09 - 07 - 2020

قراءه فى مسلسل " الاختيار".. لم يبالغ فى دور منسى ولم ينصف شرفاء سيناء

قراءه فى مسلسل

قضية مهمة يحتدم الجدل حولها، وهى علاقة أبناء سيناء مع  الدولة ، واتساع فجوة الثقة بين الطرفين ، حتى أصبح من يقطن سيناء دائما فى محل شك وريبة، ووضعه فى محل اتهام إما تاجر مخدرات أو مهرب أو عميل أو إرهابى ، وقد رسخت المسلسلات والافلام والاعلام المصرى هذا المفهوم لدى الشعب المصرى ، فأصبحت صورة  البدوى السيناوى فى ذهن الشعب المصرى محل شك واتهام على طول الخط ، رغم أن ما يحدث فى سيناء من تهريب وإرهاب هو طبيعة مكان وليس طبيعة بشر , فسيناء على مدار عقود تعرضت لعملية تهميش  وإقصاء لم يتعرض لها اى شعب فى العالم ، فطبيعة وظروف المكان الحدودية هى من ساعدت على قيام البعض بعمليات التهريب ، وكذلك انتشار الإرهاب فى سيناء لأن  المكان مجاور للاحتلال الصهيونى، وليس البشر هو السبب فى اختياره ليكون مرتع التنظيمات الإرهابية.

ومسلسل "الاختيار" الذى اذيعت حلقاته خلال شهر رمضان والذى يجسد فيها الممثل أمير كرارة شخصية  الشهيد  البطل العقيد احمد منسى،  ويتحدث المسلسل عن السيرة الذاتية للشهيد منسى، والتي عالج فيها المؤلف الأحداث الإرهابية التى وقعت فى    الفترة ما بين سقوط  حكم الإخوان  فى ٣٠ يونيو ٢٠١٣ إلى غاية استشهاد العقيد منسى ورفقاءه فى ملحمة البرث فى ٢٠١٧م  

فى الحقيقة أن المسلسل لم يبالغ فى الأحداث فى تلك الفترة التى عالجها المؤلف والتى كنا فيها نحن ابناء سيناء شهود عيان على كل ما يحدث ، خاصة وأن هذا المسلسل ليس مجرد عمل درامي للتسلية  ، بل هو تاريخ لأحداث بعينها  ، قدم فيها رجالات القوات المسلحة والشرطة وشرفاء سيناء أعظم الملاحم البطولية وقدمت فيها التضحيات الجسام لأجل الوطن، وكان الشهيد البطل احمد منسى أحد رموز هولاء الابطال الشجعان ، وقد عالج المسلسل جزءا بسيطا جدا  من بطولاته الفذة ، ولم يبالغ المسلسل - كما يردد أعداء الوطن - فى بطولات الشهيد منسى ، حيث أن الأحداث  الحقيقية لبطولات منسى ضد الإرهاب لا تكفي فيها الاوراق كتابة ولا الاقلام تسطيرا ، ولا يعرف قيمة وقدر  بطولات الشهيد المنسى سوى شرفاء أبناء سيناء الذين رافقوه وحاربوا معه  والذين كان يعشقهم ويعتمد عليهم فى كل بطولاته ، وتناساهم صناع مسلسل الاختيار ، ولكن لم ينسهم الشهيد طوال فترة تواجده بسيناء فى حربه على الإرهاب .

ولأن المسلسل ليس مجرد عمل درامي للتسلية ولكنه صنع للتاريخ وقدوه للأجيال بروايته للسيره الذاتية لأعظم بطل شهدته هذه الحقبة من التاريخ ، جعلنا نحن أبناء سيناء عاتبين على صناع هذا العمل وكان طموحنا هو إظهار شرفاء سيناء الذين سقطوا شهداء وهم يحاربون الإرهاب كتفا بكتف مع البطل الشهيد احمد منسى ، وهم من زفوا فى جنازات صامتة لم يعلم عنها سوى ذووهم ، وتجاهلهم فى أحداث المسلسل يشكل خطرا على الأجيال القادمة من أبناء سيناء الشرفاء ، والمبالغة فى التركيز على إظهار البدوى السيناوى كعنصر إرهابى وتجاهل شرفاء سيناء الشهداء منهم والاحياء والذين كانوا سندا للشهيد منسى يشكل خطرا  على العلاقة بين أبناء سيناء والدولة والأجيال القادمة ، ولو أن الشهيد منسى هو من كتب ذكرياته وصنع هذا العمل ، لكان لشرفاء  سيناء شأن آخر فى هذا العمل.

ولا أدرى ما هذه الحساسية المفرطة تجاه شرفاء سيناء الذين سقطوا شهداء لأجل الله والوطن  وهذه الحساسية فى عدم الإنصاف  لابطال قدموا للوطن النفس والنفيس مع البطل الشهيد احمد منسى ، وللأسف فإن هذه الحساسية ترسخ المفهوم  الذى يردده الخبثاء والذي يؤدي لاتساع فجوة الثقة بين الدولة بأجهزتها وأبناء سيناء

فى المسلسل تم تهميش دور شرفاء سيناء فى الحرب على الإرهاب، فلم يتطرق إلى تفاصيل دور شرفاء سيناء ، حيث أن الشهيد البطل احمد منسى ورفقاءه من قوات الصاعقة لم  ينفذوا  أى  عملية مداهمة إلا وبرفقتهم احد شرفاء سيناء، وقبلها  تقديم المعلومات عن اى بؤرة ارهابية ، ونسى أو تناسى صناع المسلسل اول شهيد من شرفاء سيناء والذى استشهد وهو بحضن العقيد احمد منسى وقد لقنه الشهاده وهو يلفظ الأنفاس الاخيره ،وظل منسى راعيا لأسرته حتى استشهد.

هذا بالإضافة إلى ابطال من شرفاء سيناء قدموا أرواحهم فداء للوطن وهم يدافعون عن الوطن من شر الأشرار، الإرهاب الأسود، منهم من  قضى نحبه واستشهد فى اشرف المعارك ومنهم من هو على قيد الحياه قدم كل خبراته لاجل الوطن فى الحرب على الإرهاب، وكنت أتمنى أن يؤذن لى من أسر الشهداء أو من الابطال الاحياء أن أذكر أسماءهم ليكونوا قدوة  للأجيال، ولكن التاريخ يدونهم فى انصع صفحاته

ابطال من ذهب  سمعت منهم عن الدور الكبير الذى قدمه شرفاء سيناء فى الحرب على الإرهاب برفقة قاده عظماء من قوات الصاعقة المصرية  ، التقت فيها الثقافة البدوية والخبرة فى دروب الصحراء من ناحية والخبرة العسكرية  لقوات الصاعقة من جانب آخر فكانت النتيجه  تطهير الأرض من دنس الإرهاب  وتظل اسماء الابطال  من شرفاء سيناء  فخرنا وعزنا  بعد أن اسقطهم " الاختيار"

فى المسلسل كان هناك تغييب لدور الشهيد صبرى ابو جرير سواركه  من شرفاء سيناء فى حربه على الإرهاب عمدا وهو أمر لا تفسير له ، ويضعنا فى دائرة السؤال " لماذا.  "

أن الشهيد البطل صبرى ابوجرير  كان يرافق الشهيد منسى فى كل مداهماته وكان يحظى باحترام وثقة المنسى حيث أنه من اعز الناس لديه، وكان دليله الخاص ويركب معه الآلية العسكرية فى كل طلعاته فى الفترة التى سبقت استشهاده

وأصر الشهيد منسى أن يرافقه  الشهيد صبرى  للذهاب الى مربع البرث رغم أن صبرى خبرته فى تلك المنطقة كانت بسيطة لانه من سكان غرب العريش  ، فقال له صبرى لن اكون لك دليلا فى هذه المنطقة  لعدم خبرتى بهذه الأرض ولكننى  ساكون مقاتلا معك فى كل طلعاتك  ورافق صبرى قائده الى مربع البرث لينال الشهادة برفقة منسى ورجالات القوات المسلحه فى ملحمة البرث  فى اشرف المعارك فى العصر الحديث

وكانت لمنسى وصبرى قصة  تعبر عن مدى حب الشهيد القائد احمد منسى لأبناء سيناء وتقديره لدورهم ، رواها لى الشهيد صبرى قبل استشهاده

كان الشهيد صبرى ابوجرير  يرافق الشهيد القائد احمد منسى فى احدى المداهمات  للعناصر الارهابية  فى الصحراء فانفجر اطار الالية العسكرية   اثناء الاشتباكات مع  العناصر الإرهابية  ..  

قال صبرى : يا فندم  هانزل اغير اطار السيارة  وانتم احمونى باطلاق النيران

رد القائد المنسى : لا يا صبرى خليك انت  

قال صبرى : يا فندم انت قائد خليك وانا هغير الاطار

رد القائد :  خليك يا صبرى  فى الهمر  .. انا لو مت  مثلى آلاف  هيسدوا مكانى .. اما انت لو مت  امثالك قليلون

فنزل القائد من الهامر وتمكن من تغيير  الاطار، وعاودوا الاشتباك مع الارهابيين

هذه رواية من آلاف الروايات التى تجسد مدى التضحيات التى تقدمها القوات المسلحة مع شرفاء سيناء

والعجب العجاب أن صناع " الاختيار" تجاهلوا الشهيد البطل صبرى ابوجرير  فى ذكر اسمه ضمن  ابطال ملحمة البرث  الذى دونها المخرج فى اخر مشهد من الحلقة ٢٨ .

ولا أدرى  ما الغاية من من تغييب دور شرفاء سيناء فى هذا العمل والذى يؤدى إلى اتساع فجوة الثقه، والتى من المفترض أن يكون سد الفجوة إحدى غايات هذه الدراما التى تنتج بملايين الجنيهات ، وذلك بإبراز دور كل من حارب الإرهاب فى تلك الفترة  بشكل يرضى طموح أبناء سيناء الشرفاء ، خاصة وأن كل الأعمال الدرامية  المصرية لم تنصف أبناء سيناء. من أعضاء منظمة سيناء العربية  التى كان لها الدور الأبرز فى حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر المجيدة، رغم أن ملفات المخابرات مليئة بالتضحيات والبطولات لأبناء سيناء الشرفاء ، والتى تستحق فيها كل شخصية عملا دراميا منفصلا

مسلسل" الاختيار "  اكتفى بالقاء الضوء على " سالم السبع " ليعبر عن دور أبناء سيناء جميعا  فى مشهدين  لم يتطرق خلالهما إلى دورهم فى القتال مع القوات المسلحة بتفاصيل يستحقونها  

كما أن ظهور من يجسد دور ".حسان  " فى مشهدين أو ثلاثة  كان يعبر عن أولئك الذين ذبحوا على يد داعش من شرفاء سيناء والحقيقة أنه لم يعبر عن شخصية بعينها من الواقع كما يردد المشاهدون.

كما أن المسلسل بأحداثه يشكل خطرا على أبناء سيناء حيث يصور آباءهم وأجدادهم  كإرهابيين ولا ينشغل بالتركيز على التضحيات التى قدمها ابطال عظام من أبناء سيناء بشكل يرضى طموحهم ، وكنت أتمنى أن يذكر مسلسل " الاختيار" دور شرفاء سيناء بقدر تلك المشاهد التى جسدت  دور العناصر الإرهابية .

ولاشك أن المسلسل نال استهجانا لدى الشريحه الأكبر من المجتمع السيناوى ، إما من خلال تجاهل تضحيات شرفاء سيناء وذكر ما يستحقونه من ادوار فى القتال مع القوات المسلحه كتفا بكتف وبما يعكس الاحداث الحقيقة على أرض سيناء، أو من خلال اللهجة البدوية والتى كانت سقطة كبيرة فى السيناريو والحوار، وذلك بسبب جهل كاتب السيناريو و الحوار بالثقافة البدوية السيناوية.

 وتظل  حلقة " ملحمة البرث" من أهم الحلقات التى عبرت عن مدى قوة وعزيمة رجالات الصاعقة فى القوات المسلحة ولغة الدراما فى المسلسل اعتمدت على شخصيات تجسد دور البدوى ولكنها للاسف فشلت فى  فى ذلك خاصة من خلال اللهجة البدوية  وتقمص دور البدوى ليس له علاقة بالهجة أو الثقافة السيناوية

خلاصة القول إن الإعلام وصناع السينما والاعمال الدرامية فى بلادنا لن تنصف أبناء سيناء مهما قدموا من تضحيات جسام ولكن يكفى أن التاريخ يحمل فى طياته الكثير من هذه التضحيات ، وعلى أبنائنا ومثقفينا أن يدركوا أنه لن يوثق هذه البطولات غيرهم، وكفى مراهنه على الإعلام  والملفات المدفونة فى الاضابير .

--------------------

بقلم: عبدالقادر مبارك

مقالات اخرى للكاتب

قراءه فى مسلسل
اعلان