10 - 08 - 2020

مدينتي الفاضلة| هليوبوليساوي 30 يونيو

مدينتي الفاضلة| هليوبوليساوي 30 يونيو

يعود 30 يونيو ليفتقدنا، فيجدنا محبوسين من 3 أشهر بفعل فيروس أشد شراسة من حكم الاخوان.. من سنوات قليلة كأنها زماااان، خرجنا حشودا حجبت أسفلت شوارع مصر أياما وليال.. خرجنا بهتاف "ارحل"، نَزٍف الرحيل المؤكد بالأغاني الوطنية، ونبدر أحلامنا واثقين أيضا في نموها.. كأنه الأمس لكنه بعيد!! 

مصر الجديدة بالتحديد خرجت فيها العائلات والأصحاب والجيران جماعات، صوب قصر الحكم، كل الوجوه مألوفة حتى جنود حراسة المنشآت.. لأن كل شجرة ورصيف وناصية ومحل وجامع وكنيسة ومكتبة وبقال ومقهى، هم أغصان شجرة عائلتنا.. ودارت الأيام وفرض الفيروس حظر التجوال.. نتسلل للتلصص على أغصان شجرتنا فيغشانا حزن الاغلاق، وصمت الأرصفة، وكساد يخلع القلب.

أصحو اليوم، كأني خارجه من كهف، أتجنب النظر لوجهي ولو بالصدفة، أبذل جهدا لاستقبال يوم جديد قديم عشت فيه 100 يوم حظر بنفس التفاصيل.. "أحايل نفسي" بوعد فاشل أن أتجنب معرفة احصائيات النكد.. أتمنى عودة الأيام وسخافاتها اللطيفة!!

 أراني محاصرة، عاجزة عن التقوقع، وعن التواصل، هل وهنت حاسة الحياة!! تغشاني حالة بَلَم لأن القادم مجهول الحال، والصحبة!! 

 أنتبه على طنين نحلة جميلة، تسحبني من عمق الكابوس إلى براح، سٌحٌبه وفراشاته تغني للزهور وتلهو على ضفاف الشمس.. هي الصديقة جانيت رياض، أمينة سر مصل الشفاء بالحكمة والكلمة الطيبة والمرح، تنثره بحماس جندي براءته هي سر استبساله.. ونحلة في شقاوتها، لا أعرف عنها إلا اسمها "أماني نعيم" تشاغب كل عابري جروب " هليوبوليساوي"- الفيس بوك- حتى باتت شبكتها تتخًرق من كثرة ما اصطادت من نفوس عطشى، لتمنحها ضحكة من القلب!! غابت أماني يوما واحدا، وعادت تسخر من الكورونا التي داهمتها هي وابنتها وشقيقتها، بل وتعضد طبيبها بنكتة! وتواصل التوزيع المجاني لنفس المصل السحري.

جروب "هليوبوليساوى" هو ناد اجتماعي ثقافي ممنوع الحظر، خاص بسكان مصر الجديدة.. يجمعهم نبض تراثها الحي، يُنَعشون أرواحهم بالذكريات المشتركة والألفة التي رفعتهم من الجيرة وزمالة المدرسة إلى حضن شجرة العيلة، وما يحتمه من واجب رعايتها وحمايتها، لذلك غضبنا وصرخنا ناعتين تطويرها اغتصابا، لأنه تنفيذ أمر خاص بنا دون مشورة أو حتى إنذار!

شهورا من أعمال شاقة متصلة ليل نهار، نحن نتربص للوثوب، ومسئولي التنفيذ وقيادة العمل والعمال لهيب التزام وانضباط.. كتيبة مهندسين يقودها عقيد كامل مهدي، صالحونا مع مشروع التطوير بدماثة خلقهم، والانصات لآرائنا مع وعد بالتجربة واختيار الأصلح، أوفى العقيد وكتيبته بالوعود، برحابة صدر وسمو اخلاق يتميز بها كل رجال جيشنا البواسل، وتصالحنا.

والحقيقة، طالت أيام التعرف على مداخل ومخارج حيًنا، ومشاعر الاغتراب تناوشنا.. لم يتبق من ملامح أي ميدان إلا لقبه!! سكان الشوارع الرئيسية "عَزٍلوا" منتقلين كما هم بالعمارات والمحلات والأرصفة والمارة- كأفلام الكارتون- إلى طرق سريعة، مطلين على محاور وكباري وشوارع فسيحة جاهزة التشجير والتزهير.. نتأقلم، ويظل الحنين لأماكن انزوت، ومترو حكيم ومشاكس، نتمايل مع سرعاته ونحن نراجع ملخصات ثم إجابات الامتحانات، انتظرناه تحت خمائل، أوصلنا إلى مدارسنا وأصحابنا ومتنزهاتنا ثم جامعاتنا.. وصولا إلى الكوربه نحيط الاتحادية حشود عائلات بريئة تنشد الخلاص، هاتفة " ارحل"، وأعادنا المترو سالمين.. أقالوه وقضبانه وأرصفته، تاركين عربة للذكرى بقصر البارون، تحكي وتشهد له ولنا عن مصر الجديدة.  

--------------------------

بقلم: منى ثابت

















مقالات اخرى للكاتب

مدينتي الفاضلة| كما في السماء كذلك على الأرض
اعلان