07 - 12 - 2021

دراسة عن آثار أزمة كورونا على الأمن الغذائي المصري وحلول مقترحة.. نضعها أمام صانع القرار

دراسة عن آثار أزمة كورونا على الأمن الغذائي المصري وحلول مقترحة.. نضعها أمام صانع القرار

حزمة من التعديلات المقترحة لسياسات الزراعة في مصر واستراتيجيات التخفيف من الأزمة

- مطالبة برفع سعر توريد القمح إلى 800 جنيه للأردب وانتهاز فرصة هبوط السعر العالمي لزيت الطعام لزيادة المشتريات وتعزيز المخزون 

- تخفيض أسعار الطاقة للإنتاج الزراعي ووقف تحصيل الرسوم على الطرق السريعة بشكل مؤقت وضم العمالة غير المنتظمة بالقطاع الزراعي إلى المستفيدين بمنحة ال 500 جنيه شهريا 

- اتخاذ السياسات المشجعة على زيادة إنتاج البقوليات الجافة والشراء بالعقود الآجلة وتحجيم الممارسات الاحتكارية

- مضاعفة الحصة التموينية المقررة على بطاقات الأسر محدودة الدخل لمدة ثلاث شهوروجعل البطاطس بديلا للأرز وتعزيز إنتاج الصناعات الغذائية

- زيادة قروض البنك الزراعي للزراعات الموسمية بحيث تغطى 50% من تكاليف الإنتاج بدلا من 20% وتأجيل سداد أقساط القروض المستحقة على المزارعين للبنك الزراعي

- رفع سعة المخزون الاستراتيجي للسلع الغذائية من 4 شهور إلى 12 شهرا، مما يستلزم ضخ استثمارات في هذا القطاع قد تصل إلى 3 مليارات دولار.

- تفعيل قانون التأمين الصحي على المزارعين واستحداث نظام للمعاشات للفلاحين أسوة بالفئات الأخرى وتفعيل قانون التكافل الزراعي الذى صدر في 2014

انتهى نخبة من أساتذة الجمعية المصرية للاقتصاد الزراعي من إعداد ورقة بحثية حول تحليل أثار أزمة كورونا على الأمن الغذائي المصري والسياسات والإجراءات المقترحة للتعامل مع تداعياتها، وقام الأستاذ الدكتور سعد نصار رئيس الجمعية المصرية للاقتصاد الزراعي ومستشار وزير الزراعة برفعها إلى رئيس الوزراء والوزراء المعنيين الزراعة والتموين والتجارة والصناعة والري.

وأوضح د. خيرى العشماوي رئيس قسم الاقتصاد الزراعي بالمركز القومي للبحوث وعضو مجلس ادارة الجمعية لـ "المشهد" تفاصيل هذه الورقة، والتي تأتي في إطار الدور الوطني الذي تقوم به الجمعية المصرية للاقتصاد الزراعي في مجال دراسة واقتراح السياسات الزراعية المساندة للتنمية الزراعية المستدامة والأمن الغذائي في مصر، وفي ظل جائحة فيروس كورونا وتداعياتها على المستوي العالمي، حيث طلب الدكتور سعد نصار رئيس الجمعية من مجموعة عمل   Task. Force من بين أعضاء الجمعية إعداد ورقة سياسات عن اثار أزمة كورونا علي الأمن الغذائي المصري والسياسات المقترحة للتعامل مع تداعياتها لوضعها تحت نظر صانعي السياسة ومتخذي القرار للاستفادة منها.  

وضمت مجموعة العمل هذه كلا من الأستاذ الدكتور جمال صيام، أستاذ الاقتصاد الزراعي بجامعة القاهرة، والأستاذ الدكتور إبراهيم صديق، أستاذ الاقتصاد الزراعي بجامعة المنوفية، والأستاذ الدكتور بركات الفرا، أستاذ الاقتصاد الزراعي بمعهد التخطيط القومي، والأستاذ الدكتور محمد الخشن أستاذ الاقتصاد الزراعي بالمعهد العالي للتعاون الزراعي، والأستاذ الدكتور خيرى العشماوي، أستاذ ورئيس قسم الاقتصاد الزراعي بالمركز القومي للبحوث، والأستاذ الدكتور شريف فياض، أستاذ باحث الاقتصاد الزراعي بمركز بحوث الصحراء، والدكتور مغاوري شلبي الخبير الاقتصادي بالمكتب الفني لوزير التجارة والصناعة.

 وتشير الورقة إلى ما تعرض له القطاع الزراعي في ظل ركود عديد من القطاعات الاقتصادية الأخرى، بعد أن  ضرب وباء كوفيد-19 (كورونا) العالم منذ فترة قاربت الآن على أربعة شهور، وأدخل الاقتصاد العالمي في ركود لم يشهد مثله العالم منذ الكساد العظيم في أواخر عشرينيات القرن الماضي. وبينما كان الاقتصاد المصري قد قطع خطوات حثيثة في مسيرة الإصلاح، جاءت أزمة هذا الوباء لكى تعرقل هذه المسيرة، بعد أن ضربت جزءا مهما من مصادر النمو لاسيما قطاعات السياحة والطيران والترفيه وتجارة التجزئة وبعض قطاعات الصناعة، وأثرت كذلك على تحويلات المصريين في الخارج وعوائد قناة السويس.  

ويعد قطاع الزراعة والغذاء هو الآخر من أكثر القطاعات تأثرا بالأزمة والسبب الرئيسي وراء ذلك أن منتجاته في معظمها وقسما كبيرا من مستلزمات إنتاجه سلع تجارية Tradables. وتأتى أهميته في هذا السياق من أنه قطاع يرتبط به ما يقرب من نصف السكان المصريين كمصدر رئيسى لدخلهم ومعيشتهم، كما أنه يوفر نحو 55% من احتياجات البلاد من الغذاء، ويشتغل به نحو ثلث القوى العاملة المصرية، ويساهم بنحو 12% في الناتج المحلى الإجمالى، وبنحو 20% في الصادرات السلعية. 

وفضلا عن ذلك، يرتبط القطاع الزراعي بروابط خلفية وأمامية بالقطاعات غير الزراعية من أهمها قطاعات الأسمدة الكيماوية والآلات الزراعية والأعلاف المركزة (روابط خلفية) وقطاعات الصناعات الزراعية والغذائية وتجارة الغذاء (روابط أمامية).  

هدف الورقة

 تهدف هذه الورقة إلى تحليل السيناريوهات المحتملة للأزمة على صعيدى الأسواق العالمية للغذاء والسوق المحلى، ومناقشة الآثار المحتملة لها على المستويين الكلى والجزئى والأطراف الضالعة فيهما، كما تهدف إلى تقديم حزمة مقترحة من السياسات والإجراءات التي يمكن لصانع القرار تبنيها في المدى القصير للتخفيف من آثار الأزمة. وتناولت الورقة عددا من النقاط الجوهرية في آثار الأزمة على القطاع الزراعي، وكيفية مواجهتها بحسب رأي المختصين والخبراء في المجال، ومنها:

إطار الاقتصاد السياسى للأزمة: 

نشأت أزمة كوفيد-19 (كورونا) في البداية كأزمة صحية شملت العالم بأكمله، لكن سرعان ما تحولت إلى أزمة عالمية ذات أبعاد اقتصادية واجتماعية وسياسية. وكما هو مشاهد الآن وخلال الشهور الأربعة المنقضية تكافح الدول الغنية والفقيرة على حد سواء للخروج بأقل الخسائر من هذه الجائحة. بيد أنه من المؤكد أن هذه الخسائر ستتضاعف على جميع الأطراف إذا امتد الوباء إلى شهور أطول. ولعل ما قد يقلق فقراء العالم هو تسييس الغذاء عالميا، والتحكم فى أسعار السلع الغذائية الاساسية والتحكم فى امدادته من قبل الدول المصدرة كأحد أوراق الضغط في اللعبة السياسية حتى فيما بعد كورونا، الأمر الذى ينطوى على مخاطر هائلة على الأمن الغذائي في الدول المستوردة الصافية للغذاء على وجه خاص.

 ومن ناحية أخرى، يلاحظ أن الدول المستوردة الصافية للغذاء، ورغم  حرج موقفها على الصعيد العالمى لم تلتفت إلى أهمية قطاع الزراعة والغذاء على مستوى أولويات سياساتها الاقتصادية على مدى العقود الماضية. الأمر الذى تمخض عن تفاقم اللا أمن الغذائي Food insecurity في هذه الدول وتزايد اعتمادها على واردات الغذاء من الخارج.

فيما يتعلق بمصر، هى إحدى الدول النامية المستوردة الصافية للغذاء ، وتستورد حاليا نحو 45% من احتياجاتها الغذائية ، وهى أكبر مستورد للقمح في العالم.وقد نشأ هذا الوضع نتيجة لسياسات اقتصادية همشت قطاع الزراعة والغذاء على مدى عقود، ووضعته في أولوية متاخرة بين قطاعات الاقتصاد القومى. وسوف نناقش في إطار هذه الورقة كيف فاقمت أزمة كورونا من المخاطر التي تواجه مصر وكذا ضرورة مراجعة السياسات الاقتصادية والزراعية لتخفيف هذه المخاطر.

على الصعيد الإقليمى، سوف ينشأ عن الأزمة بالضرورة تغييرات جوهرية في ترتيبات المنطقة العربية ومنطقة الشرق الأوسط بشكل عام. وقد توقع صندوق النقد الدولى تحقيق معدلات نمو سالبة لدول المنطقة باستثناء مصر التي توقع لها معدل نمو موجب يبلغ نحو 2.5% سنويا. ولعل مصر في هذا الوقت الحرج تستطيع أن تتبنى موقفا عربيا موحدا في مواجهة آثار الأزمة في إطار جامعة الدول العربية.

حساسية الأمن الغذائي في مصر للصدمات والأزمات العالمية بالإشارة إلى أزمة كورونا

تعتبر مصر إحدى الدول المستوردة الصافية للغذاء Net-food importer country ، وهي تستورد 45% من غذائها، الأمر الذى ينطوى على مخاطر عالية فيما يتعلق بالأمن الغذائي وحتى الأمن القومى المصرى. وحتى فى الأوضاع العادية الخالية من الأزمات العالمية، تعتبر مصر غير آمنة غذائيا Food- unsecured  وضعيفة Vulnerable في مواجهة الصدمات والأزمات العالمية. وإذا كان ذلك يتعلق بمحور الإتاحة Availability بصورة أساسية، فهناك 32.5% من السكان المصريين (أي 32.5 مليون نسمة طبقا لنشرة الدخل والإنفاق للجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء 2017) يقعون تحت خط الفقر، وربما هناك نحو 20% آخرين على هامش خط الفقر، وهؤلاء جميعا معرضون لمخاطر غذائية كبيرة عند أي ارتفاع في أسعار الغذاء.

وتستعرض الورقة بعض المؤشرات التي تعكس حساسية الوضع الغذائي في مصر في مواجهة الأزمات العالمية: 

* ثقل اعتماد مصر على استيراد سلع الغذاء الأساسية : القمح  (58%) – الذرة (50%) - زيت الطعام (87%) – السكر (30%) – الفول (90%) – العدس ( 99%). : اللحوم الحمراء (49%)، وهناك مجموعة أخرى من السلع تتضاءل فيها معدلات الاستيراد ( أي تقترب من الاكتفاء الذاتي) وتشمل الدواجن (3%) البيض (0.0%) الالبان الطازجة (13%) والأسماك (15%)، ومجموعة ثالثة  تضم الخضر والفاكهة وهى سلع تحقق فيها مصر الاكتفاء الذاتي فضلا عن فوائض تصديرية كبيرة.

* محدودية طاقة التخزين الاستراتيجي: لا تتجاوز الطاقة التخزينية للغذاء في مصر 4  شهور من استهلاك السلع الغذائية، وهى طاقة ضئيلة بالقياس إلى الحجم الكلى للاستهلاك.

* ضعف سلاسل إمداد الغذاء القيمة الزراعية: ضعف الروابط الأفقية (منظمات الفاعلين) والرأسية (الزراعة التعاقدية والمجالس السلعية) وارتفاع الفاقد الفيزيقي (الحبوب 10%، الخضر والفاكهة 35%)

* ضعف البنية التحتية التسويقية وتواضع شبكة الأسواق: تهالك الطرق الريفية، ومحدودية محطات التعبئة، ومحدودية أسواق الجملة والأسواق الربفية، وضعف تجهيزات سلسلة التبريد ومحدودية التخزين.

* تطبيق سياسات سعرية غير محفزة لإنتاج الغذاء: معامل الحماية الإسمية أقل من الواحد الصحيح مما يعنى ضرائب ضمنية يتحملها المنتج (جدول ( 2) بالملحق)، وضرائب ضمنية على أسعار السولار المستخدم في الزراعة

* ندرة العملة الصعبة وتفاقمها بسبب أزمة الوباء: أثرت الأزمة سلبا على مصادر مهمة للنقد الأجنبي وعلى رأسها السياحة وتحويلات العاملين بالخارج وعوائد قناة السويس، الأمر الذى يقلل من قدرة البلاد على استيراد الغذاء.

* سعر الصرف (تدهور قيمة الجنيه مقابل الدولار): ومتضمناته السلبية على محاور الأمن الغذائي :الإتاحة (تقليص الواردات) والنفاذ (ارتفاع أسعار السلع المستوردة)

* هشاشة الموقف المائي: مع بلوغ عدد السكان المصريين 100 مليون نسمة، انخفض نصيب الفرد من المياه إلى 600 متر مكعب سنويا وهو معدل أقل بكثير من حد الفقر المائي (1000 متر مكعب سنويا)، ومعروف أن الأمن الغذائي مرادف للأمن المائي.

تطورات أسعار الغذاء العالمية في الفترة الأولى للأزمة (يناير-مارس) وما بعدها 

على غير المتوقع انخفضت أسعار الغذاء العالمية بشكل حاد خلال الشهور الثلاثة التي انقضت منذ أن ضرب وباء كوفيد-19 (كورونا) العالم، حيث انخفض مؤشر الأسعار العالمية للسلع الغذائية الأساسية (الحبوب  والزيوت النباتية والسكر والألبان، اللحوم) في شهر مارس، بنحو4.3 في المائة عن شهر فبراير. وكان هذا الانخفاض مدفوعاً في غالبه بتقلص الطلب نتيجة لآثار جائحة كوفيد-19، وهبوط أسعار النفط العالمية بسبب توقعات التباطؤ الاقتصادي في الغالب مع قيام الحكومات بفرض قيود استجابة للأزمة الصحية. إن انخفاض الأسعار مدفوع إلى حد كبير بعوامل الطلب، وليس العرض، والتي تتأثر بدورها بالتوقعات الاقتصادية التي تزداد تدهوراً مع مرور الزمن. 

ولا يقتصر انخفاض أسعار السلع الغذائية على الشهور التى شهدت الوباء، بل يبدو أن هذا الانخفاض سوف يمتد إلى الشهور القليلة القادمة إذا لم تحدث تغيرات مفاجئة في سياسات الدول المصدرة. يتضح ذلك من رصد التغيرات فى اسعار العقود الآجلة فى بورصة شيكاغو للسلع، والتى تشير إلى أن التغيرات السعرية العالمية فى الستة اشهر القادمة من هذا العام لكل من القمح والذره والارز والسكر وفول الصويا تتجه بصورة واضحة إما إلى الاستقرار أو إلى الهبوط الطفيف. 

هناك إذن أربعة عوامل ساهمت بصورة رئيسية في انخفاض أسعار الغذاء العالمية، أولها : هبوط أسعار النفط وهو ما أدى إلى انخفاض أسعار الذرة والزيوت النباتية والسكر، ثانيها: الإمدادات الكبيرة من الإنتاج العالمي في السنة المنقضية وهو ما ينطبق على حالة القمح والسلع الاخرى، ثالثها: التدابير الصحية  في مواجهة وباء كورونا وما تنطوي عليها من صعوبات لوجستية وهو ما ينطبق على حالة الألبان واللحوم، رابعها : سياسات الدول المصدرة فيما يتعلق بتقييد التصدير (حالة الأرز). 

السيناريوهات المحتملة للأزمة

وتضع الورقة عدة احتمالات متوقعة لتعامل القطاع مع الأزمة منها: 

استقرار الأسعار العالمية مع ارتفاع الأسعار المحلية لأسباب لوجستية استقرار أو هبوط الأسعار العالمية مدفوعا بعوامل عدة: التأثير ثلاثي الأبعاد لسعر النفط: انخفاض الطلب على الوقود الحيوي، صدمة الطلب نتيجة لتدنى الـ GDP، خفض تكلفة الشحن الدولى، وخفض تكلفة إنتاج الغذاء لسببين: الأول خفض أسعار مستلزمات الإنتاج الزراعي والغذائي، وخاصة التي يدخل فيها النفط كمكون أساسي مثل الأسمدة الكيماوية، الثاني: خفض تكلفة الوقود كمكون مهم في تكلفة الإنتاج،  مما يحفز لزيادة الإنتاج.

السوق المحلى: ارتفاع أسعار المنتجات وخاصة سريعة التلف (الخضر والفاكهة والأسماك، الألبان الطازجة، على مستوى المستهلك لا تنعكس على مستوى المنتج نتيجة لارتفاع الهوامش التسويقية الكلية (نلاحظ أن الحكومة تراجعت بسرعة عن إغلاق الأسواق وإلا كانت الأسعار تصاعدت إلى مستويات أعلى).

  سيناريو 2: أزمة الغذاء العالمية مع ارتفاع الأسعار المحلية لأسباب لوجستية

هذا السيناريو مرشح للحدوث فقط  في حال قررت دولة أو أكثر من الدول المصدرة الرئيسية للسلع الغذائية حظر التصدير للاحتفاظ بمخزونات كبيرة في إطار سياسة حمائية. في حالة الأرز تصاعدت أسعاره بسبب حظر فيتنام لصادراتها وهى ثالث دولة مصدرة، في حالة القمح تعليق كازاخستان لصادراتها لم يكن مؤثرا على عكس ما قد يحدث إذا قررت روسيا وقف التصدير.

السوق المحلى: سوف يتفاقم ارتفاع أسعار الغذاء محليا مدفوعا بتأثيرين: الأول أثر الأزمة العالمية وعلاقة الأسعار المحلية بالعالمية، الثاني ، الصعوبات اللوجستية الناشئة عن التدابير الصحية الاحترازية للوباء. 

آثار الأزمة على الأمن الغذائي

تتفاقم مخاطر الأمن الغذائي المصرى بسبب الأزمة من ثلاث جوانب، الأول أن جزءا كبيرا من موارد النقد الأجنبى قد يفقد، لاسيما أن عوائد قناة السويس وقطاع السياحة وتحويلات العاملين بالخارج وربما بعض الصادرات مهددة بالتراجع أو قد تراجعت بالفعل، يدل على ذلك أن البنك المركزى قد سحب 5.4 مليار دولار من الاحتياطي الأجنبي خلال شهر مارس لكى يتناقص الاحتياطي إلى 40 مليار دولار، وفى نفس الوقت تحتاج مصر إلى توفير نحو 10 مليارات دولار من هذا الاحتياطى لتمويل مدفوعات فاتورة واردات الغذاء، الثانى ، أن العرض العالمى من الغذاء يتعرض للاضطراب بسبب التدابير الاحترازية الصحية من جانب وسياسات التحوط من جانب بعض الدول المصدرة من جانب آخر، الأمر الذى قد يرفع الأسعار العالمية للغذاء ومن ثم يرفع من أعباء الفاتورة، الثالث، أنه على المستوى المحلى تؤدى التدبير الصحية إلى التأثير سلبا على محورإتاحة الغذاء Availability والتأثير سلبا على دخول فئات عريضة من المستهلكين (عمال اليومية والأسر الفقيرة) وإذا ترافق ذلك مع زيادة الأسعار، فسوف يتأثر المحور الأهم من محاور الأمن الغذائي وهو النفاذ Accessibility . 

وبالنسبة للجانبين الأخيرين نناقش آثار الأزمة على مصر في ظل سيناريوهين محتملين:

 سيناريو 1: طالما ظلت أسعار الغذاء العالمية مستقرة أو حتى مالت إلى الهبوط  على النحو الذى تم توضيحه، وأن لا مشاكل سوف تحدث في العرض العالمي للغذاء نتيجة للوباء ، فإنه لا يتوقع حدوث تأثيرات عكسية على واردات مصر (لا زيادة في المدفوعات ولا أعباء إضافية على احتياطي النقد الأجنبي مع استمرار سهولة الإتاحة وتدفق الواردات). فاستمرار هذا الانخفاض هو في صالح الاقتصاد المصري على المستوى الكلى متمثلا ذلك في انخفاض فاتورة الغذاء وتخفيض عجز الموازنة وتخفيف العبء على احتياطي العملة الأجنبية باستثناء انخفاض قيمة الصادرات الزراعية. وهو كذلك في صالح المستهلكين والفئات منخفضة الدخل، غير أنه ليس في صالح الإنتاج الزراعي عموما، والمنتجين الزراعيين خاصة، على أساس أن الأسعار المنخفضة تثبط الإنتاج من ناحية وتخفض من دخول المزارعين من ناحية أخرى. ومع ذلك تجدر ملاحظة أنه على المستوى المحلى قد تؤدى التدابير الصحية والإغلاق إلى اختناقات لوجستية ترفع أسعار السلع الغذائية على المستوى المحلى برغم انخفاضها على المستوى العالمي. وسوف تنعكس هذه الأسعار بالضرورة سلبا على المستهلك، ولكنها في الأغلب قد لا تنعكس إيجابا على المنتج بسبب استغلال الوسطاء والأوضاع الاحتكارية لأسواق الغذاء.

 سيناريو 2: في ظل هذا السيناريو سوف ترتفع أسعار الغذاء العالمية نتيجة للاضطرابات في العرض العالمي للغذاء إما بسبب الصعوبات الناشئة في الشحن الدولي أو إلى تعليق بعض الدول المصدرة لصادراتها أو كليهما. ولهذا السيناريو تأثيرات عكسية على المستوى الاقتصادي الكلى متمثلة في زيادة قيمة فاتورة الواردات ونقص في الإتاحة) وأعباء إضافية على احتياطي النقد الأجنبي وزيادة عجز الموازنة. وعلى المستوى الاقتصادي الجزئي، يتضرر المستهلكون من ارتفاع أسعار الغذاء وتنخفض قوتهم الشرائية وكذا الأسر الريفية التي تملك حيازات زراعية والعمالة الأجرية. وبالنسبة للحائزين الزراعيين، فمنهم من يستفيد من ارتفاع الأسعار وهم من متوسطي وكبار الزراع الذين لديهم فائض مباع Net sellers بينما يتضرر صغار الزراع الذين يشترون أكثر مما يبيعون Net buyers.

السياسات والإجراءات المقترحة لمواجهة أثار الوباء في المدى القصير والمتوسط

أولآ: سياسات وإجراءات قصيرة المدى

القمح: رفع سعر التوريد إلى 800 جنيه للأردب لرفع معدل التوريد إلى 6 مليون طن وزيادة المخزون (من كل من المحلى  (سعر التوريد) والواردات )، مما يستلزم  توفير تمويل قدره نحو 30 مليار جنيه لهذا الغرض بزيادة 15 مليار جنيه عن التمويل الحالي (لتوريد 3.5 مليون طن).

الذرة: التوسع في الإنتاج وترتيبات التسويق من خلال التعاونيات، والزراعة التعاقدية بأسعار محفزة وتوفير المجففات لدى التعاونيات لإتاحة امكانية تخزينه.

زيت الطعام: انتهاز فرصة هبوط السعر العالمي لزيادة المشتريات لتعزيز المخزون، وفى نفس الوقت اتخاذ السياسات المشجعة على زيادة الإنتاج المحلى من محاصيل البذور الزيتية (الزيتون فول الصويا وعباد الشمس)  لتحسين نسبة الاكتفاء الذاتي فيها.

الأرز: قررت وزارة الموارد المائية والري تخفيض المساحة المزروعة إلى 724 ألف فدان للموسم الحالي، فضلا عن المساحة المقررة للأرز الجاف بما يصل بالمساحة الكلية إلى 1.1 مليون فدان. ومع ملاحظة أن السعر العالمي قفز إلى أعلى بسبب كورونا (استثناء وحيد من الاتجاه الهبوطي للسعر العالمي). فإن الحكومة يمكن أن تتجاوز عن المخالفات هذا الموسم في ضوء المخزون المائي المطمئن المتاح في بحيرة السد العالي ومفيض توشكي الذى قد يسمح بزراعة أكثر من 2 مليون فدان.

1- تخفيض أسعار الطاقة للإنتاج الزراعي: في ضوء انخفاض سعر النفط العالمي بنسبة 70% ينبغي تطبيق انخفاض مواز لسعر السولار المستخدم في الإنتاج الزراعي، ومن غير المنطقى في هذه الظروف تحميل إنتاج الغذاء بضرائب ضمنية مكثفة على النحو في مجال استخدام الطافة

2- وقف تحصيل الرسوم على الطرق السريعة بشكل مؤقت لمدة 3 شهور، خاصة على حمولات المواد الغذائية.

3- ضم العمالة غير المنتظمة في القطاع الزراعي إلى المستفيدين بمنحة ال 500 جنيه شهريا المقررة للعمالة غير المنتظمة في إطار حزمة إجراءات الحكومة لمواجهة الأزمة. 

ثانيا: سياسات وإجراءات متوسطة المدى

البقوليات الجافة: اتخاذ السياسات المشجعة على زيادة إنتاج الفول والعدس يجرى تطبيقها اعتبارا من الموسم الشتوي القادم، وزيادة المشتريات الخارجية لتعزيز المخزون من البقوليات.

الشراء بالعقود الآجلة: بالتوازي مع شراء الواردات من السلع الأساسية  من السوق الحاضرة، تقوم الهيئة العامة للسلع التموينية بالشراء عن طريق العقود الآجلة مع التحوط بغرض بناء مخزونات استراتيجية آمنة.

تركيب محصولي جديد: التجهيز لموسم شتوي مختلف يتواءم مع الأزمة :دراسات تركيب محصولي (التوسع في القمح إلى 4 مليون فدان)، زيادة طاقة انتاج التقاوي المعتمدة للقمح والبرسيم والأرز لكى يتم زيادة معدلات التغطية بالتقاوي المعتمدة مما قد يتطلب انفاقا يصل إلى مليار جنيه سنويا.

تحجيم الممارسات الاحتكارية: تشديد الرقابة على الممارسات التجارية غير المشروعة التي يمكن أن ترفع أسعار الغذاء، وخاصة التخزين المفرط، والاحتكار، ورفع الأسعار، وتغليظ العقوبات على المخالفين.

مضاعفة الحصة التموينية المقررة على بطاقات الأسر محدودة الدخل لمدة ثلاث شهور.

البطاطس بديلا للأرز: النظر في إحلال البطاطس محل الأرز في بطاقات التموين لمدة شهرين فقط، للحد من استيراد الأرز، والاستفادة من وفرة الإنتاج المحلي من البطاطس هذا العام.

تعزيز إنتاج الصناعات الغذائية: التنسيق مع كبار المستوردين واتحاد الصناعات المصرية، والتواصل مع مصانع المواد الغذائية الأساسية لزيادة الكميات المصنعة والمعروضة منها، ومواجهة أي نقص يحدث في الأسواق المحلية، خاصة في المناسبات الدينية .

التعامل مع لوجستيات الإمداد: على الدولة أن تراقب عن كثب الأسعار والقضايا اللوجستية المتعلقة بالسلع الغذائية، مع ملاحظة المشكلات الناشئة التي يمكن أن تؤدي إلى تفاقم الاضطرابات المحتملة في الإمدادات الغذائية خلال الجائحة.

زيادة قروض البنك الزراعي للزراعات الموسمية بحيث تغطى 50% من تكاليف الإنتاج بدلا من تغطية 20%

تأجيل سداد أقساط القروض المستحقة على المزارعين للبنك الزراعي

  1. ضم الأنشطة الزراعية والأنشطة الزراعية الصناعية إلى مبادرة البنك المركزي بإتاحة 200 مليار جنيه بفائدة 5% للأنشطة الصناعية
  2. استمرار العمل بالتراخيص المنتهية للمشروعات الزراعية إلى حين انتهاء الأزمة

إجراءات طويلة الأجل:

رفع سعة المخزون الاستراتيجي للسلع الغذائية من 4 شهور في الوضع الراهن إلى 12 شهرا على الأقل، مما يستلزم ضخ استثمارات في هذا القطاع قد تصل إلى 3 مليارات دولار.

تفعيل قانون التأمين الصحي على المزارعين

استحداث نظام للمعاشات للفلاحين أسوة بالفئات الأخرى من المجتمع

تفعيل قانون التكافل الزراعي الذى صدر في 2014 ولم يتم تطبيقه حتى الآن. ويعمل ها القانون على حماية المزارعين في مواجهة الكوارث الطبيعية المؤثرة على الإنتاج الزراعي 

تصعيد أولوية القطاع الزراعي: إحداث تغيير جذري في السياسات الاقتصادية يستهدف إعطاء أولوية متقدمة لقطاعات الزراعة والغذاء والمياه في مجالات الاستثمار والبحث والتطويرR&D والخدمات (التمويل والإرشاد) والمؤسسات (منظمات المزارعين والزراعة التعاقدية والتأمين الزراعي) والدعم، حتى تصبح هذه القطاعات أكثر قدرة على مواجهة الأزمات والصدمات الخارجية والمخاطر المتوقعة في مجالات مياه النيل والتغيرات المناخية.

الوضع الغذائي في مصر فيما قبل الوباء (2018).

السلعة
الإنتاج
صافى الواردات 
الاستهلاك(1)
معدل الاكتفاء الذاتي 
معدل الاعتماد على الواردات 
(ألف طن)
(ألف طن)
(ألف طن)
(%)
(%)
قمح
8349
11365
19714
42.4
57.7
ذرة
8543
8445
16988
50.3
49.7
أرز
4961
210
5171
95.9
4.1
زيوت نباتية
259
1688
1947
13.3
86.7
فول
116
988
1104
10.5
89.5
عدس
2
270
272
0.7
99.3
خضروات
11821
-785
11036
107.1
--
فاكهه
15026
-2160
12866
116.8
--
لحوم حمراء
639
624
1263
50.6
49.4
لحوم دواجن
1575
48
1623
97.0
3.0
ألبان
5173
748
5921
87.4
12.6

------------------
تقرير - آمال رتيب

مشاركون

اعلان