20 - 01 - 2021

ترنيمة عشق| الحُب وعمايله

ترنيمة عشق| الحُب وعمايله

في شبابه في بورسعيد؛ دقّ قلب والدي لأول مرة، حين سكنتْ فؤاده "حورية"؛ فتاة جميلة أنيقة موظفة عند عمي صاحب المدرسة وناظرها، من فَرْط هيامه أزمع العاشق الارتباط بها، وذات يومٍ قرّر زيارتها بمكتبها ليبوح لها بمكنون فؤاده، ويطلب موعدًا لزيارة الأهل، وما إن دلَف داخل الأسوار حتى لمحها واقفة مع عمي يتجاذبان أطراف حوار ضاحك.

سكنتِ الغيرة قلب الشاب.. وقرّر وأْدَ حبها، إذ لم يعجبه أن تتبسّط "زوجة المستقبل" في كلامها مع أحد.. سيٍّما وهو الريفي الملتزم مذ صغره، فقد حجّ بيت الله ثلاث مرات؛ أولها حين كان في التاسعة عشرة من عُمره.

طوى الشاب المجروح صفحة "حورية بورسعيد" في عقله، بيْد أن القلب وما يهوَى بقي على حاله.. فغادر ونقلَ عمله ومسكنه مولّيًا شُطْر المنصورة علّه ينسى.. وبعد سنوات قرر الزواج؛ ساعة ظنّ أن مشاعره قد خبَت.

بعد مولدي أسمتْني أمي "منى"، واتصلت بوالدي لتبلغه، حيث كان منتدبًا وقتها خارج المنصورة في مهمة عمل، تحديدًا بمدينة بنها، لتدشين أول محطة كهرباء بها، ولأن طيوف الحُب الأول بقيتْ تطل بوهجها بين الفينة وأختها، يقرر الولهان أن يكتبني "حورية" بشهادة الميلاد؛ طاويًا الخبر عن الوالدة.. حتى يأذن الله في أمره!

صار اسمي في العائلة وبين الأهل والجيران "منى"، بينما حرص أبي على إخفاء شهادة ميلادي كحرصه على إخفاء سيرة حبيبته الأولى، وكلما حلّ موعد التطعيمات الدورية كان يُصر بشدة على الذهاب بي وحده.. لكنه وبعد ثلاث سنوات نسي ذات مرة، فذهبت أمي تحملني للطبيب بيد؛ وبيدها الأخرى شهادة ميلادٍ مطوية بعناية فائقة.

في العيادة الصحية؛ تقعد الأم بهدوء ووقار تنتظر سماع اسم ابنتها.. ورويدًا رويدًا يقل التزاحم، ويتم تطعيم جميع الأطفال ويغادرون إلاي! فتتنبّه المسكينة إلى أنها لم تسمع اسم ابنتها! فتهرع للطبيب تسائله في دهشة بالغة.. فينظر إليها بعين الريبة؛ بعد أن فضّ شهادة الميلاد ليكتشفا أن المدون بها اسم "حورية"! ويقع بصر الأم لأول مرة على مفاجاة ألجمتها! فيلتقطني الطبيب بيديه مسرعًا متهمًا إياها بأنها "سارقة"، وأنّي لست ابنتها!... وكان يومًا مشهودًا.

في تلك الأيام كان ابن خالي له اسمان، في الورق كُتِب بشهادة الميلاد "محمد"، وفي الحقيقة كان يُنادى بـ "عِزّت"، حتى نسي الجميع اسمه الأصلي! فلما دخل المدرسة؛ فات على والديه إخباره باسمه "الرسمي"! وكلما نادتِ المعلمة اسم "محمد" لم يُجب، فتكتبه غائبًا! وفي آخر العام رسب لتعديه نسبة الغياب المقرّرة! فكان أول طفل يرسب -ربما في بر مصر كلها- في أول ابتدائي!

رسوب ابن خالي دق ناقوس الخطر في بيتنا، إذ لم يتبق غير أيام وأبدأ عامي الدراسي الأول، أَتذكّر وقتها أن جاءني والدي محذرًا: إذا نادتِ المعلمة اسم "حورية" عليكِ أن تجيبيها، لا تخبري أحدًا أن اسمك "منى".. نظرتُ إليه متعجبة، وطفقْتُ أُردد خلفه في طريقنا للمدرسة وعلى هيئة أغنية -ألّفها لي أبي خصيصًا- وهو يصفق بيديه؛ وأنا أقفز قفزات إيقاعية على نغماتها: (اسمك إيه؟ أنا اسمي حورية..اسمك إيه؟ أنا اسمي حورية)؛ كان الاسم غريبًا على مسامعي ووجداني، ولم أشعر بارتباط به آنئذ.. وصرتُ حتى الآن أتعامل به فقط على الورق الرسمي.. وحين أكون بين عائلتي وجيراني يعود اسمي منى!

مواقف طريفة كثيرة حصلت، حال التحاقي بكلية الإعلام جامعة القاهرة سكنتُ بالمدينة الجامعية، وكنتُ وصديقاتي نتراسل بالخطابات في الإجازة الصيفية، كان ساعي البريد يعرف أسرتي تمامًا، وذات صباحٍ طرق باب بيتنا ليسأل أبي: أعلم أن لديك ابنتان؛ منى وحنان؛ فمتى جاءتك حورية؟! معي خطاب يحمل اسمها!

حين تزوجتُ عشتُ بالقاهرة، فشلتُ في تعويد زوجي مناداتي باسم "منى"، وتعلّل بأنه عرفني باسم "حورية" وقد اعتاده لسانه، كان -والدي رحمه الله- كلما يتصل تليفونيًّا ليطمئن عليّ يسأل: إزّي مُنى عاملة إيه؟ فيرد الزوج: الحمد لله حورية كويسة.
----------------------
بقلم: حورية عبيدة

مقالات اخرى للكاتب

ترنيمة عشق| إحياء العربية بصِدْقِ النَّوايا
اعلان