28 - 11 - 2020

"المشهد" ترصد آراء مبدعين .. هل الإبداع في زمن الوباء أو عنه من المستحيلات؟

محمد رفعت: لا أتوقع إبداعا عن كورونا مثل " الحب في زمن الكوليرا" لماركيز أو "الطاعون" لألبيركامي أو "العمى" لساراماجو...
عادل سعد: الأدب المصري للأسف بعد نجيب محفوظ لم يعد يناقش مشكلاتنا الاساسية
أسامه جاد:أكثر الأعمال المتوقعة فيما بعد الكورونا ستكون ديستوبية بامتياز 
أماني التونسي تتصدر السباق وتصدر رواية" الحب في زمن الكورونا"

لا ينفصل الأدب عن الواقع، بل على العكس قد يرمي الواقع بظلال كثيفة على مخيلة الأديب، الذي عادة ما تتضخم لديه الأحداث، أو يراها بعدسة مكبرة، وأزمنة الوباء بالتأكيد من الأوقات التي لا تمر على الأدباء والمبدعين مرورًا عابرًا، نازك الملائكة الشاعرة كتبت قصيدة الكوليرا عام 1947.

أما في الرواية العربية نكاد لا نعثر سوى على رواية السوداني أمير تاج السر "إيبولا 76" (صدرت عن دار الساقي في بيروت 2012)، وفيها يصف الروائي وباء إيبولا، الذي ضرب الكونغو وامتد إلى مدينة أنزارا في جنوب السودان.
وتقدم الرواية صورة بانورامية لمسار الوباء الذي انتقل من عاهرة في كينشاسا إلى جسد لويس نوا العامل في معمل للنسيج في أنزارا، ومنه انتشر في المدينة، التي احتلها الموت.

واعتمد تاج السر صيغة الريبورتاج الصحفي في روايته، من حيث بنية الرواية تتبع حركة الوباء الذي يحوم حول ضحاياه، لا تسمح لها بأن تبني شخصياتها خارج أطر محددة سلفاً، بحيث يبدو الناس مجرد ضحايا.

ومنذ أعلنت منظمة الصحة العالمية أن "كوفيد19" جائجة، جعلت كثير من مدن العالم إن لم يكن جميعها سجنًا مترامي الأطراف، فهل ستؤتي هذه الحالة صياغة أدبية سواء شعرًا أو نثرًا؟

مقارنة مستحيلة

يقول الروائي والكاتب محمد رفعت: لا يمكن مقارنة ما يحدث الآن بسبب فيروس كورونا من شلل عارم لكل أشكال الحياة، مع ما حدث سابقا أثناء الأوبئة التي داهمت العالم.

وبالتالي فإنني أتوقع أن تختلف طريقة تعامل الكتاب والروائيين والفنانين مع هذه الجائحة عن تعاملهم مع الأوبئة التي مرت على العالم من قبل، وألهمت المؤلفين العظام أعمالاً خالدة مثل " الحب في زمن الكوليرا" لماركيز، أو "الطاعون" لألبيركامي أو "العمى" لساراماجو.

وأتوقع أن تكون التأملات الفلسفية لمعنى العزلة وفكرة التباعد الاجتماعي والاحساس القاتل بالملل والضجر، اكثر حضوراً من مسألة عدد الاصابات والضحايا واجراءات الوقاية، ولهاث العلماء للوصول إلى مصل أو لقاح أو علاج، خاصة وأن الجميع يتوقعون أن يؤدي هذا الوباء وتداعياته إلى تغيير في موازين القوى العالمية، وأن العالم في لحظة تاريخية ربما لن تتكرر مرة أخرى خلال العقود القادمة، وسيكون كل شيء بعدها مختلفا على عدة مستويات اقتصادية وصحية واجتماعية ثقافية.

ويضيف: على المستوى الشخصي، فالكتابة عن الوباء ومحاولة إنجاز نص إبداعي قائم على هذه الفكرة ، هو أمر لا أفكر فيه ولا يمكنني استيعابه، وربما كان هذا الإحساس شخصي جدا، وله علاقة بتكويني الداخلي، فأنا لا أميل بطبعي إلى هذه النوعية من الأعمال ، وإن كنت سأكتب، فبالتأكيد سيغلني فكرة هذا الفيروس اللعين الذي أهان القوى العظمى وأثبت مدى هشاشة حضارتنا الإنسانية وهواننا وضعفنا أمام كائن لا يرى بالعين المجردة.

إعادة ترتيب

ويجزم الكاتب والروائي عادل سعد بأنه لن يحدث وباء كورونا حركة إبداعية، ويقول: الحقيقة لن يحدث لأننا حتى الآن لم يجتاحنا الوباء. ويوضح: تلك الأعمال الخالدة عن مناطق ضربها المرض حتى كاد يقضي على كل سكانها، وكورونا لم يفعل هذا في مصر حتى الآن ونتمنى ألا يحدث ذلك، مشاهد الجثث في الطرقات، الجوع، الهلاك، انعدام الأمن، الخوف من أي قادم، ومن العدوى،  كانت أساسية في تلك الروائع، كورونا سيكون سببا في إنتاج شيء مختلف؛ سوف يعيد ترتيب العالم في الدول وعقول الناس والأولويات. 

نعم ..يبدو الآن واضحا أن العلم أهم من الثروة، وأن الخطر لا يستثني أحدا وأن العالم مجموعة أكاذيب، وأمريكا عملاق ضخم الجثة على ساقين من طين سيغوص ويتفتت قريبا، وروسيا أقرب لإيطاليا من ألمانيا وفرنسا، أوربا ستتفكك من جديد، و ربما تندلع حروب لإقرار نظام عالمي جديد وفقا لتوازن القوى، وأين نحن من كل هؤلاء  للأسف نبدو كقشة في الهواء.

أهملنا التعليم لسنوات طويلة لأسباب سياسية ليمكن قيادة القطيع وهانحن ندفع الثمن فادحا، يستحيل السيطرة على هذا القطيع من الأميين الجاهلين مهما حاولت إقناعهم بخطورة المرض، مصر أيضا لا بد أن تتغير، وألا يحصل الطبيب على ١٩ جنيها بدل عدوى، المعلم أيضا ينبغي أن يستعيد مكانته ونرفع راتبه لنوقف الدروس الخصوصية والغياب عن المدارس،أيضا ينبغي استعادة التعليم الجامعي من قبضة مافيا تعليم جامعات الأجانب.

عيوب واضحة

ويضيف: اعتقد كل هذه تغيرات أصبح واضحا أنها أساسية، والأدب المصري للأسف بعد نجيب محفوظ لم يعد يناقش مشكلاتنا الاساسية انهم يمنحون جوائز لأعمال تاريخية تتحدث عن زمن المماليك والأندلس وهذا مقصود لان الأجهزة المدسوسة في كيان المؤسسات الثقافية تريد ذلك، محفوظ كتب الحب فوق الهرم كتب الكرنك، القاهرة ٣٠، ثرثرة فوق النيل، ميرامار ليعالج عيوب واضحة. 

فهل سيستعيد ادباؤنا دورهم في نقد عيوب المجتمع أم سيظلون داخل حظيرة دواجن وزارة الثقافة بشروطها المجحفة ؟

ديستوبيا

أما الشاعر أسامه جاد فيرى أننا إن تحرينا استبعاد "الديستوبيا" من الطرح إلا أن أكثر الأعمال المتوقعة في الحقبة المبكرة فيما بعد الكورونا ستكون ديستوبية بامتياز، خاصة وأن هناك طروحات بالفعل تناقش مسألة مجتمع الـ1% المستفيد من كل الكوارث الإنسانية. 

ويقول: هذا في الفترة المبكرة، كما أسلفت، غير أن مجتمع ما بعد الكورونا ذاته هو من سيفرض ذائقته الأدبية ويقرر نوع الأدب الذي ستخلده الذاكرة الجمعية. 

هناك أدب المحنة، الذي سيقدم نصوصا إنسانية مفعمة بالرهافة، قد تذكرنا بـ"اليوم السادس" لأندريه شديد. وهناك الرومانسيات الزورباوية، نسبة إلى رائعة كازنتزاكس، وهناك الأدب التسجيلي، الذي أتصور أن إرهاصاته قد بدأت بالفعل في يوميات الحظر على سبيل المثال.

ويضيف: كعادة الابتلاءات الكبرى، ستكون هناك حالة فرح إنساني عارمة مع انقشاعه، غير أن لحظات ما بعد الصدمة سيعقبها، كما هو المعتاد، نزف الروح وانفتاح الندوب. هنا ستكون اللحظة الإنسانية الفارقة في تأسيس أدب ما بعد الكورنا، وهو أدب جوهره العميق هو الإنسانية ومأزقها الوجودي.

إن الأثر الأبرز الذي سوف يسم أدب ما بعد الكورونا هو الانفتاح الإنساني على الإنسان في كل مكان. فهي المرة الأولى في التاريخ التي يتشارك فيها البشر من كل أنحاء المعمورة نفس المحنة وفي الوقت نفسه، وفي بث مباشر لا ينقطع. نعم كانت هناك أوبئة وكوارث طبيعية على مدى عمر الأرض، ولكنها كانت دائما محدودة جغرافيا، ولا يتجاوز تناولها خبرا هنا أو تقريرا هناك. أما مع الكورونا فنحن جميعا لاعبون ومشاهدون في الوقت نفسه، فهل تنتصر قيمة الإنسانية في الأدب على حساب الانحيازات المحدودة بالعرق والجنسية والطبقة الاجتماعية؟ 

رواية الكورونا

ولكن المتابع لحركة الإصدارات يجد أنه بالفعل بدأ نتاج أدبي عن زمن الكورونا، فقبل أيام قليلة صدرت رواية "الحب في زمن الكورونا" لـ "أماني التونسي"، في إصدار إلكتروني . وتتحدث الرواية عن الفترة الحالية التي يعيشها العالم أجمع وقد أثرت بشكل كبير على الحياة والبشر، وبالطبع تعتبر من أصعب الفترات التي مرت على مصر في كافة المجالات وعلى كافة الأصعدة.

وتتناول الرواية زاوية مختلفة لتلك المعاناة بشكل خفيف عن مجموعة من الأشخاص من الطبقة المتوسطة المسجونين في مكان ما وقت الإعصار، ثم يجتاح فيروس كوفيد 19 العالم، فيحبسون أنفسهم رغمًا عنهم بسبب حظر التجول، وتناقش الرواية قصص الحب وتأثير هذه الجائحة على البشر والعلاقات.
------------------
استطلاع – آمال رتيب





اعلان