07 - 07 - 2020

نهاية العالم.. الآن!

نهاية العالم.. الآن!

بعد كورونا- إنْ كان له بعد- سوف يكون العالم مثل إنسان ظلَّ أعوامًا في غيبوبة ثمَّ أفاق ليفجع بأنَّه فقد ماله ووظيفته وبيته وأهله، بلْ فقد قواه التي كانت رأس ماله الذي يرتزق به.

هذا الجيل الشاب الذي تحطَّمتْ أحلامه وشاب قبل الأوان. هذا الجيل الذي كان على أعتاب التخرُّج من الجامعة أوْ تخرَّج منها لتوِّه ويبحث عن فرصة. هؤلاء الذين كانوا يخطِّطون للسفر أوْ للزواج أوْ لأيِّ شيء فتبخَّرتْ كلُّ خططهم وأصبحتْ استحالات. الأطفال الذي حُرِموا اللعب في الحدائق وعلى الشواطئ، بلْ حُرِموا حتَّى من المدرسة.

جيلنا التعس الذي كُتِب عليه في آخر أيَّامه أنْ يشهد يوم قيامة مبكِّر وكأنَّ قدره أنْ يُولَد محبطًا ويحيا محبطًا ويموت محبطًا.

أحلاهما مرٌّ

في بداية الأمر تبلورتْ استجابة الدول لتهديد الكورونا في نموذجيْن، النموذج الأوروبيِّ الأمريكيِّ حيث الحظر وتجميد الأعمال، والنموذج الآسيويِّ حيث استمرار الحياة كأنَّ شيئًا لمْ يكنْ. الآن فتحتْ كلُّ الدول شوارعها على الرغم من استمرار الوباء!

والإغراء المتسلِّط الآن على حكومات العالم- وخاصة تحت ضغط رجال المال والأعمال- أنْ تتخلَّى عن العزل وتجميد النشاط الاقتصاديِّ، وتستأنف الحياة الطبيعيَّة بلا محظورات كيْلا ينهار الاقتصاد وكيْلا تسبقها الدول التي لمْ تبالِ ولمْ تجمِّدْ نشاطها أوْ تفرضْ الحظر.

سوف يلقى ذلك استحسانًا من الجماهير التي ضاقتْ بالعزلة والحبس المنزليِّ، وفقد أكثرها مصدر رزقه. وقدْ يؤدِّي ذلك إلى تولِّد مناعة طبيعيَّة والانتصار على الوباء، وقدْ يكون في ذلك إنقاذ العالم من انهيار الاقتصاد والغرق في مجاعة وفوضى شاملة.

وقدْ يكون في ذلك هلاكنا جميعا وانقراض جنسنا البشري. ويبدو أنَّ البشر- لوْ خُيِّروا بين حياة البعض منهم وبين الاقتصاد- فإنَّهم لنْ يتردَّدوا في اختيار الاقتصاد على مذهب (عض قلبي ولا تعض رغيفي!) إذْ أنَّ من المستحيل إرغام الناس على ملازمة بيوتهم لأجل غير مُسمَّى فذلك أشبه بمحاولة إجبار حيوانات جائعة على البقاء في مخابئها. الوعول سوف تذهب إلى المرعى لإشباع جوعها رغم يقينها بأنَّ الأسود تتربَّص بها، وسوف تذهب إلى النهر لإرواء ظمأها رغم علمها بأنَّ التماسيح تنتظرها. لأنَّ من سيخرج سيواجه احتمال الموت وكذلك احتمال الحياة، أمَّا المختبئ فسوف يواجه احتمالًا واحدًا هو الموت جوعًا وظمأ.

موت بغير كورونا!

في الشهور الأخيرة سجَّل عشرات الملايين من الأمريكيِّين أسماءهم بصفتهم أصبحوا بلا عمل، وهذا في أغنى وأقوى دول العالم.، ولنا أنْ نتخيَّل جسامة المعضلة في البلاد التي ليس لديْها ثروات تدرُّ دخلًا من تلقاء نفسها، وليس لديْها احتياطات نقديَّة بلْ لديْها ديون متراكمة، وليس لعامة المواطنين دخولٌ ثابتة تكفيهم، بلْ يحيون يومًا بيوم ولا بدَّ لهم من أنْ يخرجوا ويسعوا في كلِّ يوم ليظلُّوا أحياء فأرزاق أكثر الناس في الشارع- وأيُّ شكل من حظر التجوِّل يعني الموت ليس بالكورونا ولكنْ بالجوع.

نفس المعضلة- وعلى نحو أفظع- تواجه العالقين في الغربة من كافة الجنسيَّات وفي كلِّ أرجاء العالم فهؤلاء أصبحوا بالفعل أبناء سبيل، وأبناء السبيل في القرآن هم الذين تقطَّعتْ بهم السبل ويندرجون تحت بند مستحقِّي الصدقة. هؤلاء المغتربين مهدَّدون- بالإضافة إلى الموت جوعًا- بالتشريد لأنَّهم عاجلا أو آجلا سوف يعجزون عن دفع إيجارات منازلهم.

أكثر بؤسًا من كلِّ هؤلاء، اللاجئون الذين يعيشون في مخيَّمات وعلى المعونات ولمْ يكنْ العالم قبل كورونا يجود عليهم سوى بالفتات، والأرجح الآن أنَّه- بعد انشغال كلِّ بلد بنفسه- لنْ يتذكَّر وجودهم.

التوقُّعات

يتوقَّع البعض استمرار الوباء حتَّى منتصف ٢٠٢١ (وهو الموعد المأمول للتوصُّل إلى إنتاج لقاح) ويتوقَّع البعض الآخر أنْ يستمرَّ لأربعة أعوام، ويتوقَّع آخرون- مثل منظَّمة الصحَّة الدوليَّة- ألَّا ينحسر الوباء أبدًا، وكلُّ هذه المدد لا قبل للبنى الصحيَّة بأنْ تصمد خلالها- خاصة حين يتقوَّض الاقتصاد العالميُّ تمامًا- فالبني الصحيَّة في كلِّ أرجاء العالم غير مثاليَّة، أمَّا في العالم الثالث فهي مهترئة متداعية يعوزها كلُّ شيء، ومن يطالبْ باستكمال النواقص يُتجاهْلْ، ومن يلح في المطالبة يوصمْ بأنَّه مشاغب. وإذا كان الأطبَّاء يموتون بالوباء في كلِّ مكان، فإنَّهم يتساقطون كالذباب في دول العالم الثالث.

تتعامل المجتمعات المتخلِّفة مع الوباء على نقيض تعامل المجتمعات المتقدِّمة، ففي المتخلِّفة لا مبالاة غير مبرَّرة ووهمٌ بأنَّ تحدِّي الوباء وتجاهل وجوده سوف يجعله يفقد الثقة في نفسه ويمضي بعد أنْ ييأس. أمَّا المجتمعات المتقدِّمة فتعامل الوباء بكلِّ احترام ولا تتوهَّم أنَّه سوف يملُّ بعد قليل ويمضي ما لمْ نجعله نحن يمضي.

وربما تتشابه الإحصاءات في البداية- بلْ قد يبدو معدَّل الإصابات في المجتمعات اللامباليَّة أقلَّ ممَّا في المجتمعات المتقدِّمة بسبب الشفافيَّة في المتقدِّمة والتعتيم في المتخلِّفة- ممَّا يزيد من يقين المجتمعات المتخلِّفة بأنَّ اللامبالاة هي أنجع دواء. ثمَّ ما تلبث المجتمعات المتقدِّمة أنْ تتجاوز المحنة وتقضي على الوباء، في حين أنَّ المجتمعات المتخلِّفة يلتهمها الوباء كالنار.

أمَّا الطامة الكبرى فهي الغباء السياسيُّ الذي يجعل حكومات الدول المتقدِّمة تهتمُّ بمكافحة كوفيد ١٩ على أراضيها فقط، ولا تعبأ بوضع الكورونا في الدول المتخلِّفة ممَّا يجعل جهودها عبثيَّة لأنَّها- حتَّى لوْ قضتْ على الوباء فوق أرضها- سوف يعود إليها آجلًا أوْ عاجلًا ما لمْ يُقضَ عليه في العالم كلِّه.

ريمديسيفير

أُنتِج هذا العقار المضاد للفيروسات لعلاج مرض الإيبولا القاتل، لكنَّه فشل في ذلك فشلًا ذريعًا ويُجرَّب الآن في علاج كورونا والنتائج مبشِّرة، لكنَّه لا يُستخدَم إلَّا في الحالات الخطيرة التي تحتاج إلى دعم تنفُّسيٍّ ويُعطى بالحقن الوريديِّ داخل المستشفى. وطريقة عمل ريمديسفير أنَّه يتسلَّل داخل تركيب الفيروس فيختلُّ، ويؤدِّي ذلك إلى اختزال عمر الفيروس فيختزل المدَّة التي يبقاها المريض على جهاز التنفُّس من حوالي أثنى عشر يومًا إلى حوالي أربعة أيام.

وسرُّ التفاؤل الذي بثَّته التجارب على الريمديسيفير هو أنَّ الباحثين اكتشفوا أخيرًا أنَّ هناك أدوية تؤثِّر على هذا الفيروس بعد أنَّ ظنَّ الجميع أنَّه بلا علاج، ولنْ تتوقَّف الأبحاث حتَّى اكتشاف عقار أقوى وأكثر فعاليَّة من الريمديسيفير.

لا ينفي هذا أنَّ الحل الناجع هو صنع لقاح يحمي الناس من الإصابة أصلًا، لأنَّ الوقاية خيرٌ من العلاج.

الديكساميثازون نجح أيضًا في الإقلال من الوفيَّات في الحالات الموضوعة على جهاز تنفُّس، لكنَّه يضرُّ في الحالات الخفيفة لأنَّه من عائلة الكورتيزونات التي تقلِّل مقاومة الجسم.

هذا وينصح الرئيس ترامب بحقن مرضى كورونا بمطهِّر مثل الليسول أوْ الديتول لأنَّ المطهرات- ما دامتْ تقتل الجراثيم في الحمَّامات وعلى الأرضيَّات- سوف تقتل الفيروس حتمًا حين تلقاه وجهًا لوجه داخل الدم!!

نظريَّة طريفة حقًّا، وعيبها الوحيد أنَّها ستقتل المرضى أيضًا.

أمَّا عقار الكلوروكوين الذي يتناوله الرئيس ترمب- أوْ يزعم أنَّه يتناوله- فأضراره جسيمة ومضاعفاته أكثر، وقدْ أدَّى إلى وفاة بعض من تناولوه لعلاج كوفيد 19.

عندما يموت الأطباء

بالرغم من أنَّ الموت مصير كلِّ حيٍّ، فإنَّ عبارة (حين يموت الأطبَّاء) تحمل مفارقة عبثيَّة مثل قولك: حين يسرق الحرَّاس. وقدْ فطن الأقدمون إلى هذه المفارقة فنجد في الكتاب المقدَّس: اشفِ نفسك يا طبيب!، وفي المثل الشعبيِّ: باب النجَّار مخلَّع!

غير أنَّ عبثيَّة هذه المفارقة ليستْ مضحكة وإنَّما مرعبة، فحين يصل البؤس بأنَّ الأطباء والممرِّضات والفنيُّون الصحيُّون أصبحوا على رأس قوائم الضحايا فلا معنى لهذا سوى أنَّ المنظومة الصحيَّة مزرية، ولا أحد آمن مهما توخَّى أشدَّ درجات الحذر. أنْ يكون رجال ونساء المنظومة الصحيَّة في صدارة الضحايا- وتسمع وتقرأ عن جسامة الإهمال والتجاهل اللذيْن عومل بهما المصابون منهم- لا معنى له سوى أنَّ الدودة في أصل الشجرة.

المخزي والفاجع أنَّ الوضع يُصوَّر الآن وكأنَّ لدى المستشفيات والأطبَّاء دواء شافٍ غير أنَّهم يبخلون به على المصابين، والحقيقة نقيضُ ذلك على الإطلاق لأنَّ هذا المرض ليس له دواء حتَّى الآن والعاملون في المجال الطبِّي حين يُصابون به يموتون مثل غيرهم، بلْ الواقع أنَّهم يموتون به أكثر ممَّا يموت به غيرهم لأنَّهم في قلب الإعصار.

الموجة الثانية

يُخشي أنَّ الموجة الثانية سوف تضرب الشباب بالذات، وسوف تكون أشرس جدًّا وأفتك جدًّا من الأولى. ويبدو أنَّ كوفيد 19 يحاكي تاريخ الحمى الإسبانيَّة التي كانت موجتها الأولى خفيفة نسبيًّا ولمْ تسفر عن وفيَّات هائلة، وانحسرتْ في الصيف، ثمَّ هاجمتْ في الشتاء بموجة ثانية واستهدفتْ الشباب وأصابتْ ثلث سكَّان العالم وقتلتْ ما بين خمسين إلى مئة مليون إنسان، ولمْ ينجحْ العلماء في التوصُّل إلى لقاح.

الآن يتحدَّث االعلماء في أوكسفورد عن نتائج أوليِّة مبشِّرة لإنتاج لقاح، ويتوقَّعون أنْ يصبح اللقاح متاحًا للبريطانيِّين في منتصف 2021، ممَّا يعني أنَّ اللقاح لنْ يُتاح لسائر البشر إلَّا بعد هذا التاريخ أيْ أنَّ الانتظار ما زال طويلًا.

وممَّا لا شكَّ فيه أنَّه لا بدَّ من إيجاد لقاح فعَّال وإلا لنْ يُقضى على وباء كورونا، ولا بدَّ أيضا إتاحة هذا اللقاح الناجع لثلاثة أرباع سكَّان الأرض، وهي مهمة جدُّ عسيرة وتكاد تكون مستحيلة.

دروس كورونا

على أمل أنْ تكون هذه المحنة عبرة لمنْ اعتبر سوف أسرد هنا بعض الدروس التي ينبغي أنْ نتعلَّمها ممَّا نقاسيه هذه الأيَّام:

لا أحد في العالم الأوَّل أوْ في العالم الثالث مستعدٌّ الاستعداد الواجب للتصدِّي لكارثة عالميَّة كبرى فالمؤسَّسات الطبيَّة قاصرة، وما عاد المأمول إصلاح القصور وحسب بلْ خلق نظام صحيٍّ يكون بوسعه أيضًا أنْ يتعامل مع ما هو كابوسيٌّ وغير متوقَّع.

هلع الكوارث الكبرى يلهينا عن الاهتمام بمتطلَّبات حياتنا ومقوِّمات وجودنا، ممَّا يهدِّد بهلاكنا- ليس بالخطر الأصليِّ- ولكنْ بكوارث جانبيَّة نصنعها بأنفسنا.

بات جليًّا أنَّ الفيروسات من أكبر الأخطار التي تهدِّد الجنس البشريَّ، وينبغي مضاعفة ميزانيَّة البحث العلميِّ في هذا المجال لأنَّها مسألة حياة أوْ موت.

علينا كذلك توفير ضمان اجتماعيٍّ أقوى وأكثر فعالية من الضمان الحاليِّ الذي ثبت أنَّه لنْ ينقذ الذين يعملون لدى الغير بأجر أوْ أصحاب المشاريع الصغيرة من تداعيات جائحة مثل هذه الجائحة.

يتردَّد- على عهدة السي آي إيه- أنَّ الفيروس أُنتِج في معمل صينيٍّ، وتسرَّب إلى الخارج عن طريق الخطأ أوْ غير الخطأ. الصين بدورها تزعم أنْ الوباء ظهرتْ حالاته الأولى في مدينة ووهان بعد المؤتمر العسكريِّ الذي حضره وفدٌ من الجيش الأمريكي. هذا يجعلنا نفكِّر مليًّا فيما يمكن أنْ يحدث إذا نشبتْ حرب نوويَّة أيضًا عن طريق الخطأ، ما دامتْ الكورونا أثبتتْ أنَّ الخطأ وارد.

ما بعد كورونا

من الأقوال الشهيرة في التاريخ: "هذا اليوم له ما بعده!"

غير أنَّ من العسير حقًّا أنْ يستشرف المرء- مهما اشرأبَّ على أطراف أصابعه- ما بعد كورونا، إنْ كان له ما بعده ولمْ يكنْ اليوم الأخير.

ممَّا لا شكَّ فيه أيضًا أنَّ ما بعد هذا اليوم- إنْ كان له بعد- لنْ يشبه ما كنَّا نعيشه من قبل أدنى شبه، والأرجح أنَّ من عاصرَوا نهاية الحرب العالميَّة الثانية سوف يذكِّرهم ما بعد كورونا بتلك الأجواء، أجواء عالم محطَّم بعد حرب مدمِّرة.

وإذا كان من الحقِّ أنَّ البشر ينهضون دائمًا ويتعافون، فإنَّ من الحقِّ أيضًا أنَّهم لا يتعافون لأجيال من مثل هذه الصدمة ومثل هذا الرعب بلْ تظلُّ بهم ندوب غائرة قبيحة. أحد هذه الندوب إدراكنا أنَّ وجودنا هشٌّ، وأنَّ أيَّ تغيير في بيئتنا قدْ يقضي علينا كجنس مثلما حدث للديناصورات فلا أحد في أمان ولا أحد منيع لا الأقوياء ولا الضعفاء، لا الأغنياء ولا الفقراء، لا المتقدِّمين ولا المتخلِّفين. غير أنَّ الندبة الأعمق والأقبح هي اكتشافنا أنَّ العولمة التي حلمنا بها وهمٌ، وأنَّنا- برغم قشرة الحضارة--لا نتورَّع إذا جدَّ الجد عن أنْ نرتدَّ قبائل بربريَّة ونلتهم لحم جيراننا. يقولون إنَّ المحن تخرج أفضل ما في البشر، وا أسفاه أإنَّ ذلك لا يصدق على محنتنا الحاليَّة في قليل أوْ كثير!

-----------------------

بقلم: د. أحمد زكي



مقالات اخرى للكاتب

الرئيس يتقدم الجنازة العسكرية للفريق محمد العصار
اعلان