلقها موهوبون مبدعون من وحي تجاربهم الحيَّة الصادقة، أمَّا الأعمال المعاصرة فيفرزها واصلون مفروضون بلا موهبة أوْ ثقافة أوْ تجربة سوى تجربة النفاق والملق والشلليَّة.

فإذا اشمأززتَ ممَّا يلقون أمامك من رداءة وقبح وقذارة؛ لا تقلْ لنفسك إنَّ كلَّ الناس يعجبهم ذلك فلا بدَّ من أنَّ العيب في ذوقي وحدي.

كلَّا يا صديقي ليس العيب في ذوقك، وأقسم لك أنَّ أيَّ حيوان سوى الخنزير سيعاف هذا القيء النتن، وقدْ تعافه الخنازير أيضًا على الأرجح.

أفلام فاضحة، ومسلسلات بشعة، وروايات مغشوشة، وإعلام مثل التوائم المتطابقة، وليتها متطابقة وجميلة لكنَّها متطابقة وبشعة!

من أجل ذلك كلِّه إيَّاك أن تفرِّط في حقٍّ ليس بوسع أحد سلبه منك وهو حقُّ ألَّا تبدي الإعجاب- ناهيك عن أنْ تمجِّد- ما لا يعجبك! لا تبدِ إعجابك بالقبيح أوْ السخيف.  لا تعلنْ تصديقك للكذب الوقح. ليس عليك إلَّا أنْ تصمت، لا تشجِّع أو تؤيِّد أوْ تهلِّل بالله عليك! دعهم يغتصبونك وأنت جثَّة باردة لا عشيقة مواتية.

إنَّ في حياتنا أرتالًا من الأشياء الفجَّة القبيحة المفروضة علينا، والتي نقبل بها لا لشيء سوى لأنَّ الآخرين يقبلون بها. ومن حولنا حشود من الأشخاص السمجين المدَّعين الذين لا نجرؤ على انتقادهم ولوْ في دخيلتنا خشية أنْ ينبذنا مجتمع متحمِّس لهم وهم فيه النجوم اللامعة.

حاولْ أنْ تنظر إلى الشيء بعد تجريده من الهالة الدعائيَّة المحيطة به، وسلْ نفسك: هلْ هذا العمل جيِّد حقًّا؟ هلْ يستحقُّ هذا التهليل وهذا التمجيد؟ أمْ أنَّ هذه الهالة وُضعتْ حول هذا العمل أوْ هذا الشخص عمدًا لغرض؟ سلْ نفسك مثلا: هلْ هذا المذيع قميء الشكل حميريُّ الصوت ركيك العبارات عاهر التلميحات بوسعي حقًّا تصديق ما يقول واتِّخاذ قراراتي المصيريَّة على هدي ما يوصي به؟ أمْ أنَّ هذا المذيع مسلَّط عليَّ لغسل دماغي وإغشاء عينيَّ؟ هلْ هذه الأفكار أفكاره حقًّا أمْ أفكار سادته الذين يسعون إلى تضليلي والسيطرة عليَّ؟

أخضعْ كلَّ ما يُعرَض عليك، وكلَّ ما يُسوَّق لك لهذه النظرة النقديَّة المتشكِّكة، أخضعْ لها أيضًا كلَّ ما أعجبك في الماضي وحتَّى كلَّ ما أعتقدت به وتحمَّست له! سوف تخلِّصك هذه المصفاة من كثير من الغثاء وسقط المتاع الذي تحمله فوق ظهرك، وسوف تتنفَّس بعمق وارتياح حين يُرفَع كلُّ هذا الركام البالي من فوق صدرك.

وراء كلِّ تقدَّم عدمُ رضا، ووراء كلِّ تخلُّف إعجابٌ بما هو كائن. كان هناك منْ استخسف ركوب الحصان فاخترع السيَّارة، وكان هناك منْ استبطأ السيَّارة فصنع الطائرة. وكذلك في كلِّ مناحي الحياة وكلِّ المنظومات العلميَّة والصناعيَّة والاجتماعيَّة والسياسيَّة هناك منْ لمْ يرضوا بها فطوَّروها، وهناك منْ رضوا بها فتجمَّدوا وتجمَّدتْ معهم.

لا أقول لك: اهدمْ حياتك طالما أنَّها لا تعجبك! لكنِّي أقول: ما دامتْ حياتك لا تعجبك لا تحاولْ إيهام نفسك بأنَّها تعجبك! ما دامتْ برامج التليفزيون رديئة لا تحاولْ إيهام نفسك بأنَّها جيِّدة! ما دامتْ مقالات الصحف منافقة لا تحاولْ إيهام نفسك بأنَّها وطنيَّة! ما دامتْ الأغاني ركيكة لا تحاولْ إيهام نفسك بأنَّها حيويَّة. ما دامتْ الأفلام بشعة لا تحاولْ إيهام نفسك بأنَّها مسليَّة. ما دامتْ الأخبار كاذبة لا تحاولْ إيهام نفسك بأنَّها صادقة. ما دامتْ الوعود خادعة لا تحاولْ إيهام نفسك بأنَّها حقيقيَّة!

وحين يعاملك الآخرون بحقارة وفظاظة وعداء عقابًا على فرديَّتك ورفضك الانسياق مع القطيع، بالرغم من أنَّك لم تسئْ إلى أحد وعاملت كلَّ الناس بودٍّ واحترام: لا تتوهَّم أيضًا أنَّ العيب فيك لأنَّ العيب ليس فيك بلْ في هذا العصر المريض جدًّا، فلا تنتظرْ من أحد أنْ يحبَّك أوْ يتعاطف معك، بلْ انتظرْ الحقد والعداء والقسوة الوحشيَّة وعلى أفضل الفروض التجاهل والنبذ. وتعلَّم أنْ تتحمَّل كلَّ ذلك دون أنْ يفتَّ في عضدك أوْ يصدمك أوْ يحزنك. عشْ في الحقيقة حتَّى لوْ عشتَ فيها وحدك!

-----------------------

بقلم: د. أحمد زكي




مقالات اخرى للكاتب

النيل ومصر
اعلان