21 - 10 - 2020

الفيروس وسنينه

الفيروس وسنينه

اضطرتني الظروف القهرية للنزول وكسر الحجر الذي فرضته على نفسي (لأني سيكس آب) أي في دائرة الخطر بحكم السن لمراجعة عدد من المصالح الحكومية والبنك وشراء بعض المستلزمات لن أقول لكم وهالني ما رأيت الناس كلهم في الشارع والزحمة كأن الوباء أخذ ذيله وطار، لأني كنت قد رأيت هذه الحالة من قبل كلما اضطررت للنزول ولو كل شهر، وكل ما تغير هو ارتداء معظم الناس للكمامة وبعضهم ينزلها لتغطي رقبته بدلا من فمه وأنفه والسبب أنه حران أو أنها تضايقه، وقد رفضت أن يركب معي سباك في السيارة وأجبرته على ارتداء كمامة جلبتها له معي وكدت أتسبب في قطع عيشة مع صاحب المحل الذي صرخ في وجهه لينفذ طلبي لأنه غير مقتنع بالموضوع أصلاً، بعض المصالح رتبت وقوف الجمهور في الشارع في طابور وتعاملت معه من خلال شباك خارجي يطل على الشارع لكن الناس تكسر النظام وتتلاحم كأنها آخر لحظة في حياتها رغم أنهم خمسة أفراد أحيانا وكان ينقصهم أن يقفوا فوق أكتافي وكثيرا ما ضبطت فم إحداهن في أذني لأن الطابور للنساء على الرغم من تحذيرات رئيس مكافحة كورونا من أن الإصابات هذه الأيام في مصر ستسجل 2500 حالة في اليوم، الحالة اختلفت في البنك بدون طابور وكان أكثر نظامًا ووضع المقاعد متباعدة  وانتهت المعاملة بسرعة فائقة. 

حين وصلت بيتي وأنا لا أعلم ماذا جلبت معي فكرت في أحوالنا والتباين الغريب بين قمة الحذر وقمة الاستهتار. بالطبع منذ بدأ الوباء تفتحت أعيننا على مستوى القذارة التي تعودنا على التعامل معها فأصبحت جزءًا من يومياتنا المزمنة دون حلول حقيقية للتخلص منها ومع الانتباه اكتشفت أنا شخصيا أن التعامل في الأسواق مع الطعام يجلب بكتيريا وفيروسات من كواكب أخرى وسألت نفسي هل غسل هذه المنتوجات من خضر وفاكهة ولحوم يكفي لمحو ما تعرضت له بالفعل منذ تجمع حتى تصل إلى أيدينا؟ أظن أن عددًا كبيرًا منا الآن يفضل الطعام في البيوت، والتفاصيل تعرفونها.

مع دخول كورونا في منحنى الخطر الشديد في مصر ووسط هذا الغم برقت أمامي تجربة أهالي إحدى قرى المنصورة الذين قاموا بتجهيز مستشفى تستقبل المصابين بجهودهم الذاتية فسألت نفسي عن دور الأحزاب المصرية في مواجهة الوباء والتعافي منه؟

وجاءت الإجابة: وكأنهم في عالم منفصل عن الناس. ألم تكن هذه الجائحة فرصة ذهبية لكي تقدم هذه الأحزاب برامجًا وتنفذها للخدمة العامة فتحتك بالجماهير المتعطشة للمساعدة في ضائقة لم تمر بها البلاد من قبل؟ خاصة ونحن مقبلون على ذروة الأزمة حتى بتدبير قوائم بالأماكن التي ما زالت تستقبل مرضى. 

صحيح أن الجهاز الطبي لم ينهر حتى الآن لكن تزايد الأعداد يجعله قابلا للانهيار في أي لحظة كما حدث في معظم الدول إن لم نتدارك هذا. المرضى الآن بالآلاف يذهبون للمستشفيات فترسلهم بعد التزاحم إلى أماكن إقامتهم للعزل المنزلي والأعداد في تزايد والمستشفيات الآن تواجه اعتداءات من الأهالي المصاحبين للمرضى. فماذا نحن فاعلون؟

نحمد الله لتزايد الوعي عند الناس في مسألة العزل في البيوت وقد تابعت عدة تجارب نجحت لكن بأسباب منها أن يمتلك المريض غرفة داخل بيته وربما حماما أيضًا فتتمكن الأسرة من رعايته دون الاختلاط به وهو الشيء غير المتوفر لأكثر من ثمانين بالمائة من المصريين. لكن على الأقل خفف هذا من الضغط على المستشفيات العامة من ناحية، ورحم الناس من جشع المستشفيات الخاصة من ناحية أخرى. كما نجح عزل الحالات الخفيفة أيضًا في المدن الجامعية لأن المريض لا يحتاج لتدخلات طبية جراحية أو رعاية مركزة وهو ما أعطى فرصة للمستشفيات في تلقي الحالات الحرجة وحدها. السؤال المحير هنا لماذا لم تقم وزارة الصحة بمعاونة الجيش في بناء مستشفيات ميدانية بالخيام في الأماكن المفتوحة مثل إستاد القاهرة أو ملاعب المحافظات الأخرى والمدارس؟ خاصة وأن المستشفى الميداني الذي يستوعب 200 حالة يحتاج إلى اثنين من الأطباء وأربع ممرضات فحسب كما قال لي الأطباء، ويمكن للحاشية العادية أو المطاطية أن تقوم بسد الاحتياج بدلا من الأسرًة. علمت أن الجيش يجهز مستشفى كبيرًا في أرض المعارض مطلوب تعميمها في كل أنحاء مصر وبسرعة، الحالة تتفاقم.

نأتي لتجربة أهالي المنصورة الذين اعتمدوا على تبرع أحدهم بفيلا غير مسكونة وجمعوا تبرعات وصلت إلى 450 ألف جنيه وقدمت العديد من العائلات أسرّة تم فرشها في الفيلا التي تحولت بين يوم وليلة إلى مستشفى بعد شراء المستلزمات الصحية والدوائية وتبرع أطباء المنطقة برعاية المرضى.

نحن في حاجة لمستشفى في كل حي بهذه الطريقة مستشفيات في المراكز والقرى ومتطوعين من الطاقم الطبي كبير السن الممنوع من مخالطة المرضى لكنه غير ممنوع من متابعة الحالات عن طريق التليفون خاصة مع وجود برامج تتيح للطبيب المتابعة بالكاميرا وإجراء حوار مع المريض عن بعد. وقد تابعت حالة قريب لي في أمريكا أصيب بنزلة معوية فدخل على الموقع الصحي في مدينته وكتب استمارة فيها كل الأعراض فتم تحويله إلى طبيب باطني شخص الحالة أنها ليست كورونا دون مسحة وعرفت منه أن حالات القلب تتم بنفس الطريقة عن طريق اللقاء بالأطباء عبر الكاميرا وهكذا كل الأمراض فإذا رأى الطبيب أن الحالة تستدعي التدخل والنقل إلى المستشفى يحول المريض على الفور. ومن قبل كورونا كانت العمليات الجراحية الدقيقة تتم (بالفيديو كونفرنس) مع خبير في بلد آخر مثل د. مجدي يعقوب.

جيش من الأطباء والممرضين لا يتعاملون مع مرضى كورونا خوفًا من إصابتهم بالعدوى لأنهم فوق الخمسين يمكن أن يضيفوا جهدًا نحن في أمس الحاجة إليه. صديقي الطبيب الكاتب محمد إبراهيم طه عالج العشرات من المرضي بهذه الطريقة دون مقابلة المريض ونجح في إنقاذهم جميعًا.

أين اللجان الشعبية التي انبثقت من الإحساس بعدم الأمان أثناء ثورة يناير، وتم تنظيمها بمنتهى الوعي والحزم والكفاءة نحن في حاجة إليها الآن لمد يد المساعدة للمرضى وأهاليهم وقضاء مصالحهم دون التعرض للخطر. وهذا ليس ببعيد عن أخلاق المصريين. مع مراعاة كل المحاذير الطبية التي تفرضها وزارة الصحة، مع تدريب بسيط عليها يكسب المتطوعين القدرة على تقديم خدمة نحن في أمس الحاجة إليها. 

علمت الآن أن مجموعة من المتطوعين أنشأت "جروب" بعنوان مبادرة وجبات صحية لمصابي كورونا المعزولين في المنزل بعد أن جاءتهم معلومات عن عزوف بعض المحلات والمطاعم عن التوصيل للحالات المصابة، ويستطيع أي واحد دخول هذا الجروب والمشاركة بتوصيل الطلبات أو التبرع بها.

ليس كل ما جاءت به كورونا شر، ما يجرى الآن فيه بعض الخير لتطوير التعليم الرقمي وأعمال المصالح الحكومية الرقمية خاصة الخدمات وربما نطور نظامًا للصحة الرقمية أيضًا. وتبقى مراعاة الشروط الصحية والنظافة معركة علينا مواجهتها جديًا بعد انتهاء الأزمة.

----------------------

بقلم: هالة البدري

مقالات اخرى للكاتب

حين بكيت غربة نفرتيتي
اعلان